هؤلاء هم أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلمالذين تعظّمهم شيعة آل محمد (ص) ويدينون بموالاتهم ، ويأخذون تعاليم الإسلام فيما صحّ وروده عنهم.
ولكن التلاعب السياسي ، واحتدام النزاع بين الطوائف خلق كثيراً من المشاكل في عصور قامت بها فئات لإثارة الفتن حبّاً للسيطرة ، وطمعاً في النفوذ من باب فرّق تسد.
* * *
وصفوة القول إن عصور التلاعب بالمباديء ، والتطاحن حول بغية ذوي الأطماع قد ولت ، ونحن في عصرنا الحاضر عصر انطلاق الفكر من عقاله والتقدّم ، والرقي.
أيصح لنا أن نستمر على ضرب وتر العصبية ، ونطرب لنغمات النزعة الطائفيّة ، ونكرع بكأس الشذوذ عن الواقع ، ونهمل ما يجب علينا من مكافحة خصوم الإسلام ، وأعدائه ، فقد وجهوا إلينا سيلاً جارفاً من الآراء الهدّامة ، والمبادىء الفاسدة.
أليس من الذوق السليم الترفع عن التعبير بتلك العبارات التي اتخذها ضعفاء العقول ، وأهل الجمود الفكري عندما يكتبون عن الشيعة فينبزونهم بكلّ عظيمة.
أليس من الحق أن يتبينوا من صحة ما يقولون؟.
وإن اتهام الشيعة بسب الصحابة ، وتفكيرهم أجمع أنما هو اتهام بالباطل ، ورجم بالغيب ، وخضوع للعصبية ، وتسليم لنزعة الطائفية ، وجري وراء الأوهام ، والأباطيل[١].
[١]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١| ٦٠١ ـ ٦٠٢.
من هو الصحابي؟
علينا قبل أن نتكلم عن عدالة الصحابة : أن نبين من هو الصحابي كما عرفوه ، وأوفى تعريف له عند الجمهور ما ذكر البخاري :
قال البخاري في كتابه[١].
« من صحب النبي صلّى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو صحابي! »[٢].
وقد شرح ابن الحجر العسقلاني تعريف البخاري بقوله :
يعني أن اسم صحبة النبي صلّى عليه وسلم مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق على اسم صحبة لغة ، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة ، ويطلق أيضاً على من رآه ولوعلى بعد.
وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح ، إلا أنه : هل يشترط في الرأئي بحيث يميز ما رآه! ، او يكتفي بمجرد حصول الرؤية ـ محل نظر ـ.
وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني ، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق ، وإنما ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في الصحيح أن أمه اسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة وذلك في أواخر ذي القعدة سنة ( ٢٠هـ ).
وقال علي بن المديني : من صحب النبي أو رآه ساعة من نهار فهو
[١]فتح الباري : ٣ | ٢.
[٢]قال العلامة المقبلي يرد على الذين أثبتوا الصحبة لكل من رأى النبي : إنهم يصطلحون على شيء في متأخر الأزمان ، ثم يفسرون الكتاب والسنة باصطلاحهم المجرد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعي إنما هي بحسب اللغة ، وكذلك سائر الألفاظ التي وردت فيها فضائل الصحابة لكن المحدثين اصطلحوا وقضوا بغير دليل على أن الصحبة لكل من رآه النبي ـ أو رأى هو النبي ـ ولو طفلا! بشرط أن يكون محكوماً بإسلامه ، ويشترط أن يموت ولايرتد..
من اصحاب النبي. وكأنهم أيدوا تعريفهم هذا بما رووه عن النبي من أنه قال :
« يعزو قوم فيقال :
هل فيكم من رأى رسول الله فيفتح لهم! ».
وقال[١]في مقدمة « كتاب الإصابة في تمييز الصحابة » :
أصح وقفت عليه من ذلك أن الصحابي ـ من لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم مؤمناّ به ، ومات على الإسلام ، فيدخل فيمن لقيه ، ومن طالت مجالسته له أو قصرت.
ومن روى عنه ، أو لم يرو ، ومن غزا معه ، أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى ... »[٢].
أوجب العلماء ... البحث عن رواة الحديث ، فجرحوا من جرحوا ، وعدّلوا من عدلوا ، وهم على حق في ذلك ، إذ لا يصح أن يؤخذ قول أي إنسان مهما كان بغير تمحيص ، وتحقيق ، ونقد ، وعلى أنهم قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجباً تطبيقه على كل روا ، مهما كان قدره ، فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها ، إذ اعتبروهم جميعاً عدولاً لا يجوز عليهم نقد ، ولا يتجه إليهم تجريح ، ومن قولهم في ذلك : « إن بساطهم قد طوي ».
ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف ، على حين أن بعض الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً ، وكفر بعضهم بعضاً.
قال النووي في التقريب : الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتنة وغيرهم.
[١]أي ابن حجر.
[٢]ص ٤.
وقال الذهبي : في رسالته التي الّفها ـ في الرواة الثقاة[١]:
ولو فتحنا هذا الباب ( الجرح والتعديل ) على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بعضاً ـ بتأويل ما!!! ».
والله يرضى عن الكلّ ويغفر لهم ، فما هم بعصومين ، وما اختلافهم ، ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا.
ثم قال : وأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما جرى ، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقاة!! فما يكاد يسلم أحد من الغلط ـ ولكنّه غلط نادر لا يضّر أبدا! إذ على عدالتهم ، وقبول ما نقلوا ـ العمل وبه ندين الله تعالى.
وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط ، وأوماهم ، فمن ندر غلطه في حديث ما احتمل ، ومن تعدّد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضاً ونقل حديثه وعمل به ، على تردد بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج بمن هذا نعته ، وكثر تفرده. ومن فحش خطؤه لم يحتج بحديثه.
وأما أصحاب التابعين ـ كمالك ، والأوزاعي ، وهذا الضرب فعلى المراتب المذكورة.
ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب ، أو من كثر غلطه فترك حديثه.
هذا مالك : هو النجم الهادي بين الأمة وما سلم من الكلام فيه! ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك ـ فقد تكلم فيه لعذر وأهين! وكذا :
[١]من ص ٣ـ ٢١.
الأوزاعي ثقة ، حجة ، وربما انفرد ووهم ، وحديثه عن الزهري فيه شيء! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأي ضعيف. وحديث ضعيف ـ وكذا تكلم من لم يفهم في الزهري لكونه خضب بالسواد ، ولبس لبس الجند ، وخدم هشام بن عبدالملك ـ وهذا باب واسع.
ومحمد بن إدريس الشافعي من سارت الركائب بفضله ، ومعارفه ، وثقته ، وامانته فهو حافظ متثبت نادر الغلط ، ولكن قال أبو عمر بن عبدالبر :
روينا عن محمد بن وضاح قال : سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال : ليس بثقة.
وكلام ابن معين[١]في الشافعي إنما كان من فلتات اللّسان بالهوى ، والعصبية[٢].
فإن ابن معين كان من الحنفية ، وإن كان محدّثاً.
وجعفر بن محمد الصادق ، وثقه أبو حاتم ، والنّسائي إلاّ أن البخاري لم يحتج به[٣].
وسعيد بن أبي عروبة : ثقة ، إمام ساء حفظاً بآخرته. وحديثه في الكتب إلاّ أنّه قدري ـ قاله أحمد بن حنبل.
والوليد بن مسلم : عالم أهل دمشق ثقة حافظ لكنّه يدلّس عن الضعفاء ، وحديثه في الكتب كلها. انتهى ما نقلناه من هذه الرسالة باختصار.
[١]يحيى بن معين من كبار أئمة الجرح والتعديل الذين جعلوا قولهم في الرجال حجة قاطعة.
[٢]انظر كيف تفعل العصبية.
[٣]وإذا كان البخاري لا يحتج بمثل هذا العلم الشامخ فبمن يحتج؟ وانظر ما فعل البخاري بأئمة أهل البيت الذين تجافى الرواية عنهم.
وقال الآمدي في ( الأحكام )[١]:
اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة ، وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية. ومنهم من قال :
« إنهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع الاختلاف ، والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدّ من البحث في العدالة عن الراوي ، أو الشاهد منهم ، إذا لم يكن ظاهر العدالة ». ومنهم من قال :
« إن كل من قاتل علياً ، عالماً منهم ، فهو فاسق ، مردود الرواية ، والشهادة على الإمام الحق ».
ومنهم من قال : برد رواية الكل وشهادتم لأنّ أحد الفريقين فاسق ، وهو غير معلوم ولا معين أ هـ[٢].
وقال الغزالي في ( المستصفى ) :
وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث ..
وقال قوم : حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهورالحرب وألخصومات ، ثم تغيرت الحال ، وسفكت الدماء ، فلا بد من البحث.
ومما يتكىء عليه من يعتقدون عدالة جميع الصحابة قولهم إن رسول الله قال :
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وفي رواية فأيهم أخذتم
[١]الأحكام ٢| ١٢٨.
[٢]قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ، ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني ، وأشباههما ، ويحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر ، وعثمان ، وعائشة ص ١٠ـ ١١.
بقوله ... ولكن هذا الحديث باطل لا أصل له[١].
* * *
تعريف الصحابي ونقطة الخلاف
اختلفت الأقوال في حد الصحبة ومن هو الصحابي فقيل :
من صحب النبي أو رآه من المسلمين ، فهو من أصحابه.
وإليه ذهب البخاري في صحيحه وسبقه إليه شيخه علي بن المديني وقال :
من صحب النبي صلّى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحابه.
وهذا التعريف ينطق على المرتدين في حياة التبيصلىاللهعليهوآلهوسلموبعده ، وعلى كلّ راء له ، وإن لم يعقل ، وهذا أمر لا يقره العقل ، والوجدان ، فإن الردة محبطة للعمل ، فلا مجال لبقاء سمة الصحبة ، وقد ذهب أبو حنيفة إلى الإحباط ، ونصّ عليه الشافعي في ( الام ).
وقال الزين العراقي : الصحابي من لقي النبي مسلماً ثم مات على الإسلام.
وقال سعيد بن المسيب : من قام مع النبي سنة كاملة ، أو غزا معه غزوة واحدة.
وهذا القول لم يعملوا به لأنه يخرج بعض الصحابة الذين لم تطل مدّتهم مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، ولم يغزوا معه.
قال ابن حجر : والعمل على غير هذا القول[٢].
[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٤١ ـ ٣٤٤. ط. دار المعارف بمصر.
[٢]المواهب شرح الزرقاني ٨ | ٢٦.
وحكى ابن الحاجب قولاً لعمر بن يحيى أنه يشترط في الصحابي طول الصحبة ، والأخذ عنه[١].
كما أنهم جعلوا من الصحابة من لم ير النبيصلىاللهعليهوآلهوهو مسلم له ، أو له رؤية قصيرة.
ومهما تكن الأقوال ، والتعاريف فإن هذا الاسم يطلق على كل من سمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأو رآه من المسلمين مطلقاً ، وهم كلّهم عدول عندهم ، وما صدر منهم يحتمل لهم بحجة أنهم مجتهدون.
وهذه هي النقطه الجوهرية التي وقع الاختلاف فيها ، إذ الشيعة لا يذهبون لهذا القول فلا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها ، وكانت فيه تلك الملكة ، وأصالة العدالة لكل صحابي لا دليل عليه ، ولا يمكن إثباته.
فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرية فكر ، وتزن كل واحد منهم بميزان عمله ، فلا(يوادّون من حاد الله ورسوله)ويتبرأون ممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله).
والشيعة لا يخالفون كتاب الله ، وسنة رسوله ، وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة ، ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة.
ومن هذا فتحت على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ، وقد لفقها خصومهم ، ولو كان هناك صبابة إنصاف ، ومسكة من عقل ، وقليل من تتبع ، وإعطاء الفكر حريته ، لما وقعت تلك الملابسات ، وحلت تلك المشاكل.
ومن الغريب أن تتهم الشيعة بسب الصحابة ، والطعن عليهم
[١]شرح ألفية العراقي : ٤| ٣٢.