بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 113

الكلام[١]قد سرت فيهم المفسدة أكثر منها في غيرهم ، لأنهم قاعدون في طريق الشريعة ، والمفسدة والحرب ، والفتك ، والحيات ، والعقارب ، والسموم ، والسباع في الجادة أعظم ضرراً منها في ثنيات الطريق ، مع أن داءهم جاء من الخوض في الكلام ، وصاروا أشد عصبية من المتكلمين ، لأن المتكلمين بنوا أمرهم على التفتيش ، وأن لا يلام الطالب على المباحثة وإيراد الأسئلة ، واختراع التعليلات ، بل يعدون ذلك ظرافة وكمالاً ، فربما انكشف للمتأخر مع تعاقب الأنظار تقارب كلام الفريقين ونحو ذلك ، كما انكشف لأتباع الأشعري بطلان الجبر ، ثم تشبّثوا بالكسب ، ثم تبين عواره ، فصاروا إلى مذهب المعتزلة من حيث المعنى كما مضى ، وليس ثبوت الاختيار يختص بالمعتزلة حتى ينفر منه ، إنما هو دين الله وحجته.

فمن حقّق من المتأخرين هون ما عظم سلفه ، ولانت عريكته.

وأمّا المحدّثون فإنما أخذوا شيئأ بأول رؤية ، ثم لم ينقروا كأن ذلك بدعة وصدقوا ، ولكنه بدعة من أوله إلى آخره ، فما لهم دخلوا فيه! كأن دخولهم من غير نيّة ، لكن دس لهم الشيطان :

أنتم أهل السنة فمن يذب عنها إن تركتم هؤلاء؟ فلا هم اقتصروا على ما هم عليه ولا هم بلغوا إلى مقاصد القوم ليتمكنوا من الرد عليهم!

هذا الإمام أحمد حفظه للسنة ، وتقدمه وتجريده نفسه لله سبحانه وتعالى لا يجهل ، لكنه لما تكلم في مسألة خلق القرآن وابتلي بسببها ، جعلها عديل التوحيد أو زاد! حتى إنه بلغه أن محمد بن هارون قال لإسماعيل بن علية :

يابن الفاعلة! قلت : القرآن مخلوق! أو نحو هذه العبارة!

[١]أي علم الكلام.


صفحه 114

قال أحمد : لعلّ الله يغفر له ، يعني محمد بن هارون ، وكان اسماعيل بن علية أحق أن يرجو له أحمد ، لأنه إمام مثله علماً وورعاً ، وإن فرض خطؤه فيما زعم أحمد ، فعفو الله أوسع ، وما خطؤه فيها كمن يقعد في الخلافة خالياً عن صفاتها ويعوث[١]في الدماء ، والأموال!.

غفر الله لأحمد ، لقد بلغ في هذه امسألة ما أمكنة من التعصب ، حتى صار يرد كل من خالفه فيها ولا يقبل روايته ، وهذه خيانة للسند ، فإن الّذي أوجب قبول خبر العدول ، يوجب قبول خبر هذا ، وها هو ذا يقول : نروي عن القدريّة.

ولو فتشت البصرة وجدت ثلثهم قدرية. هكذا في تهذيب المزي وغيره.

وهذه المسألة لا تزيد على القدر لو كان للخلاف في المسألتين استقرار ، بل زاد فصار يرد الواقف ويقول :

« فلان واقفي[٢]مشموم » بل غلا وزاد وقال : لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين. مع أن أحمد ليس من المتعنتين ، ولا من المتشددين.

فمن شيوخه : عامر بن صالح بن عبدالله بن عروة بن الزبير بن العوّام.

قال فيه النسائي : ليس بثقة ، وقال الدار قطني بتركه. وقال ابن معين :

كذّاب خبيث عدوّ الله ، ليس بشيء وقال : جنَّ أحمد ، يحدث

[١]يقال : عثى يعثي وعثاً وفيه لغة أخرى عاث يعيث وهو أشدّ الفساد ص ٤٣ من كتاب « القرملين ».

[٢]الواقف هو الذي يتكلم في مسألة خلق القرآن.


صفحه 115

عن عامر بن صالح؟ وقال الذهبي : واهن. لعلّ ما روى أحمد عن أحد أوهى منه ، مع غلّو الذهبي[١]، في أحمد ورؤيته له بعين الرضا ، وعلى الجملة فلا يشك أن رواته لم يكن فيهم بالشحيح ، إلاّ أن يكون من قبيل مسألة القرآن. فيا هذا ما الذّي عندك في القرآن والسنة.

إن القرآن ليس بمخلوق؟ أو أنه مخلوق؟ وبحثك ، وبحث غيرك كلاهما بدعة! والله وصف القرآن بأنه قرآن عربّي(غير ذي عوج)وقال :

جعلناه ، ونزلناه ، وفصلناه ، ولم يقل خلقناه ، ولم يقل ليس بمخلوق.

فمن أين جئت بهذه السنة.

ولمّا أجاب علي بن المديني الذي قال البخاري[٢]:

ما أستحقر نفسي عند أحد إلاّ عنده فأجاب في المحنة فتكلموا فيه ، مع أنه عذر له ، لو أجاب في الترك ، كيف مسألة خلق القرآن حتى تحاماه بذلك مسلم[٣]مع تساهله في رجاله.

وأعجب من هذا أن الذابين عن علي بن المديني لم يجدوا من الذب إلا قولهم :

روى عنه فلان ، وروى عنه فلان أنه قال :

من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر! ومن قال : إن الله لا يرى فقد كفر!

[١]وصف المقبلي الذهبي بانه كان يتكلف الغمز في أهل البيت ، ويعمي عن مناقبهم ، ويحابي بني امية ، ولا سيّما المروانية.

[٢]من الذين تكلموا في مسالة خلق القرآن البخاري ونص قوله : أفعالنا مخلوقة والفاظنا من افعالنا.

[٣]مسلم بن حجاج صاحب الكتاب المشهور.


صفحه 116

فهذا التنزيه إن صح هو الذي ينقم عليه به لأنه تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل ، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها ومن وافقها من الصحابة والتابعين في نفي الرؤية ـ ولكن المحدّثين لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام ، لأنه غير صنعتهم ـ وكل صاحب سلعة لا يعرض إلا سلعته ، فنقر عن هذا المعنى وخذ في كل فن عن أئمته ، وإياك والدخيل فيه ـ وتراهم يكررونه فمن أرادوا تنزيهه ، أومدحه قالوا :

من قال : القرآن مخلوق فهو كافر ـ ذكروا هذا في جماعة ، منهم ابن لهيعة وغيره بل قالوا : ترك المحاسبي ميراث أبيه وقال :

أهل ملتين لا يتوارث[١]لأن أباه كان واقفيّاً.

وقال يحيى بن معين أمير الجرح والتعديل :

كان عمرو بن عبيد دهرياً! قيل : وما الدهري؟ قال : يقول : لا شيء ... وما كان عمرو هكذا[٢].

فلو طلبت أعظم المتكلين ، بل القصاص المجازفين لا تكاد تجد من يتجاسر هذا التجاسر على رجل علمه ، وزهده ، وتألهه ، مثل الشمس في الضحى ، وقد تبعه شطر هذه البسيطة.

وقال يحيى بن معين في عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية ثقة ـ وهو جليس الحجاج بن يوسف ، وكذا قال النسائي ، وأبو داود ، والدارقطني ، بل روى له البخاري ومسلم ، وروى البخاري لمروان بن الحكم الذي رمى طلحة وهو في جيشه والمتسبب في خروجه على عليّ ، وفعل كل طامّة.

[١]و (٢) راجع تعريفهم للصحابي الذي مرّ تحت عنوان : من هو الصحابي.


صفحه 117

وقال ابن حجر العسقلاني وهو إمام المتأخرين ( كامل ) في ترجمة مروان :

إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه!!

كأن الصحبته نبوّة ، أو أن الصحابي معصوم[١]! وهو تقليد في التحقيق بعد أن صارت عدالة الصحابة مسلّم بها عند الجمهور.

والحق أن المراد بذلك ( الغلبة ) فقط ، فإن الثناء من الله تعالى ورسوله ـ وهو الدليل على عدالتهم ـ لم يتناول الأفراد بالنصوصية إنّما غايته عموم ، مع أن دليل شمول الصحبة لمطلق الرأي[٢]ونحوه ركيك جداُ ، وليت شعري من المخاطب الموصي؟ وهل هو عين الموصى به في نحو قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه.

فانظر أسباب تلك الأحاديث[٣]وهو وقوع شيء من متأخري الإسلام في حق بعض السابقين ، كما قال لعمار رضي الله عنه أيسبني هذا العبد!.

وإذا أردت تعميم اسم الصحبة من الطرف الأعلى إلى الأدنى ، أعني من السابقين إلى من ثبت له مطلق الرؤية ، فانظر مواقع الممادح التي كانت في الكتاب والسنة وأفرق بين ما يقضي بالدرجة المنيفة التي أقل أحوالها العدالة وما يقضي بنوع شرف ، مع أنّه ربّما جاء تفريق النبوي صريحاً كقوله صلّى الله عليه وسلم في بعض فقراء الصحابة :

« هو خير من ملء الأرض مثل هذا ».

(١ـ٢) راجع تعريفهم للصحابي الذي مرّ تحت عنوان : من هو الصحابي.

[٣]قيل هذا الحديث عندما تقاول عبد الرحمن بن عوف ، وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال ، ولمّا بلغ ذلك رسول الله قال : لا تسبوا أصحابي الحديث ـ فهو إذاً في مناسبة خاصة والحديث رواه مسلم.


صفحه 118

يعني بعض الرؤساء من متأخري الإسلام.

وعلى الجملة فمن تتبع تلك الموارد ، وسوى بين الصحابة فهو أعمى ، أو متعام.

فمنهم من علمنا عدالتهم ضرورة وهو الكثير الطبيب ، ولذا قلنا ( إنها غالبية فيهم ) بحيث يسوغ ترك البحث في أحوالهم.

ومن الصحابة نوادر ظهر منهم ما يخرج عن العدالة فيجب إخراجه ( كالشارب )[١]من العدالة لا من الصحبة.

ومنهم من أسلم خوف السيف كالطلقاء[٢]وغيرهم.

فمن ظهر حسن حاله فذاك. وإلاّ بقي أمره في حيز المجهول وهم في حيّز الندور ، ومع هذا فالعدالة غير العصمة ، وقد غلا الناس فيمن نبتت صحبته في التعنت في إثبات العدالة.

فلو سلّمنا شمول الصحبة ، ثم العدالة لم يبلغ الأمر إلى الحدّ الّذي عليه غلاة الرواة.

ولو نفعت الصحبة نحو بشر بن مروان على نحو الثبوت ، أو الوليد لتبين لنا ، أن الصحبة لا يضر معها عمل غير الكفر فتكون الصحبة أعظم من الإيمان ، ويكون هذا أخص من مذهب مقاتل ، وأتباعه من المرجئة. ثم أين أحاديث ( لا تدري ما أحدثوا بعدك ) وهي متواترة المعنى ، بل لو أدعي في بعضها تواتر اللفظ لساغ ذلك ، والمدّعون للسنة أدعوا الصحبة او ثبوتها لمن لم يقض له بها دليل ، وفرعوا عليها ما ترى. ثم بنوا الدين على ذلك ألم يقل الله(إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)في رجل متبين صحبته[٣]ولم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة.

[١]أي شارب الخمر.

[٢]كابي سفيان ومعاوية. ومن معهما.

[٣]اي إنه من الصحابة وهو الواليد بن عقبة.


صفحه 119

ومنهم من شرب الخمر[١]، وما لا يحصى مما سكت عنه رعاية لحق النبي صلّى الله عليه وسلّم ما لم يلجىء إليه ملجأ ديني فيجب ذكره.

ومن أعظم الملجئات ترتب شيء من الدين على رواية مروان ، والواليد بن عقبة[٢]وغيرهما ، فإنها أعظم خيانة لدين الله ، ومخالفة لصريح الآية الكريمة ، والنقم بذلك لا يعود على جملة الصحابة بالنقص ، بل هو تزكية لهم فإيّاك والاغترار.

ولا شك أن البخاري من سادات المحدثين الرفعاء ـ فما ظنّك بمن دونه ومع هذا تجنب ( البخاري ) مالا يحصى من الحفاظ العباد كما يخبرك عنه كتب الجرح والتعديل ، وعلي بن المديني تجنبه مسلم.

وقال العجلي في عمر بن سعد بن وقاص تابعي ثقة روى عنه الناس. وهو الذي باشر قتل الحسين.

فقل لي أي جرح في الدين أكبر من هذا! وهذا تنبيه.

وإلاّ فهذا باب لو فتح وصنّف فيه لكان فناً كبيراً ، وكذلك سائر الكلام من المحدّثين في مخالفيهم في العقائد فاختبره ، وشاهد هذه الدعوى من كتب الجرح ، فتأمل كلامهم في الموافق ، والمخالف ، واجعله من شهادة الأعداء ، وأهل الإحن.

وليتهم جعلوا ذلك باطناً ، وظاهراً ، ولكن يقولون :

نحن نروي عن المبتدعة ثم يعاملونهم هذه المعاملة.

قال يحيى بن معين : وقيل له في سعيد بن خالد البجلي حين وثّقه ( شيعي ).

[١]كقدامة بن مظعون.

[٢]هو الذي نزلت فيه الآية(إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا).


صفحه 120

قال : وشيعيّ ثقة ، وقدريّ ثقة.

وقال العجلي : كذالك في عمران بن حطان ثقة وهو خارجي مدح ابن ملجم[١]لعنه الله بقوله :

يا ضربة من تقي ما أراد بها

إلاّ ليبلغ عند الله رضوانا

فانظر عمن رضي بقتل علي ، وعمن قتله طلحة ، وعمن قتل الحسين ، وتوثيقهم لهم.

وأما علماء الأمّة ، وحفاظها كحماد بن سلمة الإمام ، ومكحول العالم الزاهد ، فتجنبهم مثل البخاري ومسلم ايضاً.

وقد اختلفت عقائد المحدثين ، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الأقوال حتى يوصف بأنّه أمير المؤمنين ، وبأنه اكذب الناس ، أو قريب من هاتين العبارتين ، وانظر الصحيحين كم تحامى صاحباهما من الأئمة الكبار الذين يتطلب النقم عليهم تطلّباً ، ولو نظر تجنب افضلهم لاضمحل ، ولما أثر في ظن صدقهم إلا كقطرة دم في بحر يم ـ وفي رجالهما من صرّح كثير من الأئمة بجرحهم ، وتكلم فيهم من تكلّم بالكلام الشديد ، وإن كان لا يلزمهما ـ أعني صاحبي الصحيحين ـ إلاّ العمل باجتهادهما.

وأعجب من هذا أن في رجالهما من لم يثبت تعديله ، وإنما هو في درجة المجهول ، أو المستور.

قال الذهبي : في ترجمة حفص بن بغيل قال ابن القطان : لا يعرف له حال ولا يعرف ، يعني فهو مجهول العدالة ، ومجهول العين ، فجمع الجهالتين.

قال الذهبي : لم أذكر هذا النوع في كتابي « الميزان ».

[١]ابن ملجم هو الذي اقترف إثم قتل عليّ رضي الله عنه.