بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 102

وحكى ابن الحاجب قولاً لعمر بن يحيى أنه يشترط في الصحابي طول الصحبة ، والأخذ عنه[١].

كما أنهم جعلوا من الصحابة من لم ير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآلهوهو مسلم له ، أو له رؤية قصيرة.

ومهما تكن الأقوال ، والتعاريف فإن هذا الاسم يطلق على كل من سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأو رآه من المسلمين مطلقاً ، وهم كلّهم عدول عندهم ، وما صدر منهم يحتمل لهم بحجة أنهم مجتهدون.

وهذه هي النقطه الجوهرية التي وقع الاختلاف فيها ، إذ الشيعة لا يذهبون لهذا القول فلا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها ، وكانت فيه تلك الملكة ، وأصالة العدالة لكل صحابي لا دليل عليه ، ولا يمكن إثباته.

فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرية فكر ، وتزن كل واحد منهم بميزان عمله ، فلا(يوادّون من حاد الله ورسوله)ويتبرأون ممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله).

والشيعة لا يخالفون كتاب الله ، وسنة رسوله ، وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة ، ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة.

ومن هذا فتحت على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ، وقد لفقها خصومهم ، ولو كان هناك صبابة إنصاف ، ومسكة من عقل ، وقليل من تتبع ، وإعطاء الفكر حريته ، لما وقعت تلك الملابسات ، وحلت تلك المشاكل.

ومن الغريب أن تتهم الشيعة بسب الصحابة ، والطعن عليهم

[١]شرح ألفية العراقي : ٤| ٣٢.


صفحه 103

أجمع ، وبذرة التشيّع نشأت في مجتمع الصحابة ، ومنهم أبطال التشيع ، وحاملو دعوته ، وهم الذين عرفوا بالولاء لعليّعليه‌السلام، وناصروه في حربه لمن بغى عليه ، وهم خيار الأئمة[١].

* * *

الأخذ بعدالة جميع الصحابة

وإذا كان الجمهور على أنّ الصحابة كلّهم عدول ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة ، واعتبروهم جميعاً معصومين من الخطأ ، والسهو ، والنسيان ، فإنّ هناك كثيراً من المحقّقين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة ) لجميع الصحابة ، وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي إنها ( أغلبية ) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط ، والسهو ، والنسيان ، بل والهوى ، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلاّ بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، ممّا يرجع إلى الطبيعة البشرية.

وإن سيّدهم الّذي اصطفاه الله صلوات الله عليه « والله أعلم حيث يجعل رسالته » قد قال :

« أنا بشر أصيب وأخطىء ».

ويعزون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين ، والكاذبين. وبأنّ كثيراً منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى ، بل ما وغع منهم من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث ، والنسل ، ولا تزال آثارها ـ ولّما تزل ـ إلى اليوم ، وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله عليه قد رأى بعين بصيرته النافذة

[١]الإمام الصادق والمذهب الأربعة : ١ / ٥٩٩ ـ ٦٠١.


صفحه 104

ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فقال في حجة الوداع : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ».

وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي قال :

« إنكم تحشرون حفاة عراة وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال.

فأقول : أصحابي! أصحابي! فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

فأقول : كما قال العبد الصالح :

(وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم)».

وروى مسلم هذا الحديث بلفظ : « ليردن علّي ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني فأقول : أصحابي! فيقول : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ».

وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : « بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني ، وبينهم قال : هلم : قلت أين؟ قال : إلى النار والله ، قلت وما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم »[١].

وفي رواية أخرى أنّ النّبي قال :

« يرد علّي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلأون عن الحوض ، فأقول :

يا رب أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم أرتدوا على أدبارهم القهقرى ».

[١]همل النعم : الإبل بلا راع أي لا يخلص منهم من النار إلاّ قليل.


صفحه 105

وأخرج عن سهل بن سعد قال : قال النّبي : « ليوردن علّي أقوام أعرفهم ، ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ».

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال :

هكذا سمعت من سهل؟! فقلت نعم.

فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته ـ وهو يزيد فيها ـ فأقول :

إنهم منّي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول :

« سحقاً ، سحقاً لمن غير بعدي! ».

واخرج من حديث عن ابن عباس جاء فيه :

وأن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول :

أصحابي! أصحابي! فيقال :

إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم...» الحديث.

أخرج ابو يعقوب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ، أنه كان يحدّث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط[١]من اصحابي فيجلون عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ( مسند عمر ص ٨٦ ط بيروت ).

وأخرج أبو يعقوب عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ليذادن[٢]رجال عن حوض كما يذاد البعير الضّال ، أناديهم

[١]الرهط : الرجال ما دون العشرة ، وقيل إلى الأربعين عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص ٨٦ ط بيروت.

[٢]ليذادن : من الذود وهو الطرد ، لأذودن : لأطردن عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص ٨٧ ط بيروت.


صفحه 106

ألا هلّم ، فيقال : إنهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً[١]. ( مسند عمر ص ٨٧ ).

وأخرج أبو يعقوب بن شيبة عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه ثم ذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال :

لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول :

يا رسول الله أغثني ، أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفيّن أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة يقول : يا رسول الله أغثني أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته صامت يقول : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغثني ، أقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح يقول : يا رسول الله أغثني. أقول : لا املك لك شيئاً قد أبلغتك ، لألفين أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك[٢]. ( مسند عمر بن الخطاب ص ٨٧ ط بيروت ).

وأخرج أبو يعقوب عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء أبنة أبي بكر ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ بأناس دوني فأقول : أي ربّ منّي ومن

[١]أي بعداً بعداً.

[٢]رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الجهاد والسير ، باب الغلول وقول الله تعالى(ومن يغلل يأت بما غلّ).


صفحه 107

أمتي فيقال : ما شعرت ما عملوا بعدك ، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. قال : فكان ابن أبي مليكة يقول :

اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على اعقابنا ، وأن نفتتن في ديننا. ( مسند عمر ص ٩٢ ط بيروت ).

واخرج البخاري أيضاً في باب غزوة الحديبية عن العلاء بن المسيب عن أبيه.

قال : لقيت البراء بن عازب فقلت له :

« طوبى لك ، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ، وبايعته تحت الشجرة فقال؟

يابن أخي : إنك لا تدري ما أحدثنا بعده! ».

وأخرج عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلم : « أنا فرطكم على الحوظ وليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول :

يا رب أصحابي! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ».

قال البخاري : تابعه عاصم عن أبي وائل ، وقال حصين عن أبي وائل ، عن حذيفة عن النبي صلّى الله عليه وسلم.

واخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت :

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم :

« إنّي على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول :

يا رب منّي ، ومن أمتي؟ فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم ».

قال البخاري : فكان ابن مليكة يقول :

« اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا ، ونفتن عن ديننا! ».


صفحه 108

هذا بعض ما نقلناه من البخاري ، ومسلم وفيهما وفي غيرهما كثير أعرضنا عنه خشية التطويل[١].

مسألة الصحابة

وعلى أي حال فإن فروض المسألة ثلاثة :

الأول: إن الصحابة كلهم عدول أجمعين ، وما صدر منهم يحتمل لهم ، وهم مجتهدون ، وهذا هو رأي الجمهور من السنة.

الثاني: أن الصحابة كغيرهم من الرجال وفيهم العدول ، وفيهم الفسّاق ، فهم يوزنون بأعمالهم ، فالمحسن يجازى لإحسانه ، والمسيء يؤخذ بإساءته.

وهذا رأي الشيعة.

الثالث: إنّ جميع الصحابة كفار ـ والعياذ بالله ـ وهذا رأي الخارجين عن الإسلام ولا يقوله إلا كافر ، وليس من الإسلام في شيء.

هذه ثلاثة فروض للمسألة وهنا لا بدّ أن نقف مليّاً لنفحص هذه الأقوال :

أمّا القول الثالث فباطل بالإجماع ولم يقل به إلاّ أعداء الإسلام ، أو الدخلاء فيه.

وأمّا القول الأول وهو أشبه شيء بادعاء العصمة للصحابة ، أو سقوط التكاليف عنهم ، وهذا شيء لا يقرّه الإسلام ، ولا تشمله تعاليمه.

بقي القول الوسط وهو ما تذهب إليه الشيعة ، من اعتبار منازل الصحابة حسب الأعمال ، ودرجة الإيمان.

[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٥٣ ـ ٣٥٦ ط. دار المعارف بمصر.


صفحه 109

إنّ الصحبة شاملة لكلّ من صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأو رآه ، أو سمع حديثه.

فهي تشمل المؤمن ، والمنافق ، والعادل ، والفاسق ، والبّر ، والفاجر ، كما يدّل عليه قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي غزوة تبوك عندما أخبره جبرئيل بما قاله المنافقون :

إن محمداً يخبر بأخبار السّمآء ولا يعلم الطريق إلى الماء ، فشكا ذلك إلى سعد بن عبادة فقال له سعد : إن شئت ضربت أعناقهم.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « لا يتحدّث الناس أنّ محّمداً يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا ».

فالصحبة إذن لم تكن بمجردها عاصمة تلبس صاحبها ابراد العدالة ، وإنما تختلف منازلهم وتتفاوت درجاتهم بالأعمال.

ولنا في كتاب الله ، واحاديث رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآلهكفاية عن التمحل في الاستدلال على ما نقوله ، والآثار شاهدة على ما نذهب إليه ، من شمول الصحبة وأن فيهم العدول من الذّين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ورسخت أقدامهم في العقيدة ، وجرى الإيمان في عروقهم ، وأخلصوا لله فكانوا بأعلى درجة من الكمال ، وقد وصفهم الله تعالى بقوله :(أشدّاء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجراً عظيماً)[١].

وهم المؤمنون(الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا

[١]سورة الفتح : الآية ٢٩.