فالقائل به مبتدع غير كافر.
وقال أبو الحسن عليّ بن محّمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي في شرحه :
فإن الشيخ أبا الحسن قال في أول كتاب : « مقالات الإسلاميّين » :
اختلف المسلمون بعد نبيّهم عليه الصلاة والسلام في أشياء : ضلّل بعضهم بعضاً ، وتبرأ بعضهم من بعض ، فصاروا فرقاً متباينين إلاّ أن الإسلام يجمعهم ، ويعمهم فهذا مذهبه ، وعليه أكثر أصحابنا وقد نقل عن الشافعي أنه قال :
لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء ، إلا الخطابية فانهم يعتقدون حلّ الكذب.
وحكي الحاكم صاحب « المختصر » في كتاب : « المنتقى » عن أبي حنيفة (رض) أنه لم يكفر أحداً من أهل القبلة.
وحكى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي ، وغيره[٢].
[١]سفينة الراغب ص ٤٣ ط دار الطباعة العامرة ببولاق القاهرة ، ١٢٥٥هـ.
[٢]المصدر نفسه ص ٤٣.
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
موقف النبي (ص) من الصحابة يوم المحشر
أخرج ابن حجر الهيثمي عن أبي الدرداء قال :
قال رسول الله صلّى عليه وسلم : لألفين ما توزعت أحداً[١]منكم عند الحوض فأقول :
هذا من أصحابي فيقول :
أنّك لاتدري ما أحدثوا بعدك[٢].
وعن أبي الدرداء قال :
قلت يارسول الله بلغني أنك تقول :
إن ناساً من أمتي سيكفرون بعد إيمانهم قال : أجل يا أبا الدرداء؟ ولست منهم[٣].
وأخرج الإمام أحمد عن أبي بكرة قال :
قال رسول الله ليردن الحوض عليّ رجال ممن صحبني ، ورآني ،
[١]في رواية « في أحدكم » كذا في مجمع الزوائد ٩ | ٣٦٧.
[٢]مجمع الزوائد ٩ | ٣٦٧.
[٣]المصدر نفسه : ٩ | ٣٦٧.
فإذا رفعوا إلى ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنّ أصحابي ، أصحابي فيقال :
إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[١].
وأخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال :
ليردن الحوض عليّ رجال حتى إذا رأيتم رفعوا إلى ، فاختلجوا دوني فلأقولنّ :
ياربّ أصحابي ، أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[٢].
وأخرج الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بموعظة فقال :
أنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة ، عراة ، غزلاً ، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين.
فأول الخلايق يكسي ابراهيم خليل الرّحمن عزّوجلّ ، ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال.
قال ابن جعفر :
وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول :
يارب أصحابي قال : فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لم يزالوا مرتدّين[٣]على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح :
[١]مسند الإمام أحمد : ٥| ٥٠ الطبعة الأولى.
[٢]المصدر نفسه : ٣ | ٢٨١.
[٣]الارتداد : الرجوع ، ومنه المرتد ، والردة ـ بالكسر ـ إسم منه ، أي الإرتداد. ( المختار من صحاح اللغة ).
(وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم)الآية ، إلى(إنك أنت العزيز الحكيم)[١].
[١]مسند الإمام أحمد : ١ | ٢٣٥ طبعة مصر
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ما أحدثه الصحابة بعد الرسول (ص)
قال محمد بن عمر الواقدي :
وكان طلحة بن عبيد الله ، وابن عباس ، وجابر بن عبدالله ، يقولون :
صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلم على قتلى أحد ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم :
أنا على هؤلاء شهيد.
فقال ابو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، أليس إخواننا ؛ أسلموا كما أسلمنا ، وجاهدوا كما جاهدنا؟ قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئأ ، ولا أدري ما تحدثون بعدي ، فبكي أبو بكر وقال :
إنّا لكائنون بعدك[١]؟
وأخرج البخاري عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء ابن عازب (رض) فقلت : طوبى لك ، صحبت النبي صلى الله عليه
[١]كتاب المغازي : ١| ٣١٠.
وسلم ، وبايعته تحت الشجرة. فقال :
يابن أخي ، لا تدري ما أحدثنا بعده[١].
وقال العلامة الشيخ لطف الله الصافي دام ظلّه :
نعم : لو قال : لقد رضي الله عن الذين بايعوك ، تشمل كلّ من بايعه كائنا من كان ، وإن شك في إيمانه ، ولكن لا يجوز التمسك به فيمن شككنا في أصل بيعته ، كما لا يثبت إيمان من شككنا في إيمانه بقوله :(لقد رضي الله عن المؤمنين).
وهذا كلام متين في غاية المتانة.
وايضاً هذه الآية لا تدل على حسن خاتمة أمر جميع المبايعين المؤمنين. وإن فسق بعضهم ، أو نافق. لأنها لا تدل على أزيد من أنّ الله تعالى رضي عنهم ببيعتهم هذه ، أي قبل عنهم هذه البيعة ، ويثيبهم عليها ، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع من قبلهم.
والحاصل : إن اتصاف الشخص بكونه مرضيّاً لا يكون إلاّ بعمله المرضيّ ، والعامل لا يتّصف بنفسه بهذه الصفة ، فهذه الصفة تعرض على الشخص بواسطة علمه. فإذا صدر عنه الفعل الحسن ، والعمل المرضي ، يوصف العامل بهذه الصفة أيضاً ، ولا دلالة للآية على أن من رضي الله عنه بواسطة عمله يكون مرضيّاً طول عمره ، وإن صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك ، ورضا الله تعالى عن أهل بيعة الحديبية ليس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد.
والدليل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل هذه البيعة ، وتعظيمها :
[١]صحيح البخاري : ٣| ١٤٤ ، باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي. ط مصر موطأ الإمام مالك : ٢ | ٤٦٢ باب الشهداء في سبيل الله ، الحديث رقم ٣٢. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.