وتعيين الصحيح والفاسد من الأخبار ، فانه قبل أن يتم إثباته عن طريق النصوص قد ثبت عن طريق الأدلة والبراهين من أنه أمر لا غبار عليه ، ولا يمكن تجاوزه إلى أي وجه آخر.
وكما يشاهد في بيان أخبار وأقوال فطاحل العلماء فإن حيوية هذا الأمر وسداده تمتاز بوضوح وإشراق ، إذ توحي بأننا لا نحتاج إلى أي دليل خارجي لقبولها والاذعان لها ، ومجرد نسبتها إلى كتاب الله وصيانته من الخطأ والتحريف لهما شاهدان على ذلك وهما دليل علىٰ صدقها وصحتها ، إذ تتمكن بذلك أن توفر الأرضية لجعل القرآن الحاكم والمرجع لتمييز وتعيين الأخبار الصحيحة عن الأخبار السقيمة والفاسدة.
وفي هذا المجال نشير إلى جملة من أقوال العلماء المختصين وأهل الخبرة في هذا الشأن.
يقول الشيخ الأنصاري :
« الثانية : أن يكون ( الخبر المخالف ) على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن المعارضة لكان مطروحاً لمخالفة الكتاب ، كما إذا تباين مضمونها كليّة ، كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدم ، واللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجيّة رأساً لتواتر الأخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب والسنّة والمتيقّن من
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
المخالفة هذا الفرد ، فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين ، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضاً »[١].
ويقول الآخوند الخراساني :
« إنّ الأخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة لو قيل بأنَّها في مقام ترجيح أحدهما ، لا تعيين الحجة عن اللاحجة كما نزلناها عليه ، ويؤيده أخبار العرض على الكتاب الدالة على عدم حجيّة المخالف من أصله ، فانَّهما تفرغان عن لسان واحد ، فلا وجه لحمل المخالفة في إحداهما على خلاف المخالفة في الأخرىٰ كما لا يخفى »[٢].
ففي هذا التصريح يستدل الاخوند بجهتي موافقة الكتاب ومخالفته : أحدهما ترجيح الموافق مع الكتاب في المتعارضين بالعموم والاطلاق ، والآخر بطلان الخبر المخالف مع القرآن على ضوء أخبار لزوم العرض على الكتاب.
ويقول الإصفهانيرحمهاللهأيضاً في هذا المجال :
« أمّا مقتضىٰ أدلّة الترجيح ، فاللازم تقديم الخبر الموافق لظاهر الكتاب بل لعلّه القدر المتيقّن من مورد الترجيح فتدبّر. وأمّا
[١]فرائد الأصول ، كتاب التعادل والتراجيح ، باب الترجيح بموافقة الكتاب ٤ / ١٤٨.[٢]كفاية الأُصول ٢ / ٤١٩ ـ ٤٢٠.
إذا كان الكتاب نصاً ، أو أظهر من المخالف ، فهو مورد سقوط المخالف عن الحجيّة رأساً بحيث لو كان وحده ما صحّ الأخذ به ، فانه القدر المتيقّن من الأخبار الدالّة علىٰ أنّه زخرف وباطل ، قد مرّ انّه من باب تمييز الحجّة عن اللاحجة ، لا من باب الترجيح بموافقة الكتاب »[١].
ويقول الشهيد الصدررحمهاللهأيضاً :
« الطائفة الثالثة : وهي الروايات الآمرة بعرض نفس أخبار الأئمّة على الكتاب وجعل الكتاب معياراً لتمييز الأخبار الصحيحة عن الأخبار الكاذبة ، علىٰ عكس ما يقوله الأخباريون[٢]من فرض
[١]نهاية الدراية ٦ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠.[٢]من المناسب لكبار العلماء والشخصيات الدينيّة ، في كتبهم الاستدلاليّة عند التطرق إلى مبحث حجية ظواهر الكتاب وفي مقام الردّ على الأخباريين وأيضاً في مبحث تعارض الخبرين حين يبادرون إلى بيان روايات لزوم العرض على الكتاب ، أن يتعرضوا في بدء الامر إلىٰ أبناء العامة بصفتهم مخالفين لهذه المجموعة من الأخبار ، ثم ليتعرضوا الى الأخباريين بصفتهم ساروا على نهج أهل الخلاف في هذا الخصوص ، ليتضح بذلك عظمة مذهب التشيع للعالم ومستوى تمسكهم بالكتاب ، وأيضاً ليتحقق الغرض من الاستدلال على المراد والمطلوب بصورة أفضل وأتم.
وإن اشتراك وموافقة الأخبارية وأهل الخلاف تثبت حقيقة امتياز منهج وأسلوب التفكير والاجتهاد والاستنباط عند مذهب الإمامية.
وبهذا الأُسلوب يتجلّى بوضوح مسألة بطلان المنهج المخالف وتتبدل ساحة المنازعات إلى شكل آخر.
والملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا المبحث هي أن يعلم العالم الاسلامي
أخبار الأئمّة أصلاً والكتاب فرعاً يفسّر بلحاظها ، وقد ادّعي تواتر هذه الطائفة.
والانصاف أن هذه الطائفة من أقوىٰ الأدلّة علىٰ حجيّة ظواهر الكتاب الكريم ، ولا يأتي هنا احتمالنا السابق في الطائفة الثانية ، إذ المفروض في هذه الأخبار جعل القرآن مقياساً لصحّة الخبر وسقمه ، فاذا فرض أن العبرة بالقرآن المفسر بالخبر كان ذلك رجوعاً مرة أُخرى إلىٰ الخبر فينتهي ذلك إلىٰ جعل نفس الخبر مقياساً لصحة الخبر وسقمه ، وهذا ممّا لا معنى له ولا يحتمل ، وهذا بخلاف باب الشروط ، فهناك لا يكون تهافت في أن يكون مقياس صحّة الشروط وفسادها مخالفتها للقرآن المفسّر بالخبر وعدمها.
والحاصل أن المتفاهم عرفاً من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أن القرآن هو الأصل وأن الأخبار هي الفرع وأن كلّ ما خالف الكتاب سواء كانت مخالفة لفظيّة أو ظهوريّة يجب طرحه ولا يجوز العمل به ، بل هو ممّا لم يقولوه ، لأنّهم تلامذة القرآن
والحوزات العلمية في شتى أنحاء العالم أن التشيع يستقي وجوده ويكتسب صفته الرسمية على ضوء تطابقه مع القرآن ، وأنه يرى السنة في موازات القرآن ومرتبطة بالكتاب ، على خلاف مذهب أبناء العامة ، إذ يرون السنة مستقلة في التشريع وغير مرتبطة بالقرآن ، وقد فندوا ورفضوا الروايات الواردة في موضوع عرض الروايات على الكتاب واعتبروها موضوعة من قبل الزنادقة !!
وأبناؤه فلا يأمرون بشيء يخالف القرآن ... »[١].
وحصيلة الكلام ، هو أن ما يفهم عرفاً من أخبار لزوم العرض على الكتاب هو أن القرآن هو الاصل والاخبار فرع ، وكل شيء يعارض أو يخالف القرآن بأي شكل من الأشكال ـ لفظية كانت أو ظهورية ـ فيجب رفضه ولا يجوز العمل به ، بل ينبغي أن نقول بأن التحدّث على خلاف ونقيض القرآن يعتبر من الموارد التي لم ولن يتحدث بها الأئمة ، وذلك لأنهم تلاميذ مدرسة الوحي وابناؤها ، ولا يتفوهون أبداً بما يخالف القرآن أو ما يعارضه.
[١]مباحث الأُصول للسيّد الحائري تقريراً لأبحاث الشهيد الصدر ١ / ٢٣٨ ـ ٢٣٩.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاریأحاديث الامامية في عدم الأخذبالأحاديث المخالفة للكتاب
١ ـ خبر الراوندي عن الصادقعليهالسلام: « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما علىٰ كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فرُدّوه ، فما لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما علىٰ أخبار العامّة ، فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف أخبارهم فخذوه »[١].
٢ ـ روى الصادقعليهالسلام: « أنّ رسول الله خطب الناس بمنىٰ ، فقال : أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله »[٢].
٣ ـ وعن الإمام أبي جعفر الثاني ـ محمّد الجوادعليهالسلامـ في
[١]وسائل الشيعة ١٨ / ٨٤ ب ٩ من أبواب صفات القاضي رقم ٢٩.[٢]أصول الكافي ١ / ٦٩ ، ح٥.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
مناظرته ليحيىٰ بن أكثم ، قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع : قد كثرت عَلَيَّ الكذّابة وستكثر بعدي ، فمن كذب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه علىٰ كتاب الله وسنتي ، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به ، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به »[١].
٤ ـ وعن الصادقعليهالسلامعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمقوله « إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة وعلىٰ كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه »[٢].
وأيضاً يروي الكلينيرحمهاللهأن الامام جعفر بن محمّدعليهالسلامقال : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ أنزل في القرآن تبيان كلّ شي ، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد حتىٰ لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلاّ وقد أنزله الله فيه »[٣].
وكذلك روى عن الامام محمّد الباقرعليهالسلام: « أنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يدع شيئاً يحتاج إليه الأمة إلاّ أنزله في كتابه وبينه لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلموجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه ،
[١]احتجاج الطبرسي ٢ / ٢٤٦.[٢]أصول الكافي ١ / ٦٩ ، ح١.