وإن قضاء الشهوة أعمّ من الجماع ، والجماع أعمّ من الزنى ، وألزنى يكون كثيراً مع عدم الإحصان.
سامحنا من يزعم أن قضاء الشهوة كناية عن الزنى ، بل زد عليه كونه مع الإحصان. ولكنّا نقول :
ما وجه دخول الفاء في قوله : « فارجموهما » وليس هناك ما يصحّح دخولها من شرط ، أو نحوه لا ظاهر ، ولا على وجه يصحّ تقديره. وإنّما دخلت الفاء على الخبر في قوله في سورة ( النور ) :
(والزانية والزاني فاجلدوا)لأن كلمة « اجلدوا » بمنزلة الشرط. وليس الرجم الجزاء للشيخوخة ، ولا : الشيخوخة سبباً له.
نعم : الوجه في دخول الفاء هو الدلالة على كذب الرواية.
ولعلّ في رواية سليمان سقطاً بأن تكون صورة سؤاله :
هل يقولون في القرآن رجم؟!!
وكيف يرضى لمجده ، وكرامته في هذا الحكم الشديد أن يقيّد الأمر بالشيخ ، والشيخة مع إجماع الأمة على عمومه لكلّ زان محصن بالغ الرشد من ذكر وأنثى. وأن يطلق الحكم بالرجم مع إجماع الأمة على اشتراط الإحصان فيه.
وفوق ذلك يؤكد الإطلاق ، ويجعله كالنّص على العموم بواسطة التعليل بقضاء اللّذة ، والشهوة الّذي يشترك فيه المحصن وغير المحصن ، فتبصّر بما سمعته من التدافع ، والتهافت ، والخلل في رواية هذة المهزلة[١]؟!!
[١]انظر : تفسير شبر ص ١٥ طبعة مصر ( عام ١٣٥٨هـ ).
وقال العلامة البلاغي ( طاب ثراه ) :
هذا ومّما يصادم هذه الروايات ، ويكافحها ما روي من أنّ علياً (ع) لمّا جلد شراحة المهدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال :
أجلدها بكتاب الله ، وأرجمها بسنة رسوله كما رواه أحمد ، والبخاري ، والنسائي وعبد الرزاق في ( الجامع ) والطحاوي ، والحاكم في ( مستدركه ) وغيرهم ... فعلي (ع) يشهد بأن الرجم من السنة لا من الكتاب[١].
آية الرجم ورضاع الكبير
قال الراغب الإصبهاني[٢]:
قالت عائشة : لقد نزلت آية الرجم ، ورضاع الكبير[٣]في رقعة
[١]المصدر السابق ص ١٥ ، ١٦.
[٢]هو أبوالقاسم حسين بن محمد بن المفضل الإصبهاني الفاضل المتبحّر الماهر في اللغة والعربيّة والحديث ، والشعر ، والأدب من مؤلفاته : المفردات في غريب القرآن ، أفانين البلاغة ، المحاضرات الذريعة إلى مكارم الشريعة. انظر : ( الكنى والألقاب للقمي ٢/٢٦٨ طبع النجف الأشرف العراق ).
[٣]موطأ الإمام مالك : جاءت سهلة بنت سهيل ، وهي امرأة أبي حذيفة ـ وهي امرأة عامر بن لؤي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله :
كنّا نرى سالماً ولداً يدخل عليّ وأنا فُضُل(*)وليس لنا إلاّ بيت واحد. فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « أرضعيه خمس رضعات » فيحرم بلبنها ، وكانت تراه ابناً من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحبّ أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق ، وبنات أخيها. أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.
انظر موطأ الإمام مالك : ٢/٦٠٥ كتاب الرضاع ، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر طبعة مصر بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٧ الطبعة الأولى ( عام ١٣٢٨هـ ) مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر ـ القاهرة.
(*) فضل : أي مكشوفة الرأس والصورة. وقيل عليّ ثوب واحد لا إزار تحته. عن هامش موطأ الإمام مالك ٢/٦٠٦.
تحت سريري وشغلنا بشكاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخلت داجن فأكلته. ( المحاضرات : ٢ / ٢٥٠ طبعة مصر ).
وأخرج هذا الحديث ابن قتيبة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة وقال في آخره : دخلت داجن للحيّ فأكلت تلك الصحيفة. ( تأويل مختلف الحديث ص ٢١٠ طبع مصر ).
وأخرج مسلم عن عائشة أنّها قالت : كان فيما أنزل من القرآن :
« عشر رضعات[١]معلومات يحرّمن ثم نسخن ( بخمس معلومات ) فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن ». ( صحيح مسلم : ٤/١٦٧ ، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢١٣ ، تفسير ابن كثير : ١/٤٦٩ ).
وقال السيوطي :
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت :
لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ، ثم ردّ ذلك إلى خمس ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ثم قال :
وأخرج ابن ماجة ، وابن الضرّيس عن عائشة قالت :
[١]أخرج الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قالت : أتت سهلة بنت سهيل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت له ، يا رسول الله إنّ سالماً كان منا حيث قد علمت إنا كنّا نعدّه ولداً فكان يدخل عليّ كيف شاء لا نحتشم منه ، فلّما أنزل فيه وفي أشباهه ما أنزل أنكرت وجه أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليّ قال : فأرضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء فإنّما هو ابنك فكانت عائشة تراه عاماً للمسلمين. وكان من سواها من أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم يرى أنّها كانت خاصة لسالم مولى أبي حذيفة التي ذكرت سهلة من شأنه رخصة له. ( انظر : مسند الإمام أحمد : ٦/٢٦٩. تفسير ابن كثير : ١/٤٧٠ ).
كان ممّا نزل من القرآن ثم سقط لا يحرم إلاّ عشر رضعات ، أو خمس معلومات. ( الدرالمنثور : ٢/١٣٥).
وأخرج الإمام أحمد عن سهلة امرأة أبي حذيفة أنّها قالت :
قلت يارسول الله إنّ سالماً مولى أبي حذيفة يدخل عليّ وهو ذو لحية.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أرضعيه.
فقالت : كيف أرضعه وهو ذو لحية؟ فأرضعته فكان يدخل عليها.( مسند الإمام أحمد ٦/٣٥٦).
وقال الإمام أحمد[١]: حدثنا عبد الله ، حدثنا يعقوب قال : حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم قالت :
لقد أنزلت آية الرجم ، ورضعات الكبير عشراً فى ورقة تحت سرير في بيتي ، فلما اشتكى رسول الله صلّى الله عليه وسلم تشاغلنا بأمره ، ودخلت دويبة لنا فأكلتها. ( مسند الإمام أحمد : ٦/٢٦٩ طبع المطبعة الميمنية بمصر ( عام ١٣١٣هـ)).
وقال الاستاذ محمد التيجاني السماوي تحت عنوان : خلاف عائشة
[١]هو شيخ الأمة وعالم أهل العصر أبوعبدالله أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ولد ببغداد ، ونشأ بها. وأوّل طلب أحمد للعلم في سنة تسع وسبعين ومئة.
رحل إلى الكوفة ، والبصرة ، ومكة ، والمدينة ، واليمن ، والشام ، والجزيرة وقد تجاوز سبعاً وسبعين سنة توفي في ( ١٢ ربيع الأول ) سنة إحدى وأربعين ومائتين. كان إماماً في الحديث وضروبه ، إماماً في الفقه ودقائقه ، إماماً في السنة ودقائقها ، إماماً في الورع وغوامضه ، وإماماً في الزهد وحقائقه. انظر : ( شذرات الذهب لإبن العماد الحنبلي ٢/٩٦ طبعة مصر ).
مع بقيّة أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلم وذكر الحديث المتقدّم عن امرأة أبي حذيفة من دخول سالم عليها وقول النبيصلىاللهعليهوآلهلها أرضعيه : قال :
ولكنّ سائر أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم امّهات المؤمنين أبين ، ورفضن أن يدخل عليهنّ بتلك الرّضاعة أحد من النّاس ، وقلن : لا والله ما نرى الّّذي أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلاّ رخصة من رسول الله في رضاعة سالم وحده ـ لا والله لا يدخل علينا بهذه الرّضاعة أحد. فعلى هذا كان أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في رضاعة الكبير.
صحيح مسلم : ٤/١٦٧ ( باب رضاعة الكبير )
ثمّ قال الاستاذ التيجاني :
إنّ الباحث عندما يقرأ مثل هذه الروايات ، يكذّب عينيه لأوّل وهلة ، ولا يصدّق ما يرى ، وما يقرأ ، ولكنّها الحقيقة المؤلة الّتي شوّهت عصمة الرّسول وجعلت منه شخصاً مستهتراً بالقيم الأخلاقية إلى أبعد الحدود ، ويجعل من دين الله أحكاماً تضحك المجانين ، ولا يقرّها عقل ، ولا ذوق ، ولا مروؤة ، ولا شهامة ، ولا حياء ، ولا إيمان ، وإلاّ كيف يقبل المسلم مثل هذه الأحاديث المنكرة عن رسول الله الّذي جعل الغيرة ، والحياء من دعائم الإيمان.
وهل يقبل مؤمن أن يسمح لزوجته أن تخرج ثدييها إلى شاب بلغ مبالغ الرّجال ليرضعهما وتصبح بعد ذلك أمّاً له؟؟؟؟؟
سبحانك إنّه بهتان عظيم ولست أتصوّر كيف منع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وحرّم علينا لمس ومصافحة المرأة الأجنبيّة ، وأباح لنا مصّ ثدييها ، أنا لم أفهم المقصود من وضع مثل هذا الحديث ولكنّ المسألة لم
تقف عند حدّ الحديث بل تعدّاه وأصبح سنّة متّبعة ، فكانت عائشة تبعث بالرّجال الذين كانت تحب أن يدخلوا عليها إلى ام كلثوم اختها فترضعهم ، وما عليك أيها القاريء الاّ أن تعرف بأنّه لابدّ من خمس رضعات مشبعات حتى تبيح لهم عائشة الدخول عليها ، فقد روت عائشة قالت :
كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
صحيح مسلم ٤/١٦٧ ( باب التحريم بخمس رضعات )
ثم قال الاستاذ التيجاني :
وعلى هذا لابد أن يتردد الرجل على ام كلثوم خمس مرات وترضعه في كلّ مرّة حتى يصبح ابن اخت اُم المؤمنين فتستبيح عائشة مقابلته بعد ما كان حراماً عليها.
ولعلّ ذلك هو الّذي رغّب الناس فيها فتسابقوا إليها ، وأحبّوا الدخول عليها ، وأطروها ، وعظّموهما حتى أنزلوها منزلة يقصر عنها عظماء الصّحابة فقالوا : بأنّ عندها نصف الدين فمن من الرجل وخصوصاً في ذلك العصر لايحبّ التقرّب إلى امّ المؤمنين زوجة الرسول ، وإبنة أبي بكر ثم على أيّ طريق؟ طريق رضاعة ام كلثوم بنت أبي بكر ، وبنات أخيها.
إنّها روايات مخزية تنسب إلى أعظم شخص عرفه تاريخ البشريّة ، وانظر أيّها القارىء إلى الرواية كيف تستنكر سهيلة على رسول الله عندما قال : ارضعيه ، قالت :
وكيف أرضعه وهو رجل ذو لحية. قالت :
فضحك رسول الله وقال : قد علمت انه رجل كبير.
صحيح مسلم : ٤/١٦٨ ( باب رضاعة الكبير)
وانظر ايضاً أن الراوي لهذه القصة تهيّب أن يحدّث بها.
قال ابن رافع بعد رواية الحديث :
فمكثت سنة أو قريباً منها لا اُحدّث به وهبته ثم لقيت القاسم فقلت له :
لقد حدّثتني حديثا ما حدثته بعد. قال : فما هو؟ فأخبرته قال : فحدّثه عنّي أنّ عائشة أخبرتنيه.
صحيح مسلم : ٤ / ١٦٩.( باب رضاعة الكبير )
ولعلّ أمّ المؤمنين عائشة كانت تنفرد بهذا الحديث ولذلك أنكر عليها أزواج النبي سائر اُمهات المؤمنين وقلن : لا والله لايدخل علينا بهذه الرضاعة أحد من النّاس كما تقدم واعتقد أن قولهنّ :
ما نرى الّذي أمر به رسول الله سهلة إلاّ رخصة في رضاعة سالم وحده ـ هذا القول زيادة من المحدّثين لأنّهم استفضعوا أن يكذب سائر أزواج النبي عائشة ويستنكرون عليها مثل هذا الحديث.
ويحق لهنّ استنكار ذلك فهنّ أعلم برسول الله (ص) من عائشة لأنهنّ ثمانية وفيهنّ أمثال : ام سلمة المرأة الصالحة التي كبر سنّها و كمل عقلها ، ثم هذا هو الذي يتماشى وغيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم وعدم تساهله في المحارم.
ولعلّ ام المؤمنين عائشة توافق اُمّهات المؤمنين من أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يتسامح في مثل هذه الأمور ، فلنستمع إليها تروي عن نفسها : قالت :
دخل عليّ رسول الله وعندي رجل قاعد فاشتّد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه قالت :
قلت يا رسول الله :
إنه أخي من الرضاعة قالت :
فقال : انظرن إخوتكن من الرّضاعة فإنّما الرّضاعة من المجاعة.
صحيح مسلم : ٤/١٧٠ ( باب انّما الرضاعة من المجاعة )
صحيح البخاري : ٣/١٥٠ ( كتاب الشهادات )
فلعلّها كانت تجتهد هي أيضاً في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم فكانت ترى صحة رضاعة الكبير وبهذه الرواية أثبتت أنّها كانت تستبيح ذلك في حياة النبي ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوافقها على ذلك وغضب وأشتدّ ذلك عليه وقال لها :
إنما الرّضاعة من المجاعة. يعني لا تكون الرضاعة إلاّ للصبيان الذين لا ينفذون إلاّ بالرّضاعة.
فهذا الحديث يبطل رضاعة الكبير كما لا يخفى.
لأكون مع الصادقين ص ١١٨- ١٢٠
ط مؤسسة البشرى ـ باريس