بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 27

موضع الافتراق في تقسيم الأخبار

أجد من الضرورة ـ إذ يتمتع بحثنا بأهميّة ومكانة خاصّة ـ أن نتمعّن فيه ، وأن نحكم أمره بما يناسب المقام.

فإن الكتاب والسنّة كما اعتبرهما الإماميّة المصدرين الأساسيين من الأدلّة الاربعة ، واتّخذ أبناء العامّة أيضاً هذين الأمرين ركناً لقواعدهم التشريعيّة ، واعتبروهما أصلين مستقلّين في مجال التشريع ، وذكرنا فيما سبق أن مذهب الإماميّة اشترط وجود ترابط بين الكتاب والسنّة وعرّف السنّة أنها مبيّنة ومفسّرة للكتاب.

وقد قسّم البعض ـ كابن حزم ـ الأخبار فيما ترتبط بالكتاب إلى قسمين ، والبعض الاخر إلىٰ ثلاثة[١]، والفئة الثالثة إلىٰ أربعة أقسام[٢].

[١]راجع كتاب حجية السنة.[٢]راجع كتاب « الفكر الاسلامي ».


صفحه 28

وهؤلاء البعض ممّن قسّم الأخبار إلىٰ ثلاثة أو أربعة أصناف ، ذكروا أموراً في السنة ممّا لم تتبيَّن في القرآن ، كتحريم نكاح العمة وخالة الزوجة وتحريم أكل لحم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ورجم المحصن وغير ذلك ، إذ ذكر ابن حجر الكثير منها في بلوغ المرام ، وذكر الشوكاني ذلك في نيل الأوطار.

كما وأنّ تواجد مثل هذه الأخبار في السنة كان سبباً لظهور القول باستقلال السنة في التشريع وسبباً لنشوء الآراء والأقوال المختلقة ، وعند تبنّيهم لهذه الآراء نجدهم لا يشترطون لزوم عدم مخالفة الأخبار للكتاب وترجيح الموافق منها فحسب ، بل نجدهم يكفّرون من يقول بذلك ، ويتبرّؤون منه.

إنّ قوة الاستدلال والبرهنة عند مذهب الإمامية على ضوء الكتاب والسنة ، هو الذي نقب هذا البحث وأبداه محققاً ومهذباً ، فأحال الأمر وأرجعه إلىٰ العلماء الاعلام وأولي الألباب ، ليحكموا بأنفسهم ويبينوا مذهباً يمتاز بمستوى رفيع في تمسكه بالكتاب والسنة بين المذاهب الاسلامية عامة ، وليبينوا ماهي نسبة الصدق في التمسك بالقرآن والسنة للذين يدعون ذلك ويتظاهرون به.


صفحه 29

رأي أبناء العامة في عرض الخبر على الكتاب

من الأمور والملاحظات التي لم يُلتفت إليها في هذا المجال هي عدم التمعّن الشامل في المدلول التطابقي لقوله تعالى :(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)[١]، إذ نجد أنها حُملت فيما يخص استقلال أوامر الرسول ونواهيه بصورة منفصلة ومنقطعة عن كتاب الله عز وجل ، وهذا تصوّر باطل أو على أقل تقدير أنه غير تام ، لأنّ اختصاص هذا الأمر في مجال السنة يعتبر تصرفاً يفتقد القرينة على الظهور ، وهذا مما لم يُجعل له في المباحث الصناعية المتعلقة بحجية الظواهر ضابطاً يتكفل ببيانه وإيضاحه.

وتوهَّمَ البعض أن فحوى الاية المباركة يتعارض مع الأخبار القائلة بلزوم عرض الخبر على الكتاب ، وعلى هذا يمكن للسنة بصفتها الدليل الحاكم أن تقضي على حكم الآيات ، أو أن تصل إلى

[١]الحشر : ٧.


صفحه 30

حدّ يمكّنها مِن أن تنسخ حكم الآيات.

فبناءً على هذا تفتقد هذه الأخبار حيثيتها لوجود المعارض مع الآية التي مرّ ذكرها ، ومن الواضح والبديهي جداً أن(مَا)في الآية المباركة تقصد بيان مهمّة الرسول وشرح رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأن المبادرة إلى تجزئتها عما هو خارج عن الكتاب يخالف ظهور الآية.

وقد جاء في كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ( المتوفى سنة ١٤٠٣ ه‌ ) مايلي :

« أحاديث العرض على كتاب الله : فكلّها ضعيفة ، لا يصحّ التمسّك بها ، فمنها ماهو منقطع ، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول ، ومنها ما جمع بينهما. وقد بيّن ذلك ابن حزم في الأحكام والسيوطي في مفتاح الجنة نقلاً عن البيهقي تفصيلاً »[١].

وفي كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي لمحمّد بن الحسن الحجوي الفاسي ( المتوفى سنة ١٣٧٦ ه‌ ) :

« اعلم أنّ الحقّ عند أهل الحقّ أن السنة مستقلّة في التشريع ... وما يروى من طريق ثوبان من الأمر بعرض الأحاديث على القرآن ، فقال يحيى بن معين : أنه من وضع الزنادقة ، وقال

[١]حجية السنة : ٤٧٤ ، ط بغداد ، دار السعداوي.


صفحه 31

جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری

الشافعي : ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير »[١].

وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم :

« عن عبد الرحمن بن مهدي أن الزنادقة وضعوا حديث : ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فان وافق فأنا قلته وإن خالفه فلم أقله. ونحن عرضنا هذا الحديث نفسه على قوله تعالى :(مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)وغيرها من الآيات الدالة على الأخذ بالسنة ، فتبين لنا أن الحديث موضوع ، دلّ على نفسه بالبطلان ، وقد نقل ابن حزم الأندلسي في كتاب الإحكام في أُصول الأحكام مجموعة مختلفة من هذه الروايات ، ثم بادر إلى تضعيفها جميعاً ، قال في فصل قوم لا يتّقون الله فيما ينسب إلى النبي : قد ذكر قوم لا يتّقون الله عزّ وجلّ أحاديثاً في بعضها إبطال شرائع الإسلام وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموإباحة الكذب عليه »[٢].

ثم بادر ابن حزم لبيان وسرد الأحاديث فضعفها واحدة تلو الأخرىٰ ، ثم قال معلّقاً علىٰ رواة بعض الأحاديث : « ساقط متهم بالزندقة ».

[١]أعلام الموقعين ٢ / ٣٠٩ ، الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي ١ / ١٠٤.[٢]الإحكام في أصول الأحكام : ٢ / ٢٠٥.


صفحه 32

وقال : « كلّ من يروي هذه الأحاديث فقد كذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم».

وقال أخيراً : « وقال محمّد بن عبد الله بن مسرة : الحديث ثلاثة أقسام : فحديث موافق لما في القرآن فالأخذ به فرض ، وحديث زائد على مافي القرآن فهو مضاف إلىٰ مافي القرآن والأخذ به فرض ، وحديث مخالف القرآن فهو مطرح ».

ثم يقول : « ولا سبيل إلىٰ وجود خبر مخالف لما في القرآن أصلاً ، وكل خبر شريعة ، فهو إمّا مضاف إلىٰ مافي القرآن ومعطوف عليه لجملته ، وإمّا مستثنىٰ منه لجملته ، ولا سبيل إلىٰ وجه ثالث »[١].

فنستوحي من هذه المقولات أن هذه الفئة ترتئي أن الأحاديث المنقولة في العرض على الكتاب لا مصداقية لها ولا صلة بينها وبين الكتاب والسنة ، بل هي ترتبط بالزنادقة ، ولا تمتلك الصلاحيّة للاستدلال بها والعول عليها.

[١]المصدر السابق ٢ / ٢٠٥.


صفحه 33

رأي الشاطبي ومخالفته للمشهور

ومن أبناء العامة نجد الشاطبي في كتاب « الموافقات » كمخالف للقول المشهور وموافق لرأي الإماميّة ، ونجده في مقام التعارض قدّم النصّ القرآني على الحديث ، وهو إذ جعل السنّة فرعاً للكتاب ، ووافق الرأي الذي ينطلق على ضوء الأسس المنطقية ، أُعتُبر مخالفاً لمشهور ما عليه أبناء العامة ، واعتقد الجميع أنه خالف الطريقة الصحيحة بتبنّيه هذا المعتقد.

يقول الشاطبي : « إن الكتاب مقطوع به ، والسنة مظنونة ، والقطع فيها إنّما يصحّ في الجملة لا في التفصيل ، بخلاف الكتاب ، فانه مقطوع به في الجملة والتفصيل ، والمقطوع به مقدّم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة »[١].

فقدم الشاطبي القرآن علىٰ السنّة لأنّه قطعي الصدور ، وجعل

[١]الموافقات ٤ / ٧.


صفحه 34

للسنة مكانة خاصة بصفتها مفسرة ومبيّنة لكلام الوحي[١]، واعتقد بأن القرآن فيه تبيان لكلّ شيء والسنة هي العارفة بذلك والمطلعة عليه وهي التي تتكفّل ببيان وإيضاح ذلك للناس ولم يبيّن للناس شيءٌ سوى الوحي[٢].

وكما قلنا إن جمهور أبناء العامة خالف ما ذهب إليه الشاطبي :

يقول الدكتور عبد الغني : « ومن ذلك كلّه تعلم بطلان ماذهب إليه الشاطبي في الموافقات من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الإعتبار ، وقد قلّده في ذلك بعض الكتّاب من المتأخرين في هذا الموضوع ، وبالتقليد أغفل من أغفل ... »[٣].

وممن خاض في هذه المخاضة ، وبادر لنشر أمور مفتعلة ولا أساس لها وحرّض على مذهب الشيعة هو الدكتور السالوس الذي أصدر لحدّ الآن مجموعة كتب ضدّ مذهب الإماميّة ، وفي إحدىٰ هذه الكتب باسم قصة الهجوم على السنة تعرض لهذه المسألة ، وكفّر أتباع مذهب التشيع ، وذكر أنهم ينتمون إلىٰ مقولة تقدّم القرآن على الأخبار.

قال : « وأصل هذا الرأي فاسد ـ لزوم عرض الخبر على

[١]المصدر السابق ٤ : ٧.[٢]المصدر السابق ٤ / ١٠.[٣]حجيّة السنّة : ٤٨٨ ـ ٤٨٩.