رأي الشاطبي ومخالفته للمشهور
ومن أبناء العامة نجد الشاطبي في كتاب « الموافقات » كمخالف للقول المشهور وموافق لرأي الإماميّة ، ونجده في مقام التعارض قدّم النصّ القرآني على الحديث ، وهو إذ جعل السنّة فرعاً للكتاب ، ووافق الرأي الذي ينطلق على ضوء الأسس المنطقية ، أُعتُبر مخالفاً لمشهور ما عليه أبناء العامة ، واعتقد الجميع أنه خالف الطريقة الصحيحة بتبنّيه هذا المعتقد.
يقول الشاطبي : « إن الكتاب مقطوع به ، والسنة مظنونة ، والقطع فيها إنّما يصحّ في الجملة لا في التفصيل ، بخلاف الكتاب ، فانه مقطوع به في الجملة والتفصيل ، والمقطوع به مقدّم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة »[١].
فقدم الشاطبي القرآن علىٰ السنّة لأنّه قطعي الصدور ، وجعل
[١]الموافقات ٤ / ٧.
للسنة مكانة خاصة بصفتها مفسرة ومبيّنة لكلام الوحي[١]، واعتقد بأن القرآن فيه تبيان لكلّ شيء والسنة هي العارفة بذلك والمطلعة عليه وهي التي تتكفّل ببيان وإيضاح ذلك للناس ولم يبيّن للناس شيءٌ سوى الوحي[٢].
وكما قلنا إن جمهور أبناء العامة خالف ما ذهب إليه الشاطبي :
يقول الدكتور عبد الغني : « ومن ذلك كلّه تعلم بطلان ماذهب إليه الشاطبي في الموافقات من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الإعتبار ، وقد قلّده في ذلك بعض الكتّاب من المتأخرين في هذا الموضوع ، وبالتقليد أغفل من أغفل ... »[٣].
وممن خاض في هذه المخاضة ، وبادر لنشر أمور مفتعلة ولا أساس لها وحرّض على مذهب الشيعة هو الدكتور السالوس الذي أصدر لحدّ الآن مجموعة كتب ضدّ مذهب الإماميّة ، وفي إحدىٰ هذه الكتب باسم قصة الهجوم على السنة تعرض لهذه المسألة ، وكفّر أتباع مذهب التشيع ، وذكر أنهم ينتمون إلىٰ مقولة تقدّم القرآن على الأخبار.
قال : « وأصل هذا الرأي فاسد ـ لزوم عرض الخبر على
[١]المصدر السابق ٤ : ٧.[٢]المصدر السابق ٤ / ١٠.[٣]حجيّة السنّة : ٤٨٨ ـ ٤٨٩.
الكتاب ـ أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلىٰ إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن ، وهم في ذلك مختلفوا المقاصد ... »[١].
ونقل كلام السيوطي في مفتاح الجنة بهذه الصورة : « إن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر من كلامه أن السنة النبوية والاحاديث المروية لا يحتج بها ، وأن الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث : ما جاءكم عني من حديث فاعرضُوه على القرآن ، فان وجدتم له أصلاً فخذوه وإلاّ فردّوه »[٢].
وهو يريد أن يقول : إن الذين يعتقدون بلزوم عرض الأحاديث على الكتاب ، في الحقيقة يعتقدون بالكتاب فقط وأنهم ينكرون السنة !
وبالرغم مما يُرى من نقاط ضعف في هذه المقولة ، يبدو أنّه قد نسي أنه إذا كان قول « الاقتصار على القرآن » يوجب الزندقة ، فان عمر بن الخطاب ينبغي أن يكون من الزنادقة في هذا المجال[٣]، لأنّه يعتبر الرائد الأوّل لهذه المقولة ، ويليه الخوارج الذين يعتبرهم
[١]قصة الهجوم على السنة : ٣٣.[٢]المصدر السابق : ٣٢.[٣]صحيح البخاري كتاب العلم رقم ١١١ ، وكتاب المغازي رقم ٤٠٧٩ ، وكتاب المرضى رقم ٥٢٣٧ ، وكتاب الاعتصام رقم ٦٨١٨.
أبناء العامة من أهل الصدق ويعدّون أحاديثهم من أصحّ الأحاديث[١]، لانّ الخليفة الثاني هو الذي قال ـ ولأول مرة ـ في حضور الرسول مقولة : « حسبنا كتاب الله » ، وكذلك الخوارج في بيان « الحكم لله » وقفوا بوجه حجة الله في تلك الظروف الحرجة والخطيرة.
[١]الكفاية للخطيب : ٢٠٧ ، السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي : ٢٠٥ ، أصول علم الحديث : ١٦٠ ـ ١٦١.
تبرئة الخوارج !
سبّبت نقاط الالتقاء ووجوه الاشتراك عند بعض الفرق أن يتحدوا في قبال مذهب التشيع ، وليدافعوا عن الخوارج ويعتبروا المذهب الإمامي هو الفرقة المنفردة والمختصة بالتمسك بالقرآن عند ضرورة العرض على الكتاب ، كما نجد في كتبهم ـ عند تبرير الخوارج في نقلهم الأحاديث الموجودة في مبحث لزوم العرض على الكتاب : روى عبد الرحمن بن مهدي : « ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله ، فان وافق كتاب الله فأنا قلته ، وإن خالف كتاب الله فلم أقله ، وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني الله » ، ثم قال : إن هذا الحديث إنما وضعه الخوارج والزنادقة[١].
ثم يقولون في مقام تبرير الخوارج : وأما الحديث الذي نسبه عبد الرحمن بن مهدي إلى الخوارج فيرجّح أن الزنادقة وحدهم وضعوه ، لا سيما وكل من يحيى بن معين والخطابي في تذكرة
[١]جامع بيان العلم وفضله ٢ / ٢٣٣.
الموضوعات ينسبانه للزنادقة[١]، كما أن محمّد عجاج الخطيب يضعّف نسبة هذين الحديثين للخوارج[٢].
وهذا الظن الحسن بالخوارج هو تتمة للايضاح المنقول عن أبي داود السجستاني إذ يقول « ليس في أصحاب الأهواء أصحّ حديثاً من الخوارج »[٣].
وأيضاً عن ابن تيمية : « والخوارج مع مروقهم من الدين فهم من أصدق الناس ، حتى قيل : إن حديثهم من أصح الحديث »[٤].
وجاء في كتاب مسند الفراهيدي من كتب الأباضية إذ هم يُعتبرون من فرق الخوارج ، ذكر حديث لزوم عرض الحديث على الكتاب عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلمولفظه : « إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافقه فعني ، وما خالفه فليس عني »[٥].
ومن هنا يتبيّن محاولة تبرئة الخوارج من هذا الافتراء والادعاء بأنّ الإمامية قد تفردوا في اختصاصهم بتقديم الكتاب على السنة وذهبوا إلى عرض الخبر على الكتاب.
[١]السنة ومكانتها في التشريع : ٩٧.[٢]السنة قبل التدوين : ٢٠٥ ، أصول علم الحديث : ١٦٠.[٣]الكفاية للخطيب : ٢٠٧.[٤]السنة ومكانتها في التشريع : ٢٠٥.[٥]مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ١ : ١٣ رقم ٤٠.
تمييز الأحاديث الموضوعة
واستناداً إلى نظرية أبناء العامة في المنع من عرض الخبر على الكتاب ينبغي أن تنقّح الأحاديث وتهمل الموضوعة منها في كتب الحديث بصورة كاملة ، وإلاّ فمن الصعوبة أن نحكم بصحّة الأحاديث ، وأن نتعامل معها كسنة مع عدم الاذعان بتنقيح الأحاديث الموضوعة التي تشتمل على أربعة عشر ألف[١]أو اثني عشر ألف[٢]حديثاً وأن لا نقول بتنقيحها من قبل ذوي الاختصاص.
وكانت الطريقة السائدة عند بعض المحدّثين الكبار من أبناء العامة الملقبين ب « أمير المؤمنين في الحديث » أنّهم لتحقّق نواياهم ومآربهم الخاصّة عمدوا إلى جعل ووضع الحديث ، وكانوا يضعون الحديث.
[١]الكفاية للخطيب البغدادي : ٦٠٤.[٢]تنزيه الشريعة المرفوعة ١ / ١١ ، أصول علم الحديث : ٩٧.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
فبناءً على هذا الأساس إذاً لا نمتلك ميزاناً ومقياساً معيّناً لتمييز ومعرفة الأحاديث الصحيحة ، ومما لا شك فيه أن ذلك سيؤدي بنا إلى مواجهة عقبات ومشاكل في معالجة هذا الأمر !!
على سبيل المثال : نعيم بن حماد المروزي ، هذا الراوي الذي أشادوا به ووُصف بالمقامات والدرجات الرفيعة : « كان نعيم بن حماد أعلم الناس بالفرائض وأول من جمع المسند وصنَّفه »[١]، لكننا نجده مع هذا الوصف في إمامة الحديث ، فقد كانت له صفة منبوذة وبغيضة وهي وضع الحديث ، وكان يبادر إليها كما قالوا عنه :
كان يضع الحديث في تقوية السنة[٢]، ووضع في الردّ علىٰ أبي حنيفة وناقض محمّد بن الحسن ووضع ثلاثة عشر كتاباً في الردّ على الجهميّة[٣]، وقال أبو داود فيه : « عند نعيم بن حمَّاد عشرون حديثاً عن النبي ليس لها أصل »[٤]ومما لا يخفى أنه كان يبادر إلىٰ تدريب بعض التلاميذ في هذا المجال كمحمد بن إسماعيل البخاري !!
وكذلك الراوي عن عكرمة أبي عصمة نوح بن أبي مريم الذي
[١]تاريخ بغداد ١٣ / ٣٠٦ ، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٩٩ ، تهذيب الكمال ٢٩ : ٧٠.[٢]سير أعلام النبلاء ١٠ / ٦٠٨.