بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 78

كلـمة عامـة

قال الشيخ أبو رية رحمة الله :

ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهداً كبيراً في تمحيص ما روي من أحاديث رسول الله ممّا يستحقّون عليه الثناء الطيب ، والتقدير الحق.

بيد أنهم على فضلهم وتدقيقهم ، لم يبلغوا الغاية من عملهم ، إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير من الأحاديث المشكلة ، أو التي يبدو عليها الوضع ، ولم يكن ذلك عن تقصير منهمرحمهم‌اللهلأنهم قد بذلوا كل طاقتهم في عملهم ، وإنّما كان ذلك لأمر فوق قدرتهم البشريّة ، ذلك بأن حكمهم على الرجال إنّما كان ( لظاهر أحوالهم ) وما وصل إلى علمهم من أخبارهم ، أما بواطنهم ، ودخائل نفوسهم ، ومطويّات ضمائرهم ، فهذا أمر من وراء إدراكهم لا يطلع عليه إلاّ علام الغيوب ، وربّ رجل حسن السمت ، طيب المظهر ، إذا كشف عن دخيلته تبين لك سوء مخبره ، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد ، وقد تكلم فيه العلماء المحققون.

قال مجتهد اليمن الوزير اليماني في ( الروض الباسم ) : (١| ١٥١ ) :


صفحه 79

أن الإجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن ، ومن نجم نفاقه ، وظهر كفره يترك حديثه ومن ( ظهر إسلامه ) وأمانته ، وصدقه قُبِلَ ، وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه ، فقد عملنا بما وجب علينا ، وبذلنا في طلب الحق جهدنا ، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر ، ويتبّرأ من علم الباطن ، وإلى ذلك الإشارة في هذه الآية بقوله :(لا تعلهم نحن نعلهم)أي إنه (ص) لم يكن يعلم المنافقين وذلك في الآية « ١٠١ » من سورة التوبة ونصّها :

(وممّن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)[١].

كلمة قيّمة للدكتور طه حسين

قال العلاّمة الشيخ محمود أبو ريّة :

وقال الدكتور طه حسين في كلمة قّيمة[١]قرّظ فيها كتابنا «الأضواء » وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل :

وقد فطن المحدّثون القدماء لهذا كلّه ، واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته عن كذب الكذابين ، وتكليف المتكلفين. وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلاً بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبّعون كل واحد من هؤلاء الرجال ، ويتحقون من أنه كان نقيّ السيرة صادق الإيمان بالله ورسوله. شديد الحرص على الصدق في حديثه كله ، وفي

[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٣٧ ط ثالثة لدار المعارف بمصر.

[٢]نشرت هذه الكلمة في جريدة الجمهورية المصرية الصادرة في ٢٥ نوفمبر ١٩٥٨ م.


صفحه 80

حديثه عن النبي خاصة ، وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث واخلصوا فيه ما وجدوا إلى الإخلاص سبيلاً. ولكن هذا الجهد على شدته ، وخصبه لم يكن كافياً ، فمن أعسر الأشياء وأشدها تعقيداً ، أن تتبع حياة الناس والبحث ، والفحص ، والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ، ودقائق أسرارهم ، وما تضمر قلوبهم في أعماقها ، وما يمنعون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم ، وفي سيرتهم أيضاً.

ولم يكن بد إلى أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر ، وهو درس النص نفسه. فقد يكون الرجل صادقاً مأموناً في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم ، ولكن الله وحده هو الذي اختص بعلم السرائر ، وما تخفيه القلوب ، وتستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم. ولكن سرائرهم مدخولة يخفى دخائلها على الناس ، فلا بد إذن من أن نتعمق في نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من العدول ، لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ، ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته ، لأنه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفراداً ، أو جماعات ، وإنما تناقلته أجيال الأمة الإسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها.

وهذه الأجيال لم تنقله بالذاكرة ، وإنما تناقلته مكتوباً ، كتب في أيام النبي نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر ، وسجل في المصاحف ، وأرسل إلى الأقاليم في خلافة عثمان ، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة ، والرواية المحفوظة في الذاكرة ، وتطابقت كلتا الروايتين دائماً ، فلا معنى للشك ، في نص من نصوص القرآن لأنها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك.


صفحه 81

وإنا إذ نسوق ما سقناه من عرض الحقائق على وجهها ، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها ، لا نقصد وايم الله أن ننال أحداً بسوء من عندنا ، وإنما لنبين في غير حرج أمر الصحابة على حقيقته ، وأنهم أناس من الناس فيهم البر والآثم ، والصادق وغير الصادق ، وأنهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمعون بها كما يعيش الناس. ويستمتعون ، وهذا كلّه لا يضرّ الإسلام في شيء وإنَّ ضياءه ليشرق من كتابه العظيم على الناس إلى يوم الدين.

وقال العلاّمة الكبير السيّد هاشم معروف الحسني تحت عنوان : عدالة الصحابة :

وإلى جانب التصوف ، والإرجاء ، والجبر برز في مطلع العهد الأموي سلاح آخر لعلّ أثر على العقول ، والقلوب ، والأفكار ، ومساندة الحكم الأموي لا يقل عن آثار الأسلحة الثلاثة ، ذلك السلاح هو عدالة الصحابة.

لقد برزت هذه الفكرة في مطلع العهد الأموي بعد أن أكلت الحروب الكثير منهم ومات أكثر الباقين بآجالهم.

وكان من الطبيعي بعد ذلك التاريخ الذي تركه الأمويون الملوّث بالشرك والجرائم ، والذي كان ماثلاً لدى الجميع أن يحاولوا استبدال تلك الصورة الكريهة العالقة في الأذهان عنهم نتيجة لمواقعهم المعادية للإسلام حتى بعد أن دخلوا فيه مكرهين ، كان من الطبيعي أن يحاولوا استبدال تلك الصورة بصورة تتناسب مع مراكزهم التي تسنموها باسم الإسلام فوضعوا فكرة العدالة لجميع من عاصر الرسول من المسلمين حتى ولو لم يره ، أو يسمع منه شيئاً ، وتوسع بعضهم فيها وأثبتها لكل من ولد في عصر الرسول ، وما دام ابو هريرة ، وزملاؤه من الوضاعين في


صفحه 82

تصرّفهم ، فمن السهل عليهم أن يحصلوا على عشرات الأحاديث التي تدعمها.

وظلت فكرة العدالة لجميع الصحابة التي تتسع للامويين وعلى رأسهم أبوسفيان والحكم ، طريد رسول الله (ص) ، تسير وتتفاعل حتى أصبحت وكأنّها من الضرورات عند السنة وحكامهم في عصر الصراع العقائدي ، لأنّها تخدم مصالحهم ومبادئهم التي اعتمدوها في سيرة الخلافة ، ومواقفهم المعادية لأهل البيتعليهم‌السلام. ولم يكن الصحابة أنفسهم يتصوّرون بأنّ الغلوّ بهم سينتهي إلى هذه النتيجة ، وتكون لهم تلك الهالة التي استخدمها معاوية لخدمة الجاهلية التي تجسدت في البيت الأموي ، ذلك البيت الذي ظل يحارب الإسلام منذ أن بزغ فجره وحتى اللحظات الأخيرة من حكمهم.

عدالة الصحابة

وتعني عدالة الصحابة فيما تعنيه ، أن كلّ من عاصر الرسول ، أو ولد في عصره لا يجوز عليه الكذب والتزوير ، ولا يجوز تجريحه ، ولو قتل آلاف الأبرياء ، وفعل جميع المنكرات ، وعلى أساس ذلك فجميع الطبقة الأولى من الأمويين كأبي سفيان وأولاده ، وعثمان بن عفان وحاشيته ، وجميع المروانيّين بما فيهم طريد رسول الله الوزغ وأولاده الأوزاغ ، والمغيرة بن شعبة ، وسمرة بن جندب وزياد بن سميّة ، وعمرو ابن العاص ، وولده عبدالله الذي كان في حدود العاشرة من عمره حين وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله، ومع ذلك فقد نسبوا إليه مجموعة من الأحاديث كتبها على النبي في صحيفة يسمونها الصادقة ، فجميع هؤلاء الذين هم من أشدّ الناس عداوة للإسلام ، ولله ورسوله من العدول ، ومرويّاتهم من نوع الصحاح حتى ولو كانت في تجريح عليّ وأهل البيت


صفحه 83

وفي التقريظ ، والتقديس لعبد الرحمن بن ملجم.

وكل ما رووه وما لفقوه في فضل الصحابة الأوائل ، وفضل الأمويين ، ومعاوية ، والشام ، وما إلى ذلك من آلاف الرويات التي كانت تنتجها مصانع أبي هريرة من عشرات الرواة الذين استعملهم معاوية للدّس ، والكذب ، وتشويه الإسلام.

هذه المرويات يجب قبولها ، ولا يجوز ردّها لأنّ رواتها من العدول ، والعادل لا يعتمد الكذب ، والذين اتبعوا معاوية وسايروه طيلة ثلاثين عاماً من حكمه ، هؤلاء كانوا على الحق والهدى ، وحتى الّذين سمّوا الحسن بن علي ، وقتلوا الحسين ، وأصحابه وفعلوا ما فعلوا من الجرائم في الكوفة وغيرها ، كانوا محقّين أيضاً ، ومن المهتدين ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقال على حدّ زعمهم :

أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم[١]، ومن هو أولى بالاقتداء به من معاوية الذي كان الوحي كلما نزل على النبي يتفقده ويسلّم عليه ، ويوصي به ، كما تدعيه مرويّات تلك الطغمة من أنصاره إلى كثير من أمثال هذه الأحاديث التي أفرزتها مصانع أبي هريرة ، وابن العاص ، وابن جندب ، وكعب الأحبار وغيرهم ، في معاوية ، وبني أمية ، ومن سبقهم من الخلفاء وغير ذلك ، واختلطت بين الصحيح من حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولولا المخلصون من أهل البيت ، وشيعتهم ، وقليل غيرهم من بقية المحدّثين ، لفقدت السنة أبرز سماتها ، وانطمست معالمها ، وكنوزها ، بسب ما أدخلوه عليها من ألتحريف والبدع ، والمفتريات.

[١]طعن في هذا الحديث أبن تيمية وقال : ضعّفه أئمة الحديث فلا حجة فيه.


صفحه 84

لقد كان الصحابة يفسق بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضاً ، واتفق أكثرهم على ضلال[١]عثمان وحاشيته ، وأنصاره ، واستحلال دمه.

وكان طلحة ، والزبير ، وعائشة ، من أكثر الناس تحريضاً عليه ، وبلغ الحال بعائشة أن كفرته ، واستعارت له اسماً ليهودي كان من أقذر أهل المدينة ، يسمونه نعثلاً ، وقالت أكثر من مرة.

« اقتلوا نعثلاً فقد كفر » ، وأخذت بيدها قميصاً كان لرسول الله (ص) وقالت :

« هذا قميص رسول الله لم يبل ، وقد أبلى عثمان سنته! ».

وبعد مصرع عثمان على يد المهاجرين والأنصار تحريضاً ومباشرة من الوفود التي زحفت من مختلف الأمصار ، اتجهت تلك الوفود الزاحفة من مختلف الجهات ، وجميع المهاجرين والأنصار إلى عليعليه‌السلام، وانضمت تحت لوائه ، وأكثر المهاجرين وجدوا أنهم قد حققوا بهذه البيعة وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأعزّ أمانيه ، وإن جاءت متأخرة عن وقتها ، وراحوا ينتظرون فجراً جديداً مشرقاً بتعاليم الإسلام ومبادئه ، وعدالته.

واتجه الفريق الذي اشترك في قتل عثمان ، وكان من أشد الناس تحريضاً عليه من الصحابة ، إلى حرب الخليفة الشرعي الذّي تمّت خلافته بالإجماع والاختيار ، وبكل الشروط التي وضعوها للخلافة في عصر الصراع العقائدي الذي وضعوا فيه الشروط للخلافة الإسلامية لتصحيح خلافة الذين تقمصوها بعد وفاة الرسولعليه‌السلام.

وبعد أن بذل لهم إمام الهدى جميع الوسائل ليرجعوا عن غيّهم

[١]في رأي الدكتور طه حسين أن عثمان كان يقاد كالثور. انظر : مع رجال الفكر في القاهرة الحلقة الأولى ص ١٩٨ طبع القاهرة.


صفحه 85

وضلالهم ، فلم يسمعوا له قولاً ، ولا رعوا له وللأبرياء حرمة. وكانت المعركة لغير صالحهم كما هو المعلوم من حالها ، واتّجه بعدهم معاوية لحربه في أهل الشام ، ومعه فريق ممّن يسمونهم الصحابة حسب التحديدات التي وضعوها للصحبة ، لتسقطب أولئك المأجورين ، الذين كانوا يسيرون في ركابهم ، ويتمرّغون على أعتابهم ، لقاء مبالغ من أموال الأمة ، وضعها ابن هند في تصرّفهم ، ليضعوا له الحديث في انتقاص عليّ وذويه (ع) ، وفضل الأمويين والسائرين في ركابهم ، وكانت مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله تننج لهم ما يشاؤون ، ويشتهون من مختلف الألوان ، ولعلّ أبا هريره ، وابن جندب ، وكعب الأحبار كانوا من أبرز المقرّبين لمعاوية في صنع الحديث من بين من أسموهم بالصحابة.

وجاءت الطبقة الثانية وعلى رأسها عروة بن الزبير ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وغيرهم من عشرات الرواة ، والمحدّثين الذين اعتمدوا مصانع الطبقة الأولى ، ومضوا على نفس الطريق الذي يخدم مصالح أصحاب القصور وأهدافهم ، متسترين بقداسة الصحابة وعدالتهم ، وبما أنتجته مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله الذي اشتملت مرويّاته عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهو يوم وفاته لم يتجاوز سن الطفولة ، فيما اشتملت عليه ، صحيفة عرفت في أوساطهم بالصحيفة الصادقة ، كما ذكرنا.

وظلت تلك الأحاديث إلى جانب المرويّات الصحيحة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، من أشدّ الأسلحة فتكاً بيد الحاكمين أعداء الإسلام الذين تستروا به ، ليطعنوه من الداخل بتلك الأسلحة التي وفرها لهم عدول الصحابة! وفي الوقت ذاته لإضفاء الشرعية على حكمهم الذي استمرّ قرابة قرن من الزمن.