للدين ، وخدمة للإسلام ، وجهاد في سبيله ، فإنّه يستهان بالإموال ، ولا تعزّ النفوس.
وقد تحرم التقية في الأمور التي تستوجب قتل النفوس المحترمة ، أو رواجاّ للباطل ، أو فساداً في الدين ، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم ، أو بإفشاء الظلم والجور فيهم [ أو السبب بتفريقهم ، وتمزيق شملهم].
وعلى كل حال ليس معنى التقية عند الإمامية أنها تجعل منهم جماعة سرّية لغاية الهدم ، والتخريب ، كما يريد أن يصوّرها بعض أعدائهم غير المتورعين في إدراك الأمور على وجهها ، ولا يكلّفون أنفسم فهم الرأي الصحيح عندنا.
كما أنّه ليس معناها أنّها تجعل الدين ، وأحكامه سرّاً من الأسرار ، لا يجوز أن يذاع لمن لا يدين به ، كيف وكتب الإمامية ، ومؤلفاتهم فيما يخصّ الفقه والأحكام ، ومباحث الكلام ، والمعتقدات قد ملأت الخافقين ، وتجاوزت الحدّ الذي ينتظر من أية أمّة أن تدين بدينها.
بلى : إنّ عقيدتنا في التقية قد استغلّها من أراد التشنيع على الإمامية[١]فجعلوها من جملة المطاعن فيهم ، وكأنهم كان لا يشفي غليلهم إلاّ أن تقدَّم رقابهم إلى السيوف لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال : هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعابسيّين بل العثمانيّين.
[١]نظراء أحمد أمين المصري صاحب فجر الإسلام. محب الدين الخطيب صاحب الخطوط العريضة محمد مال الله البحريني صاحب الشيعة وتحريف القرآن وما شاكلهم من العلماء في العصر الحاضر : إحسان إلهي ظهير الباكستاني ، وابراهيم الجبهان الوهابي وعبدالله محمد الغريب المصري وغيرهم من أدعياء الإسلام.
وإذا كان طعن من أراد أنّ يطعن يستند إلى عدم زعم مشروعيتها من ناحية دينية فإنا نقول له :
أوّلاّ : إنّنا متّبعون لأئمتناعليهمالسلام، ونحن نهتدي بهداهم ، وهم أمرونا بها ، وفرضوها علينا وقت الحاجة ، وعندهم من الدين ، وقد سمعت قول الصادقعليهالسلام:
« من لا تقيّة له لا دين له ».
وثانياً : قد ورد تشريعها في القرآن الكريم ذلك قوله تعالى :
(إلاَّ مَن أكرهَ وَقَلبُهُ مُطمئن بالإيمان)النحل : الاية ١٠٦.
وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر الّذي التجأ إلى التظاهر بالكفر خوفاً من أعداء الإسلام وقوله تعالى :(إلاّ أن تَتَّقُوا منهُم تُقاةً). وقوله تعالى :(وَقالَ رجل مؤمن من آل فرعَون يَكتُمُ إيمانَهُ)( المؤمن : ٢٨ )[١].
* * *
[١]عقائد الإمامية ص ٧٢ ، ٧٤ طبعة مصر عام ١٣٧٧ هـ مطبعة نور الأمل شارع القلعة بالقاهرة.
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
التـقـيّـة
فـي نـظر علـماء السنـة
التقية في نظر علماء السنّة
١ـ قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى:(إلاّ أن تتقوا منهم تقاة).
( المسألة الرابعة ) : اعلم أن للتقّية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها :
الحكم الأول : إنَّ التقيّة إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار ، ويخاف منهم على نفسه ، وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة بالّلسان بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام المُوهم للمحَّبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يُضمر خلافه وأن يعرض في كلّ ما يقول ، فإن للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب ...
الحكم الرابع : ظاهر الآية يدُل أنَّ التقيّة إنما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلاَّ أنّ مذهب الشافعي رضي الله عنه :
إن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة على النّفس.
الحكم الخامس : التقيّة جائزة لصون النّفس ، وهل هي جائزة
لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه وسلم :
« حرمة مال المسلم كحرمة دمه ».
ولقوله صلّى الله عليه وسلم :
« من قتل دون ماله فهو شهيد »[١].
٢ـ وقال الزمخشري في تفسيره :
في تفسير قوله تعالى :(إلاَّ أن تتَّقوا منهم تقاة): رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة محالفة ، ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة ، والبغضاء ، وانتظار زوال المانع من قشر العصا ، وإظهار الطَّرية ...[٢].
٣ـ وقال الخازن في تفسيره :
التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيَّة قال الله تعالى :(إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)( ٦٠| ١٠٦ ). ثم هذه التقيّة رخصة ... الخ[٣].
٤ـ وقال النفسي في تفسيره :
(إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)( ٣ | ٢٨ ). إلاّ أن تخافون جهتهم أمراً يجب اتّقاؤه أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ، ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة ، وإبطان المعاداة[٤].
[١]انظر : تفسير الفخر الرازي : ٨| ١٣ طبعة دارالفكر عام ١٤٠١هـ.
[٢]تفسير الكشاف : ١| ٤٢٢ ، تفسير غريب القرآن للنيسابوري ٣ | ١٧٨ بهامش تفسير الطبري طبع بولاق.
[٣]تفسير الخازن : ١| ٢٧٧.
[٤]تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن : ١ |٢٧٧ طبع مصر.
٥ـ وقال الخطيب الشربيني في تفسيره :
(إلاّ من أكره)أي على التلفظ بالكفر فتلفّظ به(وقلبه مطمئن با لايمان)فلا شيء عليه ، لأن محل الإيمان هو القلب...[١].
٦ـ وقال النيسابوري في تفسيره :
(فلا تخشوهم واخشون)قيل : في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرايع بزوال الخوف من الكفار[٢].
٧ـ وقال الزمخشري في تفسيره :
روي أن أناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أكره ، وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان. منهم عمار بن ياسر ، وأبواه : ياسر ، وسمية ، وصهيب ، وبلال ، وخباب ، عذبوا ...
فأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً ... الخ[٣]
٨ ـ وقال اسماعيل حقي في تفسيره :
(إلاّ من أكره)أجبر على ذلك التلفظ بأمر يخاف على نفسه ، أو على عضو من أعضائه ... لأن الكفر اعتقاد ، والإكراه على القول دون الاعتقاد ، والمعنى : لكن المكره على الكفر باللسان(وقلبه مطمئن بالإيمان)لم تتغير عقيدته. وفيه دليل على أن الإيمان المنجي المعتبر عند الله هو التصديق بالقلب[٤].
[١]تفسير السراج المنير : ٢| ٢٦٣.
[٢]تفسير غرائب القرآن : ٣ |١٧٨ بهامش تفسير الطبري.
[٣]الكشاف عن حقائق التنزيل ٢| ٤٣٠ ط مصر.
[٤]روح البيان ٥ |٨٤.
٩ـ وقال الطبري في تفسيره :
(إلاّ أن تتقوا منهم تقاةً)قال أبو العإلية :
التقية باللسان ، وليس بالعمل. حديث عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحّاك يقول في قوله :(إلا أن تتقوا منهم تقاةً)قال : التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه(وقلبه مطمئن بالإيمان)فلا إثم عليه. إنما التقية باللسان[١].
١٠ـ وقال الحافظ ابن ماجة :
والإيتاء : معناه : الإعطاء : أي وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية ، والتقية في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى :(إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)[٢].
١١ـ وقال القرطبي في تفسير هذه الآية[٣].
وقال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة[٤].
وقال القرطبي :
أجمع أهل العالم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي. ( الجامع لأحكام القرآن : ١٠| ١٨٢ ط : دار الكتب المصرية بالقاهرة ).
[١]جامع البيان : ٣| ١٥٣ طبعة أولى ببولاق مصر.
[٢]سنن ابن ماجة : ١ | ٥٣ شرح حديث رقم ١٥٠ ط مصر تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.
[٣]سورة آل عمران : الآية ٢٨.
[٤]الجامع لأحكام القرآن : ٤ | ٥٧.