ما أحدثه الصحابة بعد الرسول (ص)
قال محمد بن عمر الواقدي :
وكان طلحة بن عبيد الله ، وابن عباس ، وجابر بن عبدالله ، يقولون :
صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلم على قتلى أحد ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم :
أنا على هؤلاء شهيد.
فقال ابو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، أليس إخواننا ؛ أسلموا كما أسلمنا ، وجاهدوا كما جاهدنا؟ قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئأ ، ولا أدري ما تحدثون بعدي ، فبكي أبو بكر وقال :
إنّا لكائنون بعدك[١]؟
وأخرج البخاري عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء ابن عازب (رض) فقلت : طوبى لك ، صحبت النبي صلى الله عليه
[١]كتاب المغازي : ١| ٣١٠.
وسلم ، وبايعته تحت الشجرة. فقال :
يابن أخي ، لا تدري ما أحدثنا بعده[١].
وقال العلامة الشيخ لطف الله الصافي دام ظلّه :
نعم : لو قال : لقد رضي الله عن الذين بايعوك ، تشمل كلّ من بايعه كائنا من كان ، وإن شك في إيمانه ، ولكن لا يجوز التمسك به فيمن شككنا في أصل بيعته ، كما لا يثبت إيمان من شككنا في إيمانه بقوله :(لقد رضي الله عن المؤمنين).
وهذا كلام متين في غاية المتانة.
وايضاً هذه الآية لا تدل على حسن خاتمة أمر جميع المبايعين المؤمنين. وإن فسق بعضهم ، أو نافق. لأنها لا تدل على أزيد من أنّ الله تعالى رضي عنهم ببيعتهم هذه ، أي قبل عنهم هذه البيعة ، ويثيبهم عليها ، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع من قبلهم.
والحاصل : إن اتصاف الشخص بكونه مرضيّاً لا يكون إلاّ بعمله المرضيّ ، والعامل لا يتّصف بنفسه بهذه الصفة ، فهذه الصفة تعرض على الشخص بواسطة علمه. فإذا صدر عنه الفعل الحسن ، والعمل المرضي ، يوصف العامل بهذه الصفة أيضاً ، ولا دلالة للآية على أن من رضي الله عنه بواسطة عمله يكون مرضيّاً طول عمره ، وإن صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك ، ورضا الله تعالى عن أهل بيعة الحديبية ليس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد.
والدليل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل هذه البيعة ، وتعظيمها :
[١]صحيح البخاري : ٣| ١٤٤ ، باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي. ط مصر موطأ الإمام مالك : ٢ | ٤٦٢ باب الشهداء في سبيل الله ، الحديث رقم ٣٢. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(إن الذين يبايعونك ، إنّما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً).
فلو لم يجز أن يكون في المبايعين من ينكث بيعته ، وكان رضا الله عنهم مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد لا فائدة لقوله :
(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه).
وأيضاً قد دلّت آيات من القرآن ، وأحاديث صحيحة على وقوع غضب الله تعالى. وسخطه على من يرتكب بعض المعاصي ، ومع ذلك لم يقل أحد بأن هذا مانع من حسن إيمانه في المستقبل ، وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأنفال :
(ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال ، أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير).
فإذا لم يكن بوء شخص ، أو قوم إلى غضب الله مانعاً من حسن حاله في المستقبل لم يكن رضاه أيضاً سبباً لعدم صدور فسق ، أو كفر من العبد بعد ذلك.
والقول بدلالة على حسن حال المبايعين مطلقاً ، وعدم تأثير صدور الفسق عنهم في ذلك مستلزم للقول بوقوع التعارض بين هذه الآية ، وبين آية الأنفال المذكورة فيمن ولّى دبره عن الجهاد من المبايعين لأنها أيضاً تدل باطلاقها على سوء حال من يولّي دبره ، وعدم تأثير صدور الحسنات في رفع ذلك.
والحديث الأول صريح بأن حسن خاتمة مثل : أبى بكر من الصحابة المبايعين المهاجرين موقوف على ما يحدث بعد الرّسول (ص).
هذا مختصر الكلام حول مدلول الآية الكريمة.
وعليه : ليس المستفاد منها أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان.
نعم : لا يثبت بها إيمان واحد معين من المبايعين على نحو التفصيل ، فلا يصح التمسك بها في إثبات إيمان صحابي خاص ، وعدم نفاقه ، أو حسن إيمانه إذا شك فيه[١].
لعن الرسول (ص) لبعض الصحابة
قال برهان الدين الحلبي : وفي رواية :
صار صلّى الله عليه وسلم يقول :
اللهم العن فلاناً ، وفلاناً[٢].
وأخرج البخاري عن يحيى بن عبدالله السّلمي : أخبرنا معمر عن الزهري ، حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول :
اللهم العن فلاناً ، وفلاناً بعدما يقول :
سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله :
(ليس لك من الأمر شيء)إلى قوله(فإنهم ظالمون)[٣].
وقال السيوطي : وأخرج أحمد ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، والبيهقي في ( الدلائل ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد :
اللهم العن أبا سفيان.
اللهم العن الحرث بن هشام.
[١]مع الخطيب في خطوطه العريضة : ص ١٢٠ ، ١٢٢.
[٢]السيرة الحلبية : ٢| ٢٣٤ طبعة مصر.
[٣]صحيح البخاري مشكول : ٣| ٢٤ طبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.
اللّهم العن سهيل بن عمرو.
واللّهم العن صفوان بن أمية. ثم قال السيوطي :
وأخرج الترمذي ، وصححه ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عمر قال :
كان النبي صلّى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر ... وكان يقول في صلاة الفجر :
اللّهم العن فلانا وفلانا ..[١].
وأخرج نصر بن مزاحم المنقري عن عبدالغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال :
أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم :
« اللّهم العن التابع والمتبوع ، اللّهم عليك بالاقعيس ».
فقال ابن البراء لأبيه :
من الاقيعس[٢]؟ قال معاوية[٣].
واخرج نصر عن علي بن الأقمر[٤]في آخر حديثه قال :
فنظر رسول الله إلى أبي سفيان وهو راكب ، ومعاوية وأخوه ،
[١]الدر المنثور في التفسير المأثور : ٢ | ٧١.
[٢]قعس ومنه حديث الأخدود « فتقاعست أن تقع فيها » تقعس أي تأخر ومنه حديث الزبرقان « أبغض صبياننا إلينا الأقعيس الذكر » هو تصغير الأقعس. النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ | ٨٧ ـ ٨٨.
[٣]وقعة صفين ص ٢١٧ تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون طبع مصر.
[٤]هو علي بن الأقمر بن عمر الهمداني الوادعي. كوفي ثقة. تقريب الرواي ( عن هامش الكتاب ).
أحدهما قائد والآخر سائق ، فلمّا نظر إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال :
« اللّهم العن القائد ، والسائق ، والراكب ».
قلنا :
أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال : نعم ، وإلا فصمتا أذناي كما عميتا عيناي[١].
[١]وقعة صفين ص ٢٢٠ طبعة مصر.
كلـمة عامـة
قال الشيخ أبو رية رحمة الله :
ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهداً كبيراً في تمحيص ما روي من أحاديث رسول الله ممّا يستحقّون عليه الثناء الطيب ، والتقدير الحق.
بيد أنهم على فضلهم وتدقيقهم ، لم يبلغوا الغاية من عملهم ، إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير من الأحاديث المشكلة ، أو التي يبدو عليها الوضع ، ولم يكن ذلك عن تقصير منهمرحمهماللهلأنهم قد بذلوا كل طاقتهم في عملهم ، وإنّما كان ذلك لأمر فوق قدرتهم البشريّة ، ذلك بأن حكمهم على الرجال إنّما كان ( لظاهر أحوالهم ) وما وصل إلى علمهم من أخبارهم ، أما بواطنهم ، ودخائل نفوسهم ، ومطويّات ضمائرهم ، فهذا أمر من وراء إدراكهم لا يطلع عليه إلاّ علام الغيوب ، وربّ رجل حسن السمت ، طيب المظهر ، إذا كشف عن دخيلته تبين لك سوء مخبره ، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد ، وقد تكلم فيه العلماء المحققون.
قال مجتهد اليمن الوزير اليماني في ( الروض الباسم ) : (١| ١٥١ ) :
أن الإجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن ، ومن نجم نفاقه ، وظهر كفره يترك حديثه ومن ( ظهر إسلامه ) وأمانته ، وصدقه قُبِلَ ، وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه ، فقد عملنا بما وجب علينا ، وبذلنا في طلب الحق جهدنا ، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر ، ويتبّرأ من علم الباطن ، وإلى ذلك الإشارة في هذه الآية بقوله :(لا تعلهم نحن نعلهم)أي إنه (ص) لم يكن يعلم المنافقين وذلك في الآية « ١٠١ » من سورة التوبة ونصّها :
(وممّن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)[١].
كلمة قيّمة للدكتور طه حسين
قال العلاّمة الشيخ محمود أبو ريّة :
وقال الدكتور طه حسين في كلمة قّيمة[١]قرّظ فيها كتابنا «الأضواء » وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل :
وقد فطن المحدّثون القدماء لهذا كلّه ، واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته عن كذب الكذابين ، وتكليف المتكلفين. وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلاً بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبّعون كل واحد من هؤلاء الرجال ، ويتحقون من أنه كان نقيّ السيرة صادق الإيمان بالله ورسوله. شديد الحرص على الصدق في حديثه كله ، وفي
[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٣٧ ط ثالثة لدار المعارف بمصر.
[٢]نشرت هذه الكلمة في جريدة الجمهورية المصرية الصادرة في ٢٥ نوفمبر ١٩٥٨ م.