وقال الآمدي في ( الأحكام )[١]:
اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة ، وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية. ومنهم من قال :
« إنهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع الاختلاف ، والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدّ من البحث في العدالة عن الراوي ، أو الشاهد منهم ، إذا لم يكن ظاهر العدالة ». ومنهم من قال :
« إن كل من قاتل علياً ، عالماً منهم ، فهو فاسق ، مردود الرواية ، والشهادة على الإمام الحق ».
ومنهم من قال : برد رواية الكل وشهادتم لأنّ أحد الفريقين فاسق ، وهو غير معلوم ولا معين أ هـ[٢].
وقال الغزالي في ( المستصفى ) :
وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث ..
وقال قوم : حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهورالحرب وألخصومات ، ثم تغيرت الحال ، وسفكت الدماء ، فلا بد من البحث.
ومما يتكىء عليه من يعتقدون عدالة جميع الصحابة قولهم إن رسول الله قال :
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وفي رواية فأيهم أخذتم
[١]الأحكام ٢| ١٢٨.
[٢]قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ، ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني ، وأشباههما ، ويحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر ، وعثمان ، وعائشة ص ١٠ـ ١١.
بقوله ... ولكن هذا الحديث باطل لا أصل له[١].
* * *
تعريف الصحابي ونقطة الخلاف
اختلفت الأقوال في حد الصحبة ومن هو الصحابي فقيل :
من صحب النبي أو رآه من المسلمين ، فهو من أصحابه.
وإليه ذهب البخاري في صحيحه وسبقه إليه شيخه علي بن المديني وقال :
من صحب النبي صلّى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحابه.
وهذا التعريف ينطق على المرتدين في حياة التبيصلىاللهعليهوآلهوسلموبعده ، وعلى كلّ راء له ، وإن لم يعقل ، وهذا أمر لا يقره العقل ، والوجدان ، فإن الردة محبطة للعمل ، فلا مجال لبقاء سمة الصحبة ، وقد ذهب أبو حنيفة إلى الإحباط ، ونصّ عليه الشافعي في ( الام ).
وقال الزين العراقي : الصحابي من لقي النبي مسلماً ثم مات على الإسلام.
وقال سعيد بن المسيب : من قام مع النبي سنة كاملة ، أو غزا معه غزوة واحدة.
وهذا القول لم يعملوا به لأنه يخرج بعض الصحابة الذين لم تطل مدّتهم مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، ولم يغزوا معه.
قال ابن حجر : والعمل على غير هذا القول[٢].
[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٤١ ـ ٣٤٤. ط. دار المعارف بمصر.
[٢]المواهب شرح الزرقاني ٨ | ٢٦.
وحكى ابن الحاجب قولاً لعمر بن يحيى أنه يشترط في الصحابي طول الصحبة ، والأخذ عنه[١].
كما أنهم جعلوا من الصحابة من لم ير النبيصلىاللهعليهوآلهوهو مسلم له ، أو له رؤية قصيرة.
ومهما تكن الأقوال ، والتعاريف فإن هذا الاسم يطلق على كل من سمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأو رآه من المسلمين مطلقاً ، وهم كلّهم عدول عندهم ، وما صدر منهم يحتمل لهم بحجة أنهم مجتهدون.
وهذه هي النقطه الجوهرية التي وقع الاختلاف فيها ، إذ الشيعة لا يذهبون لهذا القول فلا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها ، وكانت فيه تلك الملكة ، وأصالة العدالة لكل صحابي لا دليل عليه ، ولا يمكن إثباته.
فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرية فكر ، وتزن كل واحد منهم بميزان عمله ، فلا(يوادّون من حاد الله ورسوله)ويتبرأون ممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله).
والشيعة لا يخالفون كتاب الله ، وسنة رسوله ، وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة ، ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة.
ومن هذا فتحت على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ، وقد لفقها خصومهم ، ولو كان هناك صبابة إنصاف ، ومسكة من عقل ، وقليل من تتبع ، وإعطاء الفكر حريته ، لما وقعت تلك الملابسات ، وحلت تلك المشاكل.
ومن الغريب أن تتهم الشيعة بسب الصحابة ، والطعن عليهم
[١]شرح ألفية العراقي : ٤| ٣٢.
أجمع ، وبذرة التشيّع نشأت في مجتمع الصحابة ، ومنهم أبطال التشيع ، وحاملو دعوته ، وهم الذين عرفوا بالولاء لعليّعليهالسلام، وناصروه في حربه لمن بغى عليه ، وهم خيار الأئمة[١].
* * *
الأخذ بعدالة جميع الصحابة
وإذا كان الجمهور على أنّ الصحابة كلّهم عدول ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة ، واعتبروهم جميعاً معصومين من الخطأ ، والسهو ، والنسيان ، فإنّ هناك كثيراً من المحقّقين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة ) لجميع الصحابة ، وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي إنها ( أغلبية ) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط ، والسهو ، والنسيان ، بل والهوى ، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلاّ بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، ممّا يرجع إلى الطبيعة البشرية.
وإن سيّدهم الّذي اصطفاه الله صلوات الله عليه « والله أعلم حيث يجعل رسالته » قد قال :
« أنا بشر أصيب وأخطىء ».
ويعزون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين ، والكاذبين. وبأنّ كثيراً منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى ، بل ما وغع منهم من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث ، والنسل ، ولا تزال آثارها ـ ولّما تزل ـ إلى اليوم ، وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله عليه قد رأى بعين بصيرته النافذة
[١]الإمام الصادق والمذهب الأربعة : ١ / ٥٩٩ ـ ٦٠١.
ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فقال في حجة الوداع : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ».
وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي قال :
« إنكم تحشرون حفاة عراة وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال.
فأقول : أصحابي! أصحابي! فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.
فأقول : كما قال العبد الصالح :
(وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم)».
وروى مسلم هذا الحديث بلفظ : « ليردن علّي ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني فأقول : أصحابي! فيقول : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ».
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : « بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني ، وبينهم قال : هلم : قلت أين؟ قال : إلى النار والله ، قلت وما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم »[١].
وفي رواية أخرى أنّ النّبي قال :
« يرد علّي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلأون عن الحوض ، فأقول :
يا رب أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم أرتدوا على أدبارهم القهقرى ».
[١]همل النعم : الإبل بلا راع أي لا يخلص منهم من النار إلاّ قليل.
وأخرج عن سهل بن سعد قال : قال النّبي : « ليوردن علّي أقوام أعرفهم ، ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ».
قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال :
هكذا سمعت من سهل؟! فقلت نعم.
فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته ـ وهو يزيد فيها ـ فأقول :
إنهم منّي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول :
« سحقاً ، سحقاً لمن غير بعدي! ».
واخرج من حديث عن ابن عباس جاء فيه :
وأن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول :
أصحابي! أصحابي! فيقال :
إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم...» الحديث.
أخرج ابو يعقوب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ، أنه كان يحدّث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط[١]من اصحابي فيجلون عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ( مسند عمر ص ٨٦ ط بيروت ).
وأخرج أبو يعقوب عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ليذادن[٢]رجال عن حوض كما يذاد البعير الضّال ، أناديهم
[١]الرهط : الرجال ما دون العشرة ، وقيل إلى الأربعين عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص ٨٦ ط بيروت.
[٢]ليذادن : من الذود وهو الطرد ، لأذودن : لأطردن عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص ٨٧ ط بيروت.
ألا هلّم ، فيقال : إنهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً[١]. ( مسند عمر ص ٨٧ ).
وأخرج أبو يعقوب بن شيبة عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه ثم ذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال :
لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول :
يا رسول الله أغثني ، أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفيّن أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة يقول : يا رسول الله أغثني أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته صامت يقول : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغثني ، أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح يقول : يا رسول الله أغثني. أقول : لا املك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك[٢]. ( مسند عمر بن الخطاب ص ٨٧ ط بيروت ).
وأخرج أبو يعقوب عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء أبنة أبي بكر ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ بأناس دوني فأقول : أي ربّ منّي ومن
[١]أي بعداً بعداً.
[٢]رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الجهاد والسير ، باب الغلول وقول الله تعالى(ومن يغلل يأت بما غلّ).
أمتي فيقال : ما شعرت ما عملوا بعدك ، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. قال : فكان ابن أبي مليكة يقول :
اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على اعقابنا ، وأن نفتتن في ديننا. ( مسند عمر ص ٩٢ ط بيروت ).
واخرج البخاري أيضاً في باب غزوة الحديبية عن العلاء بن المسيب عن أبيه.
قال : لقيت البراء بن عازب فقلت له :
« طوبى لك ، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ، وبايعته تحت الشجرة فقال؟
يابن أخي : إنك لا تدري ما أحدثنا بعده! ».
وأخرج عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلم : « أنا فرطكم على الحوظ وليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول :
يا رب أصحابي! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ».
قال البخاري : تابعه عاصم عن أبي وائل ، وقال حصين عن أبي وائل ، عن حذيفة عن النبي صلّى الله عليه وسلم.
واخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت :
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم :
« إنّي على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول :
يا رب منّي ، ومن أمتي؟ فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم ».
قال البخاري : فكان ابن مليكة يقول :
« اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا ، ونفتن عن ديننا! ».