بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 22

السنة : هي قول وفعل وتقرير المعصوم ، ويختص ذلك عند أبناء العامة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فهل هذه الاتجاهات والمصادر الثلاثة من الرسول والامام يمكنها ولو بصورة جزئية أن تقع في عرض الكتاب لتعارضه أو تنافيه ؟

وإجابة على هذا الاستفسار وهذه المسألة التي تتشكل منها المباحث الرئيسية في هذا المجال سنناقش هذا الموضوع وندرس هذه القضيّة تحت عنوان « استقلال السنة في التشريع ».


صفحه 23

استقلال السنة في التشريع

دوّنت في الآونة الأخيرة كتبٌ كثيرة تحت عنوان « التشريع الإسلامي » من قبل شخصيات مختلفة ، إذ هي على الأغلب تصدر كرسائل لنيل درجة الدكتوراه ، وقد دوّن البعض وتحت عنوان « استقلال السنة في التشريع » أبحاثاً حول الاكتفاء الذاتي للكتاب والسنة ، وقد طرحوا وجوهاً ونماذج لاستقلال كلّ منهما ، ومن مجموع أبحاث هذه الكتابات نستوحي أن الحاجز والقضية الشائكة الأساسيّة عندهم هي عدم الاذعان لأخبار وأحاديث العرض على الكتاب ، إذ نجدهم يتهجمون بعنف وبألفاظ متشددة ولاذعة علىٰ هذه المسألة.

وفي الحقيقة فإن قضية عرض الأخبار على الكتاب تعتبر في نظر أبناء العامة رؤية ضالة تسربت إلىٰ التفكير والعقليّة الإسلاميّة عن طريق الزنادقة والروافض والخوارج !!

وكذلك يستشف من أقوال ووجهات نظر كبار العلماء عند أبناء العامة بأن هذا الأسلوب في التفكير عند أوساط أئمتهم وشيوخهم


صفحه 24

يمتاز بخطورة وحساسية خاصة ، إذ نجدهم يواجهون أيّة حركة التفات أو توجه إلى حاكمية القرآن في مقام ردّ أو قبول الأحاديث والأخبار بتكفيرها والردّ عليها ، ونجدهم يظهرون الاشمئزاز والتنفّر من ذلك !!

ومن هنا ينبغي أن نلحظ قضية استقلال السنة ، والتي أصبحت وسيلة تستخدم في الفترة الأخيرة لمهاجمة مذهب أهل البيتعليهم‌السلامفي بيانهم لأحاديث وجوب العرض على الكتاب ، أنها كم تتطابق وتنسجم مع الضوابط والأسس العلمية ، وماهو الميزان لتلقّي وقبول ذلك عند أبناء العامة ؟

إن هذا الاسلوب والنمط في التفكير والرؤية عند مذهب الإمامية وأهل البيتعليهم‌السلاماعتبر مبدءاً مقدّساً ومتقناً ، فاتبعوه بتمام القوة وارتأوا ضرورة أن تتطابق السنة مع الكتاب.

وفي الحقيقة فإن مسألة الحفاظ على السنة تستوجب وتحتّم على الإنسان المؤمن والمتعبد بالشريعة في كافة الفترات الزمنيّة أن يتعامل مع الأحكام الصادرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبما يتناسب مع شأنها ومكانتها ، وليتعلمها ويعلّمها للآخرين ، وأن يكون متمسكاً بها.

ومما لا شك فيه ، فإنه كان من المحتّم في بدء الدعوة


صفحه 25

الإسلاميّة ـ لضرورة العمل بالسنة ـ أن يتم الحفاظ والمواظبة على الأقوال والسنن المأثورة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأن يُحاول جهد الامكان وبأتم الصور المراقبة والمحافظة عليها ، ولكن عندما منع الخلفاء التدوين ، وذلك لأجل أغراض ووجهات نظر خاصة ، لم يمكن الوصول إلىٰ السنة الصحيحة وإلى كافة أقوال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فعندها وانطلاقاً لرفع الحاجة وسدّ الافتقار ، ومن أجل الوصول إلى ما يرمون إليه ، عمدوا إلى أمر يقربهم إلى السنة ويوصلهم إليها ، فاختلقوا أمراً لينوب عن ذلك.

ومن هذا المنطلق اعتبروا عمل الصحابي وعمل أهل المدينة في عداد السنة ، وذلك لأن أفعالهم مستقاة من سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ومن الواضح أن هذا النمط والأسلوب لتلقي السنة لا يسعه أن يكون مبيناً لها على وجه الحقيقة ، ومن جهة أخرى فهذا التمسك يتم إذا لم يعتر فعل الصحابة أو أهل المدينة عيب أو نقص.

وحيث أن السياسة العامة للسلطة الحاكمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمانتهجت نهجاً وسبيلاً خاصاً ، وظهرت أحداث ومجريات غير متوقعة وغير مرتقبة في طريق السنة ، عندها لم يبقَ مجالٌ للتمسك بالسنة عبر أفعال هؤلاء.

ومما لا شك فيه فإن أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمولا سيما علي بن


صفحه 26

أبي طالبعليه‌السلامهم الأولى والأتقن في استيعاب وفهم ومعرفة القرآن والسنة ، وهذا مما اعترف به مخالفوهم ، حيث يقول المناوي في فيض القدير : « قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء »[١]، فمع هذا الوصف كيف يمكننا القول بأن يكون غيره مقدَّماً عليه في بيان السنة ؟

كما أن التمسك والالتزام بأقوال الصحابة أو أهل المدينة مع كثرة مواطن الضعف الموجودة فيها لن تصل أبداً في المستوى إلى الوثوق والاتكال عليها كما هو الحال في أقوال أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم وهم الذين أُذهِب عنهم الرجس وطُهِّروا تطهيراً.

وهذا من مسلّمات قواعد الترجيح في الأخذ بالأخبار والأحاديث والعمل بالسنن من جهة السند والتي تمتلك المستوى الرفيع في وثاقتها والعول عليها.

فبناءً على هذا لا يمكننا الوثوق والاعتماد في تلقّي السنة إلاّ بما جاء عن طريق أهل البيتعليهم‌السلامالذين وافق الجميع على طهارتهم وعلوّ شأنهم العلمي.

[١]فيض القدير ٣ : ٤٦.


صفحه 27

موضع الافتراق في تقسيم الأخبار

أجد من الضرورة ـ إذ يتمتع بحثنا بأهميّة ومكانة خاصّة ـ أن نتمعّن فيه ، وأن نحكم أمره بما يناسب المقام.

فإن الكتاب والسنّة كما اعتبرهما الإماميّة المصدرين الأساسيين من الأدلّة الاربعة ، واتّخذ أبناء العامّة أيضاً هذين الأمرين ركناً لقواعدهم التشريعيّة ، واعتبروهما أصلين مستقلّين في مجال التشريع ، وذكرنا فيما سبق أن مذهب الإماميّة اشترط وجود ترابط بين الكتاب والسنّة وعرّف السنّة أنها مبيّنة ومفسّرة للكتاب.

وقد قسّم البعض ـ كابن حزم ـ الأخبار فيما ترتبط بالكتاب إلى قسمين ، والبعض الاخر إلىٰ ثلاثة[١]، والفئة الثالثة إلىٰ أربعة أقسام[٢].

[١]راجع كتاب حجية السنة.[٢]راجع كتاب « الفكر الاسلامي ».


صفحه 28

وهؤلاء البعض ممّن قسّم الأخبار إلىٰ ثلاثة أو أربعة أصناف ، ذكروا أموراً في السنة ممّا لم تتبيَّن في القرآن ، كتحريم نكاح العمة وخالة الزوجة وتحريم أكل لحم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ورجم المحصن وغير ذلك ، إذ ذكر ابن حجر الكثير منها في بلوغ المرام ، وذكر الشوكاني ذلك في نيل الأوطار.

كما وأنّ تواجد مثل هذه الأخبار في السنة كان سبباً لظهور القول باستقلال السنة في التشريع وسبباً لنشوء الآراء والأقوال المختلقة ، وعند تبنّيهم لهذه الآراء نجدهم لا يشترطون لزوم عدم مخالفة الأخبار للكتاب وترجيح الموافق منها فحسب ، بل نجدهم يكفّرون من يقول بذلك ، ويتبرّؤون منه.

إنّ قوة الاستدلال والبرهنة عند مذهب الإمامية على ضوء الكتاب والسنة ، هو الذي نقب هذا البحث وأبداه محققاً ومهذباً ، فأحال الأمر وأرجعه إلىٰ العلماء الاعلام وأولي الألباب ، ليحكموا بأنفسهم ويبينوا مذهباً يمتاز بمستوى رفيع في تمسكه بالكتاب والسنة بين المذاهب الاسلامية عامة ، وليبينوا ماهي نسبة الصدق في التمسك بالقرآن والسنة للذين يدعون ذلك ويتظاهرون به.


صفحه 29

رأي أبناء العامة في عرض الخبر على الكتاب

من الأمور والملاحظات التي لم يُلتفت إليها في هذا المجال هي عدم التمعّن الشامل في المدلول التطابقي لقوله تعالى :(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)[١]، إذ نجد أنها حُملت فيما يخص استقلال أوامر الرسول ونواهيه بصورة منفصلة ومنقطعة عن كتاب الله عز وجل ، وهذا تصوّر باطل أو على أقل تقدير أنه غير تام ، لأنّ اختصاص هذا الأمر في مجال السنة يعتبر تصرفاً يفتقد القرينة على الظهور ، وهذا مما لم يُجعل له في المباحث الصناعية المتعلقة بحجية الظواهر ضابطاً يتكفل ببيانه وإيضاحه.

وتوهَّمَ البعض أن فحوى الاية المباركة يتعارض مع الأخبار القائلة بلزوم عرض الخبر على الكتاب ، وعلى هذا يمكن للسنة بصفتها الدليل الحاكم أن تقضي على حكم الآيات ، أو أن تصل إلى

[١]الحشر : ٧.