بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 81

وإنا إذ نسوق ما سقناه من عرض الحقائق على وجهها ، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها ، لا نقصد وايم الله أن ننال أحداً بسوء من عندنا ، وإنما لنبين في غير حرج أمر الصحابة على حقيقته ، وأنهم أناس من الناس فيهم البر والآثم ، والصادق وغير الصادق ، وأنهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمعون بها كما يعيش الناس. ويستمتعون ، وهذا كلّه لا يضرّ الإسلام في شيء وإنَّ ضياءه ليشرق من كتابه العظيم على الناس إلى يوم الدين.

وقال العلاّمة الكبير السيّد هاشم معروف الحسني تحت عنوان : عدالة الصحابة :

وإلى جانب التصوف ، والإرجاء ، والجبر برز في مطلع العهد الأموي سلاح آخر لعلّ أثر على العقول ، والقلوب ، والأفكار ، ومساندة الحكم الأموي لا يقل عن آثار الأسلحة الثلاثة ، ذلك السلاح هو عدالة الصحابة.

لقد برزت هذه الفكرة في مطلع العهد الأموي بعد أن أكلت الحروب الكثير منهم ومات أكثر الباقين بآجالهم.

وكان من الطبيعي بعد ذلك التاريخ الذي تركه الأمويون الملوّث بالشرك والجرائم ، والذي كان ماثلاً لدى الجميع أن يحاولوا استبدال تلك الصورة الكريهة العالقة في الأذهان عنهم نتيجة لمواقعهم المعادية للإسلام حتى بعد أن دخلوا فيه مكرهين ، كان من الطبيعي أن يحاولوا استبدال تلك الصورة بصورة تتناسب مع مراكزهم التي تسنموها باسم الإسلام فوضعوا فكرة العدالة لجميع من عاصر الرسول من المسلمين حتى ولو لم يره ، أو يسمع منه شيئاً ، وتوسع بعضهم فيها وأثبتها لكل من ولد في عصر الرسول ، وما دام ابو هريرة ، وزملاؤه من الوضاعين في


صفحه 82

تصرّفهم ، فمن السهل عليهم أن يحصلوا على عشرات الأحاديث التي تدعمها.

وظلت فكرة العدالة لجميع الصحابة التي تتسع للامويين وعلى رأسهم أبوسفيان والحكم ، طريد رسول الله (ص) ، تسير وتتفاعل حتى أصبحت وكأنّها من الضرورات عند السنة وحكامهم في عصر الصراع العقائدي ، لأنّها تخدم مصالحهم ومبادئهم التي اعتمدوها في سيرة الخلافة ، ومواقفهم المعادية لأهل البيتعليهم‌السلام. ولم يكن الصحابة أنفسهم يتصوّرون بأنّ الغلوّ بهم سينتهي إلى هذه النتيجة ، وتكون لهم تلك الهالة التي استخدمها معاوية لخدمة الجاهلية التي تجسدت في البيت الأموي ، ذلك البيت الذي ظل يحارب الإسلام منذ أن بزغ فجره وحتى اللحظات الأخيرة من حكمهم.

عدالة الصحابة

وتعني عدالة الصحابة فيما تعنيه ، أن كلّ من عاصر الرسول ، أو ولد في عصره لا يجوز عليه الكذب والتزوير ، ولا يجوز تجريحه ، ولو قتل آلاف الأبرياء ، وفعل جميع المنكرات ، وعلى أساس ذلك فجميع الطبقة الأولى من الأمويين كأبي سفيان وأولاده ، وعثمان بن عفان وحاشيته ، وجميع المروانيّين بما فيهم طريد رسول الله الوزغ وأولاده الأوزاغ ، والمغيرة بن شعبة ، وسمرة بن جندب وزياد بن سميّة ، وعمرو ابن العاص ، وولده عبدالله الذي كان في حدود العاشرة من عمره حين وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله، ومع ذلك فقد نسبوا إليه مجموعة من الأحاديث كتبها على النبي في صحيفة يسمونها الصادقة ، فجميع هؤلاء الذين هم من أشدّ الناس عداوة للإسلام ، ولله ورسوله من العدول ، ومرويّاتهم من نوع الصحاح حتى ولو كانت في تجريح عليّ وأهل البيت


صفحه 83

وفي التقريظ ، والتقديس لعبد الرحمن بن ملجم.

وكل ما رووه وما لفقوه في فضل الصحابة الأوائل ، وفضل الأمويين ، ومعاوية ، والشام ، وما إلى ذلك من آلاف الرويات التي كانت تنتجها مصانع أبي هريرة من عشرات الرواة الذين استعملهم معاوية للدّس ، والكذب ، وتشويه الإسلام.

هذه المرويات يجب قبولها ، ولا يجوز ردّها لأنّ رواتها من العدول ، والعادل لا يعتمد الكذب ، والذين اتبعوا معاوية وسايروه طيلة ثلاثين عاماً من حكمه ، هؤلاء كانوا على الحق والهدى ، وحتى الّذين سمّوا الحسن بن علي ، وقتلوا الحسين ، وأصحابه وفعلوا ما فعلوا من الجرائم في الكوفة وغيرها ، كانوا محقّين أيضاً ، ومن المهتدين ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقال على حدّ زعمهم :

أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم[١]، ومن هو أولى بالاقتداء به من معاوية الذي كان الوحي كلما نزل على النبي يتفقده ويسلّم عليه ، ويوصي به ، كما تدعيه مرويّات تلك الطغمة من أنصاره إلى كثير من أمثال هذه الأحاديث التي أفرزتها مصانع أبي هريرة ، وابن العاص ، وابن جندب ، وكعب الأحبار وغيرهم ، في معاوية ، وبني أمية ، ومن سبقهم من الخلفاء وغير ذلك ، واختلطت بين الصحيح من حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولولا المخلصون من أهل البيت ، وشيعتهم ، وقليل غيرهم من بقية المحدّثين ، لفقدت السنة أبرز سماتها ، وانطمست معالمها ، وكنوزها ، بسب ما أدخلوه عليها من ألتحريف والبدع ، والمفتريات.

[١]طعن في هذا الحديث أبن تيمية وقال : ضعّفه أئمة الحديث فلا حجة فيه.


صفحه 84

لقد كان الصحابة يفسق بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضاً ، واتفق أكثرهم على ضلال[١]عثمان وحاشيته ، وأنصاره ، واستحلال دمه.

وكان طلحة ، والزبير ، وعائشة ، من أكثر الناس تحريضاً عليه ، وبلغ الحال بعائشة أن كفرته ، واستعارت له اسماً ليهودي كان من أقذر أهل المدينة ، يسمونه نعثلاً ، وقالت أكثر من مرة.

« اقتلوا نعثلاً فقد كفر » ، وأخذت بيدها قميصاً كان لرسول الله (ص) وقالت :

« هذا قميص رسول الله لم يبل ، وقد أبلى عثمان سنته! ».

وبعد مصرع عثمان على يد المهاجرين والأنصار تحريضاً ومباشرة من الوفود التي زحفت من مختلف الأمصار ، اتجهت تلك الوفود الزاحفة من مختلف الجهات ، وجميع المهاجرين والأنصار إلى عليعليه‌السلام، وانضمت تحت لوائه ، وأكثر المهاجرين وجدوا أنهم قد حققوا بهذه البيعة وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأعزّ أمانيه ، وإن جاءت متأخرة عن وقتها ، وراحوا ينتظرون فجراً جديداً مشرقاً بتعاليم الإسلام ومبادئه ، وعدالته.

واتجه الفريق الذي اشترك في قتل عثمان ، وكان من أشد الناس تحريضاً عليه من الصحابة ، إلى حرب الخليفة الشرعي الذّي تمّت خلافته بالإجماع والاختيار ، وبكل الشروط التي وضعوها للخلافة في عصر الصراع العقائدي الذي وضعوا فيه الشروط للخلافة الإسلامية لتصحيح خلافة الذين تقمصوها بعد وفاة الرسولعليه‌السلام.

وبعد أن بذل لهم إمام الهدى جميع الوسائل ليرجعوا عن غيّهم

[١]في رأي الدكتور طه حسين أن عثمان كان يقاد كالثور. انظر : مع رجال الفكر في القاهرة الحلقة الأولى ص ١٩٨ طبع القاهرة.


صفحه 85

وضلالهم ، فلم يسمعوا له قولاً ، ولا رعوا له وللأبرياء حرمة. وكانت المعركة لغير صالحهم كما هو المعلوم من حالها ، واتّجه بعدهم معاوية لحربه في أهل الشام ، ومعه فريق ممّن يسمونهم الصحابة حسب التحديدات التي وضعوها للصحبة ، لتسقطب أولئك المأجورين ، الذين كانوا يسيرون في ركابهم ، ويتمرّغون على أعتابهم ، لقاء مبالغ من أموال الأمة ، وضعها ابن هند في تصرّفهم ، ليضعوا له الحديث في انتقاص عليّ وذويه (ع) ، وفضل الأمويين والسائرين في ركابهم ، وكانت مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله تننج لهم ما يشاؤون ، ويشتهون من مختلف الألوان ، ولعلّ أبا هريره ، وابن جندب ، وكعب الأحبار كانوا من أبرز المقرّبين لمعاوية في صنع الحديث من بين من أسموهم بالصحابة.

وجاءت الطبقة الثانية وعلى رأسها عروة بن الزبير ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وغيرهم من عشرات الرواة ، والمحدّثين الذين اعتمدوا مصانع الطبقة الأولى ، ومضوا على نفس الطريق الذي يخدم مصالح أصحاب القصور وأهدافهم ، متسترين بقداسة الصحابة وعدالتهم ، وبما أنتجته مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله الذي اشتملت مرويّاته عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهو يوم وفاته لم يتجاوز سن الطفولة ، فيما اشتملت عليه ، صحيفة عرفت في أوساطهم بالصحيفة الصادقة ، كما ذكرنا.

وظلت تلك الأحاديث إلى جانب المرويّات الصحيحة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، من أشدّ الأسلحة فتكاً بيد الحاكمين أعداء الإسلام الذين تستروا به ، ليطعنوه من الداخل بتلك الأسلحة التي وفرها لهم عدول الصحابة! وفي الوقت ذاته لإضفاء الشرعية على حكمهم الذي استمرّ قرابة قرن من الزمن.


صفحه 86

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكبار المحدّثين وأعلامهم كما جاء في شرح النهج للمعتزلي :

« إن أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أميّة تقرباً إليهم بما يظّنون أنهم يرغمون أنوف بني هاشم ».

ومع أن تلك الأحاديث قد صنعها الوضاعون لمصلحة المروانيين والعثمانيين ، وأبي سفيان ، وولده معاوية ، وأنصاره ، فقد صاغوها بأسلوب يجعل من كل صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض ، وتصب اللعنات على كل من سب أحداً منهم ، أو اتهمه بسوء كما جاء فيما رووه عن أنس بن مالك أن النبي (ص) قال : « من سبّ أحداً من أصحابي فعليه لعنة الله والملائكمة والناس أجمعين!! ».

ومن عابهم ، أو انتقصهم فلا تؤاكلوه ، ولا تشاربوه ، ولا تصلوا عليه[١].

مع أنها جاءت بهذا الأسلوب ، ولم تفرّق بين صحابي ، وصحابي ، فقد فرض معاوية سب عليّعليه‌السلام، وانتقاصه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكمه بما في ذلك الكوفة ، وجهاتها التي تجرّعت كل أنواع الأذى ، والظلم لكثرة الموالين فيها لعليّ وولدهعليهم‌السلامالذين تعرّضوا للقتل والحبس ، والتشريد ، وكان يقول في جواب ناصحيه من أنصاره ، الذين كانوا يرون أن هذا الأسلوب من السياسة الخرقاء ، يخدم عليّاً وشيعته أكثر ممّا يسيء إليهم :

‌« والله لا أدع سبه وشتمه حتى يهرم عليه الكبير ، ويشب عليه الصغير! ».

وقد بذل للصحابي أبي سمرة بن جندب خمسمئة ألف درهم

[١]انظر : ص ٢٣٨ من كتاب الكبائر للحافظ الذهبي.


صفحه 87

ليروي له عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن الأية :

(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام*وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث ، والنسل والله لا يحب الفساد)[١]نزلت في علي بن أبي طالب.

وأن الآية :

(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)[٢]. نزلت في عبد الرحمن بن ملجم لأنه قتل عليّاًعليه‌السلام، إلى غير ذلك من الموضوعات التي كان يبذل لصانعيها بسخاء لا حدود له ، مع أنه فعل ذلك بإجماع المؤرخين فقد بقى من عدول الصحابة كما بقيت منتجات مصانع الوضاعين ، ممّن كانوا يتمرّغون على أعتاب قصر الحمراء ، وغيره من قصور الحاكمين ، التي كانت تعجّ بالفساد ، والظلم ، والمنكرات ، إلى جانب غيرها من مرويّات الثقاة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمومن صحاحها لأنها من صنع الصحابة ، والصحابة كلّهم من العدول ، ومن سبّهم أو انتقصهم فعليه لعنة الله ، ولم يستثن منهم سوى عليّعليه‌السلام، ومن وقف إلى جانبه من صحابة الرّسول الأوفياء لرسالة الإسلام وتعاليمه ، فهؤلاء بنظر معاوية وزبانيته ، كانوا يسعون في الأرض ليفسدوا فيها ، ويهلكوا الحرث ، والنّسل والله لا يحب الفساد!!

لقد بقيت إلى جانب غيرها من مرويّات عدول الصحابة مرجعاً للجمهور في التشريع وغيره على اختلاف مذاهبهم ، ونزعاتهم الفقهيّة ،

[١]سورة البقرة : الآيتان ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

[٢]سورة البقرة : الآية ٢٠٧.


صفحه 88

وعلى أساس ذلك غلب عليهم اسم السنة في مقابل الشيعة الذين رجعوا إلى الأئمة من أهل البيت (ع) وإلى مارواه ثقاة الصحابة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبالإضافة إلى كتاب الله في جميع ما جاء به الإسلام من أصول وفروع ، وتشريعات ، ولم يعرف الجمهور بهذا الوصف قبل أواخر القرن الأول ، وبهذا الاعتبار يمكن اعتبار التسنن من الأحداث الطارئة ، وبخاصة عندما نلاحظ أن مفهوم السنة خلال تلك الفترة من تاريخ المسلمين قد أصبح أوسع ممّا كان عليه في عهد الصحابة ، والطبقة الأولى من التابعين ، فبعد أن كان عند أوائلهم لا يتجاوز أقوال الرسول ، وأفعاله وكانوا يلاحقون الراوي للتأكد من صدقه وبعضهم يستحلفه ، ويتجنب أكثرهم مرويات أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وأمثالهما ممّن كانوا لا يتورعون الكذب ، والافتراء ، على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبالرّغم من أن درة ابن الخطاب كانت لهم بالمرصاد.

فبعد أن كانت لا تتعدى أقوال الرسول ، وأفعاله عند متقدّمي الصحابة ، أصبحت في العصور التي تعدّدت فيها المذاهب ، وتوزعت في العواصم ، وبقية الأقطار بنظر العلماء ، وأئمة المذاهب تتسع لرأي الصحابي ، وفتواه إذا لم يجدوا نصّاً على حكم الواقعة في كتاب الله ، وسنة الرسول ، وأصبحت آراء الصحابة في أحكام الحوادث التي كانت تعرض عليهم المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد كتاب الله ، وسنة رسوله ، ولعلّ أئمة المذهب الثلاثة وعلماءهم الأحناف والمالكية ، والحنابلة ، أكثر تعصّباً لآراء الصحابة ، واجتهاداتهم من الشوافع كما يبدو ذلك من تصريحاتهم ، ومجاميعهم الفقهية ، ومع أن أبا حنيفة كان متحمساً للقياس ، ويراه من أفضل المصادر بعد كتاب الله ، كان يقدم رأي الصحابة عليه إذا تعارضا في مورد من الموارد[١].

[١]المستصفى للغزالي ص ١٣٥ـ ١٣٦.