أخبار الأئمّة أصلاً والكتاب فرعاً يفسّر بلحاظها ، وقد ادّعي تواتر هذه الطائفة.
والانصاف أن هذه الطائفة من أقوىٰ الأدلّة علىٰ حجيّة ظواهر الكتاب الكريم ، ولا يأتي هنا احتمالنا السابق في الطائفة الثانية ، إذ المفروض في هذه الأخبار جعل القرآن مقياساً لصحّة الخبر وسقمه ، فاذا فرض أن العبرة بالقرآن المفسر بالخبر كان ذلك رجوعاً مرة أُخرى إلىٰ الخبر فينتهي ذلك إلىٰ جعل نفس الخبر مقياساً لصحة الخبر وسقمه ، وهذا ممّا لا معنى له ولا يحتمل ، وهذا بخلاف باب الشروط ، فهناك لا يكون تهافت في أن يكون مقياس صحّة الشروط وفسادها مخالفتها للقرآن المفسّر بالخبر وعدمها.
والحاصل أن المتفاهم عرفاً من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أن القرآن هو الأصل وأن الأخبار هي الفرع وأن كلّ ما خالف الكتاب سواء كانت مخالفة لفظيّة أو ظهوريّة يجب طرحه ولا يجوز العمل به ، بل هو ممّا لم يقولوه ، لأنّهم تلامذة القرآن
والحوزات العلمية في شتى أنحاء العالم أن التشيع يستقي وجوده ويكتسب صفته الرسمية على ضوء تطابقه مع القرآن ، وأنه يرى السنة في موازات القرآن ومرتبطة بالكتاب ، على خلاف مذهب أبناء العامة ، إذ يرون السنة مستقلة في التشريع وغير مرتبطة بالقرآن ، وقد فندوا ورفضوا الروايات الواردة في موضوع عرض الروايات على الكتاب واعتبروها موضوعة من قبل الزنادقة !!
وأبناؤه فلا يأمرون بشيء يخالف القرآن ... »[١].
وحصيلة الكلام ، هو أن ما يفهم عرفاً من أخبار لزوم العرض على الكتاب هو أن القرآن هو الاصل والاخبار فرع ، وكل شيء يعارض أو يخالف القرآن بأي شكل من الأشكال ـ لفظية كانت أو ظهورية ـ فيجب رفضه ولا يجوز العمل به ، بل ينبغي أن نقول بأن التحدّث على خلاف ونقيض القرآن يعتبر من الموارد التي لم ولن يتحدث بها الأئمة ، وذلك لأنهم تلاميذ مدرسة الوحي وابناؤها ، ولا يتفوهون أبداً بما يخالف القرآن أو ما يعارضه.
[١]مباحث الأُصول للسيّد الحائري تقريراً لأبحاث الشهيد الصدر ١ / ٢٣٨ ـ ٢٣٩.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاریأحاديث الامامية في عدم الأخذبالأحاديث المخالفة للكتاب
١ ـ خبر الراوندي عن الصادقعليهالسلام: « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما علىٰ كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فرُدّوه ، فما لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما علىٰ أخبار العامّة ، فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف أخبارهم فخذوه »[١].
٢ ـ روى الصادقعليهالسلام: « أنّ رسول الله خطب الناس بمنىٰ ، فقال : أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله »[٢].
٣ ـ وعن الإمام أبي جعفر الثاني ـ محمّد الجوادعليهالسلامـ في
[١]وسائل الشيعة ١٨ / ٨٤ ب ٩ من أبواب صفات القاضي رقم ٢٩.[٢]أصول الكافي ١ / ٦٩ ، ح٥.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
مناظرته ليحيىٰ بن أكثم ، قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع : قد كثرت عَلَيَّ الكذّابة وستكثر بعدي ، فمن كذب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه علىٰ كتاب الله وسنتي ، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به ، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به »[١].
٤ ـ وعن الصادقعليهالسلامعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمقوله « إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة وعلىٰ كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه »[٢].
وأيضاً يروي الكلينيرحمهاللهأن الامام جعفر بن محمّدعليهالسلامقال : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ أنزل في القرآن تبيان كلّ شي ، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد حتىٰ لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلاّ وقد أنزله الله فيه »[٣].
وكذلك روى عن الامام محمّد الباقرعليهالسلام: « أنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يدع شيئاً يحتاج إليه الأمة إلاّ أنزله في كتابه وبينه لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلموجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه ،
[١]احتجاج الطبرسي ٢ / ٢٤٦.[٢]أصول الكافي ١ / ٦٩ ، ح١.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً »[١].
وقد ذكرت أحاديث كثيرة بهذا المضمون في كتاب الوسائل :
« ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه »[٢].
« وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف »[٣].
« ما خالف كتاب الله فردّوه »[٤].
وجميع هذه الأحاديث تنطلق في اتجاه واحد ، وتمتلك مضامين مشتركة وعامة وهي لزوم عرض الخبر على الكتاب أو جعل القرآن بصفة الميزان والمقياس لتمييز ومعرفة الصحيح والفاسد من الأخبار ، وأن الرسول والأئمة الميامينعليهمالسلاملم يتفوّهوا بما يخالف الكتاب السماوي ، ولم يحكموا بما يناقضه أبداً ، وكان لسان حالهم : نحن أهل بيت لا نقول بما يخالف قول الرب ، وكلّ ما يخالف القرآن فهو باطل وزخرف.
وحريٌ بهذه الاخبار الموجودة في كتب الإمامية أن تدرس وتناقش في اتجاهين :
١ ـ الأخبار المطروحة لمعالجة ما يخص المتعارضين.
[١]أصول الكافي ١ / ٥٩ ، ح ١.[٢]وسائل الشيعة ١٨ / ٧٨ كتاب القضاء.
٢ ـ الأخبار المذكورة في عرض مطلق الأحاديث على الكتاب.
وبالنظر إلىٰ هاتين المجموعتين من الروايات نلحظ أيَّ نمطٍ قد اتخذه مذهب أهل البيت أو أي طريقة ليتقبّل هذه الحاكمية ، وكيف سار على ضوء أقوال الأئمة التي صدرت بموازاة البراهين العقليّة المستحكمة والمتينة ، وكيف حكّم الروايات مع الميزان والمقياس الالهي وكلام الوحي ، وكيف رفض ما خالفه وما غايره.
إنّ مذهب أبناء العامة ارتأى بأن هذه الأحاديث مختلقة وقد وضعتها الزنادقة ، وهي لا تملك أي حيثية أو منزلة في نفسها ! علماً بأن الإمامية وأبناء العامة اشتركوا في رواية نصوص هذه الأحاديث وفي امتلاكها وحدة الفحوى والمضمون.
والأحاديث التي ذكرها ابن حزم في كتاب « الأحكام » وذكرها الآخرون في كتبهم الفقهيّة والحديثيّة ـ كما أشير إلى نماذج منها في بدء البحث ـ تتّحد في نصوصها مع فحوى ومغزى الأحاديث الشيعية ، ولا يوجد اختلاف فيما بينها ، لكن ليعلم على مستوى ذلك علاقة كلّ من الفريقين بكتاب الله ووحيه.
فقه الشيعة في الموافقة مع الكتاب
بما أن مبنى وأساس المسائل الفقهية يعود إلى امتثال أوامر الشارع المقدس لذا يعتبر القرآن الكريم بصفته الكتاب السماوي الأخير والتام لتعيين منهجية وظائف البشرية هو المدار والمركز الأساسي لفهم واستيعاب هذه التوجيهات والقرارات ، إذ يستفاد من آياته المباركة لمعرفة الحقائق وفهم المعارف الدينية.
والكتب التي ألّفها العلماء في مجال آيات الأحكام وافتتاح وبدء المباحث الفقهية والكتب الاستدلالية بآيات الوحي تحكي وتعبر عن هذه الحقيقة : بأن أساس فهم وإدراك الدين ووعي المسائل الشرعيّة إنّما يرتبط بهذا الكتاب السماوي وهو الذي تمسك به كبار علماء الدين والتزموا به في أوامرهم ونواهيهم تمشياً وتوافقاً مع المباحث الفقهية المتداولة ، فكانوا يستنبطون الأحكام اللازمة منه.
وقد أوضحنا هذا الأمر فيما سبق بصورة عامة في باب موافقة الكتاب ومخالفته في الأخذ بالروايات والعمل بها ولا يوجد ضرورة لاعادة ذلك.