بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 45

المؤمن عرضه فهو صدقة »[١]

[١]تفسير المراغي : ٣| ١٣٦ ـ ١٣٧ ط مصر.


صفحه 46

عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة

تـمـهـيـد

إن موضوع الحديث عن عقيدة الشيعة في الصحابة هو أهم موضوع نريد أن نتحدث عنه وكان بودنا التجنب عن ذلك ولكن من شرط هذا الكتاب هو التعرض لكل ما له علاقة بمذهب أهل البيت ، وسائر المذاهب فإن هذه المسألة من أهم المسائل التي كانت ذريعة لمعارضة مذهب أهل البيت وانتشاره. فقد نسبوا إلى الشيعة ما لا يتفق مع الواقع في اعتقادهم حول الصحابة. وتقوّلوا عليهم بأنهم ( أي الشيعة ) يكفرون جميع الصحابة ـ والعياذ بالله ـ وأنهم لا يتمدون على أحاديثهم ، ويطعنون فيهم إلى غير ذلك.

وجعلوا ذلك أساساً لقاعدة بنوا عليها الحكم بالزندقة ، وحلَّية إراقة الدماء فقالوا : من طعن في الصحابة فقد طعن على رسول الله (ص) ومن طعن على رسول الله فهو زنديق.

وقالوا : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب محمد فاعلم أنه زنديق.

وجعلوا الخوض فيما جرى بين الصحابة ، وحرية الرأي في مناقشتهم هو انتقاص لهم.


صفحه 47

فلندرس هذا الموضوع بدقة ، ورجاؤنا معقود على إيلاء هذه الدراسة جلّ عنايتها ، وإعطائها وجهة النّظر بصورة خاصة ، لأن اتهام الشيعة بسب الصحابة ، وتكفيرهم أمر عظيم ، ومعضلة شديدة اتخذها خصوم أهل البيت وسيلة للقضاء على مبادئهم ، وانتشار مذهبهم ، عندما بان عجزهم عن اللحوق بهم وقد تدخل الدخلاء وأعداء الإسلام في اتساع شقة الخلاف بين صفوف الأمة ليجدوا طريقهم لبثّ آرائهم الفاسدة ، حتى أصبح من المقرّر في تلك العصور تكفير الشيعة ، وإبعادهم عن ذلك المجتمع ، كلّ ذلك مبعثة آراء السلطة وأغراضها التي قضت على الأمة بكبت الشعور ، وكم الأفواه وسلب الأفراد ، حريّة الرأي لأن الجمود الفكري هو الذي يخدم مصالحهم ، عندما حاولوا ربط العقائد بالدولة ، وإناطة الأراء بما تراه السلطة لا غير ، وفرضوا ربط التعليم بهم وضربوا سلطانهم على بعض العلماء ووجّهوهم حيث شاءت إرادتهم ، إلى غير ذلك من المحاولات التي كانوا يقصدون بها القضاء على أهل البيت ومعارضة مذهبهم ولكن شاء الله أن تذهب تلك المحاولات أدراج الرياح.

ويبقي ذكر أهل البيت على ممّر الدهور ، والأعوام ، ولم تقف تلك الدعايات الكاذبة والتهم المفتعلة أمام انتشاره ، وإن اتهام الشيعة بسب الصحابة وتكفيرهم أمر عظيم حاول خصومهم فيه تشويه سمعتهم ، لأنهم خصوم الدولة وأنصار أهل البيت ، ونحن لا نريد أن نرغم خصوم الشيعة على الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبوها في تعبيرهم عنهم بعبارات التهجم التي تشمئز منها النفوس ، وتنفر منها الطباع.

ولا نريد منهم أن يغالطوا أنفسهم في مجاراتهم للأوضاع الحاضرة ، ولا نريد منهم أن يتركوا الخطأ الذي وقفوا عليه في زاوية الإهمال ، ولا إسدال الستر على العيوب التي عثروا عليها في المجتمع الشيعي. والنقص الذي لمسوه.


صفحه 48

ولكنّا نريد منهم أن لا يكذبوا ، أو يتقوّلوا.

ونريد مهم أن يتحرروا من تقليد اقوام أعمتهم المادة ، وأخضعتهم السلطة ، فحملتهم على الافتعال ، والأكاذيب.

ونريد منهم أن يصرّحوا بلغة العلم ، والمنطق الصحيح عن الأمور التي استوجبت أن يرتكبوا بحقّ الشيعة ما ارتكبوه وليحاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب ، إن إهملوا محاسبة الوجدان ، والضمير الحر.

ونريد منهم أن يصرحوا لنا عن نقاط الضعف التي وقفوا عليها فيما تدعيه الشيعة فأباحت لهم ذلك التهجم ، وليقولوا بكل صراحة فإنا نتقبل قول الحق.

ولا يهم الشيعة أقوال أهل التهريج والهوس ، ولا يعبأون بأقلام المستأجرين من قبل أعداء الإسلام الذين عظم عليهم انتشاره ، وأخضعهم بقوّة برهانه ، وأعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون ، فالتجاوا إلى لغة الدس والخيانة.

ونريد منهم أن يتنّبهوا رويداً إلى التباين بين ما يدّعونه أو يفتعلونه على الشيعة وبين الواقع.

ونريد من الباحث أن يتحّرى ببحثه الدقة والتمحيص ، وأن يتثّبت قبل الحكم ، وأن يعرف الخطر الّذي ينجم من وراء ذلك ، فقد بلغ الأمر إلى أشدّ ما يكون من الخطورة.

ومن المؤلم أن تروج هذه الدعايات المغرضة ، أو الأكذوبة الكبرى فتصبح من الامور المسلّمة بها لا تحتاج إلى نقاش.

والواقع أن اتهام الشيعة كان سياسيّاً قائماً على مخالفة الواقع ، وإنكار الحقائق ، والجهل الفاضح.


صفحه 49

الشيعـة والصحابـة

نحن أمام مشكلة كبرى ، وقف التاريخ أمامها ملجماً واختفت الحقيقة فيها وراء رُكام من الادعاءات الكاذبة ، والأقوال الفارغة ، فالتوت الطرق الموصلة إليها. كما أثيرت حولها زوابع من المشاكل والملابسات ، ولم تعالج القضيّة بدراسة علميّة ليبدو جوهر المسألة واضحاً وتظهر الحقيقة كما هي.

وعلى أي حال فقد تولع كثير من المؤرخين بذّم الشيعة ، ونسب أشياء إلىهم بدون تثّبت ، فهم يكتبون بدون قيد أو شرط ، ويتقولون بدون وازع ديني أو حاجز وجداني ، وقد اتسعت صدور الشيعة لتحمل أقوالهم ، بل تقوّلاتهم كما اتسعت سلّة المهملات لقبر شخصيّاتهم ، وترفعوا عن المقابلة بالمثل.

وإن أهمّ تلك التّهم هي مسألة الصحابة وتكفيرهم ( والعياذ بالله ) ممّا أوجب أن يحكم عليهم بالكفر والخروج عن الأسلام كما يأتي بيانه.

قال السيد شرف الدين : « إن من وقف على رأينا في الصحابة علم أنّه أوسط الآراء إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفّروهم جميعاً ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم جميعاً ، فإن الكاملية ومن كان في الغلوّ على شاكلتهم قالوا : بكفر الصحابة كافة.

وقال أهل السنة بعدالة كلّ فرد ممّن سمع النبي أو رآه من المسلمين مطلقاً ، واحتجوا بحديث ( كل من دب ، أو درج منهم أجمعين أكتعين ).

أما نحن فإن الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة لكنها بما هي من حيث هي غير عاصمة. فالصحابة كغيرهم من الرجال ، فيهم العدول وهم عظماؤهم وعلماؤهم ، وفيهم البغاة ، وفيهم أهل


صفحه 50

الجرائم من المنافقين ، وفيهم مجهول الحال ، فنحن نحتج بعدولهم. ونتولاهم في الدنيا والآخرة.

أماالبغاة على الوصّي ، وأخي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآلهوسائر أهل الجرائم كابن هند ، وابن النابغة ، وابن الزرقاء ، وابن عقبة ، وابن أرطأة ، وأمثالهم فلا كرامة ولا وزن لحديثهم ، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره.

هذا راينا في حملة الحديث من الصحابة والكتاب والسنة بنينا على هذا الرأي كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه. لكنّ الجمهور بالغوا في تقديس كلّ من يسمونه صحابياً ، حتّى خرجوا عن الاعتدال ، فاحتجوا بالغثّ منهم والسمين ، واقتدوا بكل مسلم سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه اقتداء أعمى ، وأنكروا على كل حد من الحدود ، وما أشدّ إنكارهم علينا حين يروننا نرّد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال ، عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينّية ، والبحث عن الصحيح من الآثار النبويّة.

وبهذا ظنوا بنا الظنونا ، فاتهمونا ، رجماً بالغيب ، وتهافتاً على الجهل ، ولو ثابت إليهم أحلامهم ، ورجعوا إلى قواعد العلم ، لعلموا أن أصالة العدالة في الصحابة ممّا لا دليل عليها ، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم. وحسبك منه سورة التوبة والأحزاب[١].

[١]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١| ٥٨٩ ـ ٥٩٢ ط بيروت.


صفحه 51

درجـات الصحـابة

لم يكن الصحابة طرازاً واحداً في الفقه والعلم ، ولا نمطاً متساوياً في الإدراك والفهم ، وإنّما كانوا في ذلك طبقات متفاوتة ، ودرجات متباينة ، شأن الناس جميعاً في هذه الحياة على مرّ الدّهور :

(سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً).

قال ابن خلدون في مقدمته :

« إن الصحابة كلّهم لم يكونوا أهل فتيا ، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان مختصاً بالحاملين للقرآن ، العارفين بناسخه ، ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبى صلّى الله عليه وسلم ، أو ممّن سمعه منهم ، وعن عليتهم ، وكانوا يسمّون لذلك ( القراء ) ، أي الذين يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أميّة ، فاختصّ من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ ، وبقي الأمر كذلك صدر الملّة ».

وعن محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه[١]قال :

« كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من المهاجرين ، وثلاثة نفر من الأنصار ، عمر وعثمان وعليّ ، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ».

وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن أبابكر الصديق رضي الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي ، دعا رجالاً من المهاجرين ، والأنصار ، دعا عمر وعثمان وعليّاً ، وعبدالرحمن بن عوف ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت.

وكلّ هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر ، وإنّما تصير فتوى الناس

[١]طبقات ابن سعد ٤|١٦٧.


صفحه 52

ألى هؤلاء ، فمضى أبوبكر على ذلك.

ثم ولى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.

وفي مسلم : عن مسروق قال :

« شاممت أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى ألى ستة :

إلى عمر وعلي وعبد الله ، ومعاذ[١]وأبي الدرداء وزيد بن ثابت ، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله »[٢].

وروى ابن القيم في أعلام الموقعين عن مسروق قال :

« جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا كالإخاذة :

الإخاذة : تروي الراكب ، والإخاذة : تروي الراكبين : والإخاذة : لو نزل بها أهل الأرض لأصدرهم ، وإن عبدالله من تلك الإخاذة ».

وروى البخاري ومسلم عن النبي قال :

« إن مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية[١]قبلت الماء فأنبتت الكلأ ، والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصاب بها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ».

وعن عامر قال :

« كان علماء هذه الأمة بعد نبيّها ستة :

عمر وعبدالله وزيد بن ثابت. فإذا قال عمر قولاً ، وقال هذان

[١]رواية ابن القيم في أعلام الموقعين ، وابي بن كعب بدل معاذ.

[٢]هو عبدالله بن مسعود.

[٣]وفي رواية طائفة طيبة. ارجع في هذه الأخبار كلها إلى طبقات ابن سعد ٢ق | ١٠٩ ـ ١١٠.