ولهذا فإن الأسلوب التربوي الفعال في حفظ القرآن الكريم هو المبنيُّ على تقوى الله تعالى ورجاء مغفرته وعطائه فالأمر والخلق له سبحانه وتعالى.
وعلى المسلم صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أم امرأة الحرص على ما يستطيع من حفظ القرآن الكريم، وإن كان الحفظ على يد حافظ فهو أولى، وأجدر للحفظ، مع الاستفادة من الأشرطة المسجلة للقرآن العظيم، ولأن في حفظ كتاب الله تعالى خيراً كثيراً، وأجراً عظيماً، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، فالقرآن نور وشفاء لما في الصدور، فقد جاء في الحديث الشريف: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح[1].
[1]محمد بن عيسي الترمذي، مرجع سابق، أخرجه الترمذي في ثواب القرآن، جـ5، ص 177، ورقم الحديث 2913.
الأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم:
قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5)
إن تلاوة القرآن الكريم وفهمه وحفظه مهم لحياة المسلم ولكن لب التعامل مع كتاب الله تعالى هو العمل به في شؤون الحياة كلها: لكي ينعم الإنسان بسعادة الدنيا والآخرة فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا، عثمان وابن مسعود وأبي رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم (العشر آيات) فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعملوا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً "[1].
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية العمل وقيمته بكتاب الله تعالى حيث روى أنه قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر "[2].
[1]أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مرجع سابق، جـ5، ص 411.
[2]محمد بن إسماعيل البخاري، مرجع سابق، أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن، رقم الحديث 5059.
وقد تواترت الآثار عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى بمراعاة جانب العمل بالقرآن الكريم في جميع شؤون الحياة كلها وإعطائها الأولوية، والتنادي برفعة مقام من وفق إليه، والتشهير بمن كان على خلاف ذلك"[1].
وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن "[2].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}
(البقرة آية: 121) ، أي يتبعونه حق اتباعه[3]. وفي تفسير الآية لمجاهد رحمه الله تعالى أي يعملون به حق عمله[4].
والأسلوب الفعال للعمل بالقرآن الكريم يشمل التطبيق التربوي وهذا التطبيق التربوي الممارس يشمل الفعل والترك أي فعل المأمور بفعله وترك المنهي عنه مع الالتزام بالأخلاق الحميدة، والآداب الفاضلة وترك مساوئ الأخلاق واجتناب أهلها.
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ "[5].
[1]عيادة بن أيوب الكبيسي، أبرز أسس التعامل مع القرآن الكريم، دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، 1418هـ، ص 105 – 106.
[2]محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، القاهرة: دار المعارف، 1399هـ، جـ 1، ص 360.
[3]محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ 1، ص 520.
[4]محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، جـ 1، ص 520.
[5]سليمان بن الأشعث أبو داود، سنن أبي داود، بيروت: دار إحياء التراث العربي، أخرجه أبو داود في الصلاة في باب ثواب قراءة القرآن، رقم الحديث 1453.
والأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم يظهر فيه بوضوح تذكير التلاميذ وتعويدهم أن يحفظوا آيات القرآن الكريم ويعملوا بها، لأن الحفظ دون العمل بأحكام القرآن من سوء العمل، مع تعويد التلاميذ على قراءة سيرة الصحابة رضي الله عنهم الذين لا يجاوزون معرفة عشر آيات حفظاً حتى يعملوا بما فيها، مع التركيز على القدوة الحسنة من المعلم نفسه حيث يظهر في سلوكه العمل بالقرآن الكريم، لأن ذلك يساعد الطلاب على العمل بأحكام القرآن الكريم، ومعلم القرآن الكريم إذا عمل بالقرآن الكريم فهو يؤدي بفعله إلى إيصال الخير إلى غيره بالقول والعمل، وتكون دعوته أبلغ وتعليمه أنفع لنفسه ولغيره، حيث نرى هذا المعلم الصالح يحذر مما حذره مولاه، ويخاف مما خوفه من عقابه، ويرغب فيما رغبه مولاه، ويرجو ذلك من الله تعالى رغبة وحباً لله تعالى.
ونختم الحديث عن الأسلوب التربوي الفعال بالعمل بالقرآن الكريم بقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يا حملة القرآن أو قال يا حملة العلم – اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم، لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى"[1].
[1]يحيي بن شرف النووي، ت 676، التبيان في آداب حملة القرآن، تحقيق سيد زكريا، مكة المكرمة، مكتبة نزار الباز، 1420هـ، ص 30.
ولذا على طالب القرآن الكريم، والعلم عموماً، أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها والأخلاق الحميدة، وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته خوفاً من عذابه، ورجاء مغفرته ومحبة في طاعته ورضوانه، وأن يحافظ على ذلك العلم النافع وأن يكون تعويله في أموره جميعها على مولاه الله سبحانه وتعالى.
الدراسة الاستطلاعية الميدانية:
مكان الدراسة الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة وقد تأسست عام 1382هـ وهي مسجلة برقم ترخيص 2/[1]لدى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
وقد بلغ عدد الطلبة (26855) طالباً، وعدد الطالبات (14335) طالبة، كما بلغت حلقات القرآن الكريم (1426) حلقة، وبلغ عدد المدرسين (916) مدرساً، وعدد المدرسات (590) مدرسة، وبلغ عدد الموجهين (29) موجهاً، وعدد الموجهات (21) موجهة.
وبلغ عدد المساجد التي تقام فيها حلقات القرآن الكريم (498) مسجداً، إضافة إلى الحلقات التي تقام في المسجد الحرام وعددها (74) حلقة، كما بلغت مدارس الطالبات (156) مدرسة، ويمتد نشاط الجمعية إلى القرى المجاورة لمكة المكرمة مثل محافظة الجموم والمراكز التابعة لها كأبي عروة وخيف الرواجح، وقد بلغ عدد من حفظ القرآن الكريم كاملاً منذ تأسيس الجمعية (6341) طالباً وطالبة.
وعدد من حفظ القرآن الكريم كاملاً في الفترة[1]/9/1418هـ حتى 2/9/1419هـ (341) طالباً و (157) طالبة، وهناك معهد لإعداد المعلمين بالجمعية الخيرية[1].
[1]الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، التقرير السنوي الثاني والثلاثون، للفترة من 1/9/1418هـ حتى 12/9/1419هـ، ص 6، 7.
وإنها لنعمة عظمى من الله سبحانه وتعالى على هذه البلاد الطاهرة في عهد الدولة السعودية الراشدة حيث تنتشر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في كل مدن الملكة العربية السعودية وقراها فجزى الله القائمين على نشر القرآن الكريم وتعليمه خير الجزاء وكل من قد ساهم معهم مادياً أو معنوياً، في تعلم القرآن الكريم وتعليمه.
وقد أمرنا الله تعالى بعبادته وتلاوة القرآن العظيم، قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} سورة النمل آية 91–92) .
صدق الدراسة الاستطلاعية وثباتها:
وزعت الدراسة الاستطلاعية على بعض المتخصصين والموجهين بالجمعية لتعديلها حتى تصل إلى صدق ما وضعت له وقد أخذ الباحث بملاحظات المحكمين (1) فجزاهم الله خيراً.
وأما ثباتها: فقد طبقت الدراسة الاستطلاعية على مجموعة من المدرسين مرتين وأظهرت نتائج التطبيق في اتفاقها ما نسبته حوالي 97% وهي نسبة عالية تدل على وعي مدرسي القرآن الكريم وفهم أسئلة الدراسة الاستطلاعية.
مجتمع الدراسة:
هم عدد المدرسين ويبلغ (916) مدرساً.
أما عينة الدراسة: فقد أخذت بطريقة القرعة العشوائية مع مراعاة الناحية الجغرافية في توزيع المساجد بمكة المكرمة وكانت نسبة العينة 25% من مجتمع الدراسة أي (229) مدرساً.
وقد رجع من الاستطلاع الموزع (210) واستبعد منها (10) حيث لم تكن الإجابة كاملة وبالتالي كان عدد الإجابات الصحيحة (200) أي بنسبة 87 % تقريباً.
التحليل والتفسير للدراسة الاستطلاعية:
وقد اتضح من الدراسة الاستطلاعية لأفراد العينة الآتي:
حوالي 71% من أعمار المدرسين ما بين 18 سنة إلى 43 سنة.
نسبة مؤهلاتهم العلمية حوالي 88% أقل من الجامعة.
ونسبة المدرسين إلى عدد الطلاب حوالي 1-29 تقريباً.
عدد سنوات الخدمة أكثر من 5 سنوات يمثل تقريباً 75%.
نسبة الذين لم يلتحقوا بدورات تدريبية حوالي 85%.
نسبة المدرسين غير السعوديين تقريباً 70%.
وأن عدد الطلاب غير السعوديين أكثر من السعوديين في حلقات حفظ القرآن الكريم.
كما أن إجابة أفراد العينة عن أسئلة الدراسة الاستطلاعية كان ينقصها التوثيق للمعلومات، والتقصي الدقيق في الإجابة والإدراك الجيد لتلك الأساليب وأهميتها وقد يرجع ذلك إلى قلة التدريب لهم مع عدم تمكن بعضهم في اللغة العربية بالإضافة إلى أن أكثرهم في مستواه التعليمي أقل من المرحلة الجامعية ولذا كان التركيز على جانب الحفظ في طريقتهم التعليمية