وليس من الإنصاف أن يكون هؤلاء بمنزلة أهل السبق ، ومن رسخ الإيمان في قلوبهم فنشروا الإسلام ، وحملوا ألوية العدل ، ونشروا العقيدة الإسلامية ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم عن نية صادقة ، وهاجروا عن إيمان خالص.
وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله:
« إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه »[١].
وسأله ناس من أصحابه فقالوا : يارسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟
فقالصلىاللهعليهوآله:
« أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به ، ومن أساء أخذ في الجاهلية والإسلام »[٢].
وعن صهيب مرفوعاً :
« ما آمن بالقرآن من استحل محارمه »[٣].
وعنهصلىاللهعليهوآلهبلفظ : « من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام اخذ في الأوّل ، والأخر »[٤].
وعن ابن عمر قال :
صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال :
[١]صحيح مسلم : ٦/٤٨.
[٢]صحيح مسلم : ١/ ٧٧.
[٣]صحيح الترمذي : ٢/١٥١.
[٤]صحيح مسلم : ١/٧٧.
« يا معشر من اسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم. من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»[١].
وهكذا يتضح لنا على ضوء الأحاديث النبوية وآي القرآن الكريم مساواة الناس وشمول الأحكام لهم ، وأن ثبوت العدالة بالعمل ، ولا أثر لها بدونه ، والصحابة هم أولى بتنفيذها ، والقول في اجتهادهم مطلقاً يحتاج إلى مشقة في الإثبات ، والنتيجة عقيمة لا تثمر كثير فائدة ، والتأويل في مقابلة النص معناه طرح للأحكام. فلا يصح أن يتأولوها على خلاف ظاهرها ، ثم يستبيحوا لأنفسهم مخالفة الظاهر منها ، بل الأحكام شرعة واحدة بين الناس لتشملهم عدالتها. فلا مجال لأحد عن الخضوع لها وتطبيقها.
ولنا في سياسة الإمام علي بن أبي طالب ، وسيرته في عصر الخلفاء ، وفي عصره لأكبر دليل على ما نقول :
فقد كان يقيم الحد على من تعدّى حدود الله ، ويعامل كل واحد بما يقتضيه عمله ، وبقدر منزلته عند الله تعظم منزلته عنده.
وكم كان يدعو على أولئك الذين وسموا بالصحبة ، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله ، ونصبوا له الحرب.
وقد أعلنعليهالسلامالبراءة منهم على منبره لأنهم خالفوا كتاب الله وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
ومن وقف على عهودهعليهالسلاملعماله ، ووصاياه لأمراء جيشه ، ورسائله لولاة أمره ، يعرف هناك عدم الالتزام بما ألزموا الأمة
[١]صحيح الترمذي : ١/٣٦٥.
به ، من القيود التي فرضتها ظروف خاصة ، وهو القول بعدالة الصحابي ، وإن ارتكب ما حرّم الله.
والتحدث عن سيرة علي لا يتسع له مجال هذا الموضوع الذي خضناه بهذه العجالة ، والغرض أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لا بد أن يلتزموا باجتناب ما حرم الله تعالى ويهتدوا بهدي رسوله صلى الله عليه وآله ، ولم يفتحوا المجال لمتأول في مقابلة النص ، وللاجتهاد شروط ، ولعل في قصة قدامة أكبر دليل على ذلك قدامة بن مضعون :
قدامة بن مضعون بن حبيب المتوفى ( سنة ٣٦هـ ) كان من السابقين الأولين ، وهاجر الهجرتين ، واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين ، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين ، وشهد على قدامة أنه شرب الخمر فسكر ، فقال : من يشهد معك فقال الجارود : أبو هريرة.
فقال عمر لأبي هريرة : بم تشهد؟ قال : لم أره شرب الخمر ولكن رأيته سكران يقيء.
فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين فقدم ، فقال الجارود : أقم على هذا حدّ الله.
فقال عمر : أخصم أنت أم شهيد؟
فقال شهيد.
فقال : قد أديت شهادتك.
ثم غدا الجارود على عمر فقال :
أقم على هذا حدّ الله.
فقال عمر :
ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد.
فقال الجارود : أنشدك الله.
فقال عمر : لتمسكن لسانك أو لأسوانك.
فقال : يا عمر ما ذالك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني.
فقال ابو هريرة : يااميرالمؤمنين إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الواليد فأسألها ـ وهي امرأة قدامة ـ فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها.
فقال عمر لقدامة : إني حادّك ، فقال قدامة :
لوشربت كما تقول ما كان لكم أن تحدّني.
فقال عمر : لم؟
قال قدامة : قال الله عزوجل :(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا...)الآية.
فقال عمر : أخطأت التأويل أنت إذا اتقيت الله اجتنبت ماحرّم الله ، ثم أقبل عمر على الناس فقال :
ماترون في جلد قدامة؟
فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً. فسكت على ذلك أيّاماً ثم أصبح وقد عزم على جلده فقال : ما ترون في جلد قدامة. فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً.
فقال عمر : لأن يلقى الله تحت السياط أحب إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي ، ائتوني بسوط تام. فأمر به فجلد[١].
هذه قصة قدامة ، وإقامة الحد عليه ، وتأويله فيما ارتكبه ، ولم نوردها لنحط من كرامته ، أو نطعن عليه في دينه ، فله شرف الهجرة
[١]الإصابة في تمييز الصحابة : ٣/٢٢٨.
والسبق ، ولكنّا ذكرناها ليتضح لنا عدم صحة ما يقولون ، بعدم مؤاخذة المتأول ، وإن خالف الإجماع ، وما هو معلوم بالضرورة كقضيّة أبي الغادية وقتله لعمار بن ياسر مع اعترافه بأن ما ارتكبه جريمة توجب دخول النار.
وهناك جماعة من الصحابة تأوّلوا فأخطأوا ، فلم يدرأ تأويلهم الحد لوقوعهم في الخطأ. منهم :
أبو جندل ، وضرار بن الخطاب ، وأبو الأزور فقد وجدهم أبوعبيدة قد شربوا الخمر فأنكر عليهم. فقال أبو جندل :
(ليس على الذين آمنوا جناح فيما طعموا ...)الآية ، ولم ينفعهم ذلك وأقام عليهم الحد.
فأين العدالة من إقامة عليهم الحد.
وكان عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر بمصر فأقام الحد عليه عمرو بن العاص إلى كثير من ذلك[١].
* * *
سياسة عمر تجاه بعض الصحابة
وهذا عمر بن الخطاب لم يثبت العدالة لأبي هريرة عندما استعمله على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر :
استأثرت بهذه الأموال يا عدوّ الله ، وعدو كتابه.
فقال أبوهريرة :
لست بعدوّ الله ، ولا عدوّ كتابه ، ولكن عدوّ من عاداهما.
[١]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٦٠٢ـ ٠٥
فقال عمر : من أين لك؟
قال : خيل نتجت ، وغلّة ، ورقيق لي ، وأعطية تتابعت[١].
وفي لفظ ابن عبد ربه :
إنّ عمر دعا أبا هريرة فقال له :
علمت أني استعملتك على البحرين ، وأنت بلا نعلين ، ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار قال :
كانت له أفراساً تناتجت ، وعطايا تلاحقت ، قال عمر :
قد حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل فأدّه.
قال أبو هريرة : ليس لك ذلك.
قال : بلى أوجع ظهرك ، ثم قام إليه بالدرّة فضربه حتى أدماه ، ثم قال :
ائت بها. قال احتسبتها عند الله.
قال : لو أخذتها من حلال ، وأدّيتها طائعاً ، أجئت من أقصى البحرين تجبي الناس لك لا لله ، ولا للمسلمين؟ مارجعت به أميمة إلا لرعية الحمر ، وأميمة أم أبي هريرة[٢].
هكذا رأينا عمر يقابل أبا هريره بشدّة ، ويتهمه بخيانة أموال المسلمين ، وينسبه لعداء الله ، وعداء كتابه ، ولا يصدقه فيما يدّعيه. ولو كان أبو هريرة عادلاُ في نظر عمر لصدق قوله. ولقال أنت عادل ، أو مجتهد مخطىء ، وكذلك موقف عمر مع خالد بن الوليد في جنايته الكبرى مع مالك بن نويرة.
ويحدثنا البلاذري أن أبا المختار ، يزيد بن قيس ، رفع إلى عمر ابن الخطاب كلمة يشكو بها عمال الأهواز وغيرهم يقول فيه :
[١]تاريخ ابن كثير : ٨/١١٣.
[٢]العقد الفريد : ١/٢٦.
ابـلغ أمير الـمؤمنيـن رسـالـة
فأنت أمين الله فـي النهـي والأمـر
وأنـت أمـين الله فيـنا ومن يكن
أمينا لرب العرش يسلم لـه صـدري
فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه
وارسل إلى جزء وارسـل إلـى بشر
ولا تنسيـن الـنـافعين كليهمـا
ولا ابن غلاب من سراة بني نصر[١]
إلى آخر الرسالة وذكر فيها جماعة من عماله الذين استأثروا بالأموال ، وجلّهم من الصحابة ، فعاقبهم عمر ، واتهمهم بالخيانة ، والخيانة لا تجتمع مع العدالة.
ولا نطيل الحديث حول قاعدة أصالة العدالة لكل صحابي ، أو تأويل الأخطاء لهم على وجه يلزم السكوت عليه.
ما ذلك إلا تحدّ لنواميس الدين ، ومقدسات الشريعة ، ومجادلة بالباطل لحفظ كرامة معاوية وحزبه(ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً)[٢].
[١]فتوح البلدان : ص ٢٢٧.
[٢]سورة النساء : الآية ١٠٩ ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١/٦٠٥ ، ٦٠٦.
المنافقون من الصحابة
ماجاء عنهم في سورة التوبة عن غزوة تبوك
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس أنه قال :
لم يكن رسول الله يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة وكان قبلها يعرف بعض صفاتهم وأقوالهم ، وأفعالهم ممّا جاء عنهم في عدة سور نزلت قبل براءة ، منها سورة المنافقين ، والأحزاب ، والنساء ، والأنفال ، والقتال ، والحشر.
أما سورة براءة فقد فضحتهم ، وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة ، والباطنة ومن أجل ذلك سميت ( الفاضحة ) والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكّلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب!
وإليك بيان أمورهم في غزوة تبوك ، وحدها ، وأعمالهم ، وآيات نفاقهم ، وهتك أستارهم ، وعقابهم ، مرتبة على سياق آيات سورة التوبة لا على الحروف[١]:
[١]هذا الفصل منقول عن الجزء العاشر من تفسير القرآن الحكيم للإمامين محمد عبده ، ومحمد رشيد رضا رضي الله عنهما والأرقام الموضوعة هي أرقام الصفحات من هذا الجزء.