وقد جاء في مدارج السالكين لابن القيم: (وليعلم طالب العلم ودارس القرآن الكريم أنه ليس أنفع له في معاده ومعاشه وحياته الدنيا وأخرته وأقرب إلى سلامته ونجاته وسعادته من تدبر القرآن الكريم وفهمه وإطالة التأمل فيه والعمل بمقتضاه)[1]، وصدق الله العظيم القائل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: 37) .
وبعد الحديث عن أسلوب تلاوة القرآن الكريم وأسلوب الفهم له وأهمية ذلك نشرع في الأسلوب الفعال لحفظ القرآن الكريم وهو أسلوب يتكامل مع التلاوة وترديد الآيات وفهمها ولا يمكن فصله عن ذلك لمن أراد إتقان الحفظ وقوة التذكر وانطلاق اللسان بالقراءة.
[1]ابن القيم محمد بن أبي بكر، ت 751هـ، مدارج السالكين، بيروت: دار الفكر، 1402هـ، جـ1، ص 452 ,
الأسلوب التربوي الفعال في تحفيظ القرآن الكريم:
قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} (العنكبوت: 49) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد الحفاظ وأولهم للقرآن الكريم ومن بعده أصحابه رضي الله عنهم وهناك قواعد معينة على الحفظ تتمثل في الآتي:
إخلاص النية، وإصلاح القصد، وجعل حفظ القرآن الكريم والعناية به من أجل الله سبحانه وتعالى، والفوز بالجنة، وحصول مرضاة الله تعالى، ثم يأتي تصحيح النطق والتلاوة ومن أهم الطرق الفعالة في ذلك السماع من قارئ مجيد، أو حافظ متقن وأخذ القرآن منه بالتلقي مشافهة، ثم تأتي تحديد نسبة الحفظ كل يوم، حسب القدرة والاستطاعة وعزم الطالب المتعلم ومستواه العلمي، ثم لا يجوز للحافظ أن ينتقل إلى مقرر جديد في الحفظ إلا إذا أتم تماماً حفظ المقرر القديم، وذلك ليثبت ما حفظه تماماً في الذهن، ومما يعين تماماً على الحفظ فهم الآيات المحفوظة، ومعرفة وجه ارتباط بعضها ببعض، وربطها بالحياة والسلوك اليومي، ثم لا يتجاوز الحافظ سورة حتى يربط أولها بآخرها، ويتدرب على تسميعها بصورة كاملة أي يهتم بالمراجعة والتسميع الدائم لما حفظه من القرآن الكريم. وهذا الأمر يتطلب من الحافظ المتابعة الدائمة، إنه بهذه المتابعة الدائمة لما هو محفوظ من القرآن يستمر
الحفظ ويحصل الأجر والثواب في ازدياد ثم الاهتمام والعناية بالمتشابهات حيث القرآن متشابه في معانيه وألفاظه وآياته[1].
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر:23) .
والأسلوب التربوي الفعال في حفظ القرآن الكريم يركز على تلك القواعد السابقة مع تشويق الطلاب لحفظ كتاب الله تعالى، وقراءته دائماً دون كلل أو ملل، واحتساب الأجر من الله تعالى، مع الاهتمام بتشجيع الطلاب وتقديم الجوائز المادية والمعنوية وربط ذلك بمدى حفظ المتعلم وإتقان التلاوة والفهم لمعاني الآيات وربطها بالحياة اليومية.
وعلى المعلم الاهتمام بالتفسير والفهم للآيات القرآنية وربطها بشؤون الحياة كلها مع ضرب الأمثال وذكر القصص والحكايات وكل ما يؤدي إلى التشويق وتحبيب القرآن إلى النشء.
إضافة الى التركيز على الأخلاق الحميدة، والسلوك القويم والترتيب والنظام والمحافظة على الوقت ولكن في حدود العدل والرحمة والعطف على المتعلم والتسامح معه حسب ما يراه المعلم من تحقيق الهدف من حفظ القرآن واستمرار المتعلم على حفظه ومساعدته على مداومة الدراسة، وذلك بحسب ما يراه المعلم من ظروف المتعلم ومتطلبات العصر.
[1]عبد الرحمن بن عبد الخالق، القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم، الرياض: مطابع لينه، 1407هـ، ص 8 – 11.
ومنتهى الشرف، وغاية المجد والسبق هو حفظ القرآن الكريم كاملاً لوجه الله تعالى مع العمل به والتمسك بحبله المتين، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند أخر آية تقرؤها "[1].
وكما يذكر الخطابي وكما جاء في الأثر أن درج الجنة بعدد آي القرآن العظيم، فمن قرأ جزءاً من القرآن كان رقيه في درج الجنة على قدر ذلك، ومن قرأ القرآن كله استولى في رقيه على أقصى درج الجنة في يوم الآخرة، وبذلك يكون منتهى ثواب القارئ للقرآن الكريم عند منتهى قراءته[2].
ومما يساعد على الحفظ لكتاب الله تعال تقوى الله عز وجل في السر والعلن يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 282) .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} ((الطلاق:[2]-[3]) .
وقال عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} (الطلاق: 4–5) .
وحفظ القرآن يشمل إقامة حدوده كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه[3]لأن إقامة الحدود تشمل فعل المأمورات، وترك المنهيات.
[1]أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مرجع سابق، جـ2، ص 192.
[2]المنذري، الترغيب والترهيب، مرجع سابق، جـ2، ص350.
[3]مجد الدين أبو السعادات المبارك، النهاية في غريب الحديث والأثر، بيروت: المكتبة الإسلامية، 1400هـ، ص 274.
ولهذا فإن الأسلوب التربوي الفعال في حفظ القرآن الكريم هو المبنيُّ على تقوى الله تعالى ورجاء مغفرته وعطائه فالأمر والخلق له سبحانه وتعالى.
وعلى المسلم صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أم امرأة الحرص على ما يستطيع من حفظ القرآن الكريم، وإن كان الحفظ على يد حافظ فهو أولى، وأجدر للحفظ، مع الاستفادة من الأشرطة المسجلة للقرآن العظيم، ولأن في حفظ كتاب الله تعالى خيراً كثيراً، وأجراً عظيماً، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، فالقرآن نور وشفاء لما في الصدور، فقد جاء في الحديث الشريف: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح[1].
[1]محمد بن عيسي الترمذي، مرجع سابق، أخرجه الترمذي في ثواب القرآن، جـ5، ص 177، ورقم الحديث 2913.
الأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم:
قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5)
إن تلاوة القرآن الكريم وفهمه وحفظه مهم لحياة المسلم ولكن لب التعامل مع كتاب الله تعالى هو العمل به في شؤون الحياة كلها: لكي ينعم الإنسان بسعادة الدنيا والآخرة فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا، عثمان وابن مسعود وأبي رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم (العشر آيات) فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعملوا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً "[1].
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية العمل وقيمته بكتاب الله تعالى حيث روى أنه قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر "[2].
[1]أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مرجع سابق، جـ5، ص 411.
[2]محمد بن إسماعيل البخاري، مرجع سابق، أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن، رقم الحديث 5059.
وقد تواترت الآثار عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى بمراعاة جانب العمل بالقرآن الكريم في جميع شؤون الحياة كلها وإعطائها الأولوية، والتنادي برفعة مقام من وفق إليه، والتشهير بمن كان على خلاف ذلك"[1].
وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن "[2].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}
(البقرة آية: 121) ، أي يتبعونه حق اتباعه[3]. وفي تفسير الآية لمجاهد رحمه الله تعالى أي يعملون به حق عمله[4].
والأسلوب الفعال للعمل بالقرآن الكريم يشمل التطبيق التربوي وهذا التطبيق التربوي الممارس يشمل الفعل والترك أي فعل المأمور بفعله وترك المنهي عنه مع الالتزام بالأخلاق الحميدة، والآداب الفاضلة وترك مساوئ الأخلاق واجتناب أهلها.
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ "[5].
[1]عيادة بن أيوب الكبيسي، أبرز أسس التعامل مع القرآن الكريم، دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، 1418هـ، ص 105 – 106.
[2]محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، القاهرة: دار المعارف، 1399هـ، جـ 1، ص 360.
[3]محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ 1، ص 520.
[4]محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ 1، ص 520.
[5]سليمان بن الأشعث أبو داود، سنن أبي داود، بيروت: دار إحياء التراث العربي، أخرجه أبو داود في الصلاة في باب ثواب قراءة القرآن، رقم الحديث 1453.
والأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم يظهر فيه بوضوح تذكير التلاميذ وتعويدهم أن يحفظوا آيات القرآن الكريم ويعملوا بها، لأن الحفظ دون العمل بأحكام القرآن من سوء العمل، مع تعويد التلاميذ على قراءة سيرة الصحابة رضي الله عنهم الذين لا يجاوزون معرفة عشر آيات حفظاً حتى يعملوا بما فيها، مع التركيز على القدوة الحسنة من المعلم نفسه حيث يظهر في سلوكه العمل بالقرآن الكريم، لأن ذلك يساعد الطلاب على العمل بأحكام القرآن الكريم، ومعلم القرآن الكريم إذا عمل بالقرآن الكريم فهو يؤدي بفعله إلى إيصال الخير إلى غيره بالقول والعمل، وتكون دعوته أبلغ وتعليمه أنفع لنفسه ولغيره، حيث نرى هذا المعلم الصالح يحذر مما حذره مولاه، ويخاف مما خوفه من عقابه، ويرغب فيما رغبه مولاه، ويرجو ذلك من الله تعالى رغبة وحباً لله تعالى.
ونختم الحديث عن الأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم بقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يا حملة القرآن أو قال يا حملة العلم – اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم، لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى"[1].
[1]يحيي بن شرف النووي، ت 676، التبيان في آداب حملة القرآن، تحقيق سيد زكريا، مكة المكرمة، مكتبة نزار الباز، 1420هـ، ص 30.