بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 97

من اصحاب النبي. وكأنهم أيدوا تعريفهم هذا بما رووه عن النبي من أنه قال :

« يعزو قوم فيقال :

هل فيكم من رأى رسول الله فيفتح لهم! ».

وقال[١]في مقدمة « كتاب الإصابة في تمييز الصحابة » :

أصح وقفت عليه من ذلك أن الصحابي ـ من لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم مؤمناّ به ، ومات على الإسلام ، فيدخل فيمن لقيه ، ومن طالت مجالسته له أو قصرت.

ومن روى عنه ، أو لم يرو ، ومن غزا معه ، أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى ... »[٢].

أوجب العلماء ... البحث عن رواة الحديث ، فجرحوا من جرحوا ، وعدّلوا من عدلوا ، وهم على حق في ذلك ، إذ لا يصح أن يؤخذ قول أي إنسان مهما كان بغير تمحيص ، وتحقيق ، ونقد ، وعلى أنهم قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجباً تطبيقه على كل روا ، مهما كان قدره ، فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها ، إذ اعتبروهم جميعاً عدولاً لا يجوز عليهم نقد ، ولا يتجه إليهم تجريح ، ومن قولهم في ذلك : « إن بساطهم قد طوي ».

ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف ، على حين أن بعض الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً ، وكفر بعضهم بعضاً.

قال النووي في التقريب : الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتنة وغيرهم.

[١]أي ابن حجر.

[٢]ص ٤.


صفحه 98

وقال الذهبي : في رسالته التي الّفها ـ في الرواة الثقاة[١]:

ولو فتحنا هذا الباب ( الجرح والتعديل ) على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بعضاً ـ بتأويل ما!!! ».

والله يرضى عن الكلّ ويغفر لهم ، فما هم بعصومين ، وما اختلافهم ، ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا.

ثم قال : وأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما جرى ، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقاة!! فما يكاد يسلم أحد من الغلط ـ ولكنّه غلط نادر لا يضّر أبدا! إذ على عدالتهم ، وقبول ما نقلوا ـ العمل وبه ندين الله تعالى.

وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط ، وأوماهم ، فمن ندر غلطه في حديث ما احتمل ، ومن تعدّد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضاً ونقل حديثه وعمل به ، على تردد بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج بمن هذا نعته ، وكثر تفرده. ومن فحش خطؤه لم يحتج بحديثه.

وأما أصحاب التابعين ـ كمالك ، والأوزاعي ، وهذا الضرب فعلى المراتب المذكورة.

ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب ، أو من كثر غلطه فترك حديثه.

هذا مالك : هو النجم الهادي بين الأمة وما سلم من الكلام فيه! ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك ـ فقد تكلم فيه لعذر وأهين! وكذا :

[١]من ص ٣ـ ٢١.


صفحه 99

الأوزاعي ثقة ، حجة ، وربما انفرد ووهم ، وحديثه عن الزهري فيه شيء! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأي ضعيف. وحديث ضعيف ـ وكذا تكلم من لم يفهم في الزهري لكونه خضب بالسواد ، ولبس لبس الجند ، وخدم هشام بن عبدالملك ـ وهذا باب واسع.

ومحمد بن إدريس الشافعي من سارت الركائب بفضله ، ومعارفه ، وثقته ، وامانته فهو حافظ متثبت نادر الغلط ، ولكن قال أبو عمر بن عبدالبر :

روينا عن محمد بن وضاح قال : سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال : ليس بثقة.

وكلام ابن معين[١]في الشافعي إنما كان من فلتات اللّسان بالهوى ، والعصبية[٢].

فإن ابن معين كان من الحنفية ، وإن كان محدّثاً.

وجعفر بن محمد الصادق ، وثقه أبو حاتم ، والنّسائي إلاّ أن البخاري لم يحتج به[٣].

وسعيد بن أبي عروبة : ثقة ، إمام ساء حفظاً بآخرته. وحديثه في الكتب إلاّ أنّه قدري ـ قاله أحمد بن حنبل.

والوليد بن مسلم : عالم أهل دمشق ثقة حافظ لكنّه يدلّس عن الضعفاء ، وحديثه في الكتب كلها. انتهى ما نقلناه من هذه الرسالة باختصار.

[١]يحيى بن معين من كبار أئمة الجرح والتعديل الذين جعلوا قولهم في الرجال حجة قاطعة.

[٢]انظر كيف تفعل العصبية.

[٣]وإذا كان البخاري لا يحتج بمثل هذا العلم الشامخ فبمن يحتج؟ وانظر ما فعل البخاري بأئمة أهل البيت الذين تجافى الرواية عنهم.


صفحه 100

وقال الآمدي في ( الأحكام )[١]:

اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة ، وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية. ومنهم من قال :

« إنهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع الاختلاف ، والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدّ من البحث في العدالة عن الراوي ، أو الشاهد منهم ، إذا لم يكن ظاهر العدالة ». ومنهم من قال :

« إن كل من قاتل علياً ، عالماً منهم ، فهو فاسق ، مردود الرواية ، والشهادة على الإمام الحق ».

ومنهم من قال : برد رواية الكل وشهادتم لأنّ أحد الفريقين فاسق ، وهو غير معلوم ولا معين أ هـ[٢].

وقال الغزالي في ( المستصفى ) :

وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث ..

وقال قوم : حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهورالحرب وألخصومات ، ثم تغيرت الحال ، وسفكت الدماء ، فلا بد من البحث.

ومما يتكىء عليه من يعتقدون عدالة جميع الصحابة قولهم إن رسول الله قال :

أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وفي رواية فأيهم أخذتم

[١]الأحكام ٢| ١٢٨.

[٢]قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ، ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني ، وأشباههما ، ويحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر ، وعثمان ، وعائشة ص ١٠ـ ١١.


صفحه 101

بقوله ... ولكن هذا الحديث باطل لا أصل له[١].

* * *

تعريف الصحابي ونقطة الخلاف

اختلفت الأقوال في حد الصحبة ومن هو الصحابي فقيل :

من صحب النبي أو رآه من المسلمين ، فهو من أصحابه.

وإليه ذهب البخاري في صحيحه وسبقه إليه شيخه علي بن المديني وقال :

من صحب النبي صلّى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحابه.

وهذا التعريف ينطق على المرتدين في حياة التبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموبعده ، وعلى كلّ راء له ، وإن لم يعقل ، وهذا أمر لا يقره العقل ، والوجدان ، فإن الردة محبطة للعمل ، فلا مجال لبقاء سمة الصحبة ، وقد ذهب أبو حنيفة إلى الإحباط ، ونصّ عليه الشافعي في ( الام ).

وقال الزين العراقي : الصحابي من لقي النبي مسلماً ثم مات على الإسلام.

وقال سعيد بن المسيب : من قام مع النبي سنة كاملة ، أو غزا معه غزوة واحدة.

وهذا القول لم يعملوا به لأنه يخرج بعض الصحابة الذين لم تطل مدّتهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولم يغزوا معه.

قال ابن حجر : والعمل على غير هذا القول[٢].

[١]أضواء على السنة المحمدية ص ٣٤١ ـ ٣٤٤. ط. دار المعارف بمصر.

[٢]المواهب شرح الزرقاني ٨ | ٢٦.


صفحه 102

وحكى ابن الحاجب قولاً لعمر بن يحيى أنه يشترط في الصحابي طول الصحبة ، والأخذ عنه[١].

كما أنهم جعلوا من الصحابة من لم ير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآلهوهو مسلم له ، أو له رؤية قصيرة.

ومهما تكن الأقوال ، والتعاريف فإن هذا الاسم يطلق على كل من سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأو رآه من المسلمين مطلقاً ، وهم كلّهم عدول عندهم ، وما صدر منهم يحتمل لهم بحجة أنهم مجتهدون.

وهذه هي النقطه الجوهرية التي وقع الاختلاف فيها ، إذ الشيعة لا يذهبون لهذا القول فلا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها ، وكانت فيه تلك الملكة ، وأصالة العدالة لكل صحابي لا دليل عليه ، ولا يمكن إثباته.

فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرية فكر ، وتزن كل واحد منهم بميزان عمله ، فلا(يوادّون من حاد الله ورسوله)ويتبرأون ممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله).

والشيعة لا يخالفون كتاب الله ، وسنة رسوله ، وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة ، ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة.

ومن هذا فتحت على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ، وقد لفقها خصومهم ، ولو كان هناك صبابة إنصاف ، ومسكة من عقل ، وقليل من تتبع ، وإعطاء الفكر حريته ، لما وقعت تلك الملابسات ، وحلت تلك المشاكل.

ومن الغريب أن تتهم الشيعة بسب الصحابة ، والطعن عليهم

[١]شرح ألفية العراقي : ٤| ٣٢.


صفحه 103

أجمع ، وبذرة التشيّع نشأت في مجتمع الصحابة ، ومنهم أبطال التشيع ، وحاملو دعوته ، وهم الذين عرفوا بالولاء لعليّعليه‌السلام، وناصروه في حربه لمن بغى عليه ، وهم خيار الأئمة[١].

* * *

الأخذ بعدالة جميع الصحابة

وإذا كان الجمهور على أنّ الصحابة كلّهم عدول ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة ، واعتبروهم جميعاً معصومين من الخطأ ، والسهو ، والنسيان ، فإنّ هناك كثيراً من المحقّقين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة ) لجميع الصحابة ، وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي إنها ( أغلبية ) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط ، والسهو ، والنسيان ، بل والهوى ، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلاّ بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، ممّا يرجع إلى الطبيعة البشرية.

وإن سيّدهم الّذي اصطفاه الله صلوات الله عليه « والله أعلم حيث يجعل رسالته » قد قال :

« أنا بشر أصيب وأخطىء ».

ويعزون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين ، والكاذبين. وبأنّ كثيراً منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى ، بل ما وغع منهم من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث ، والنسل ، ولا تزال آثارها ـ ولّما تزل ـ إلى اليوم ، وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله عليه قد رأى بعين بصيرته النافذة

[١]الإمام الصادق والمذهب الأربعة : ١ / ٥٩٩ ـ ٦٠١.


صفحه 104

ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فقال في حجة الوداع : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ».

وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي قال :

« إنكم تحشرون حفاة عراة وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال.

فأقول : أصحابي! أصحابي! فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

فأقول : كما قال العبد الصالح :

(وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم)».

وروى مسلم هذا الحديث بلفظ : « ليردن علّي ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني فأقول : أصحابي! فيقول : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ».

وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : « بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني ، وبينهم قال : هلم : قلت أين؟ قال : إلى النار والله ، قلت وما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم »[١].

وفي رواية أخرى أنّ النّبي قال :

« يرد علّي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلأون عن الحوض ، فأقول :

يا رب أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم أرتدوا على أدبارهم القهقرى ».

[١]همل النعم : الإبل بلا راع أي لا يخلص منهم من النار إلاّ قليل.