التقريب الاول: ان اطلاق مفاد الهيئة شمولي و اطلاق مفاد المادة بدلي فلو دار الأمر بين رفع اليد عن الشمول و بين رفع اليد عن البدل يكون الترجيح في الثاني.
و يرد عليه: اولا انه لا وجه للترجيح بعد استناد كل من الأمرين الى مقدمات الحكمة و الاطلاق غاية الأمر تكون النتيجة تارة الشمول و اخرى البدل.
و ثانيا: ان الاطلاق البدلي ايضا فيه الشمول و السريان اذ المستفاد من الدليل الترخيص في اختيار كل فرد من الأفراد مثلا لو قال المولى «اكرم عالما» و تمت مقدمات الحكمة يستفاد من كلامه أمر ان: احدهما: كفاية اكرام عالم واحد من العلماء، ثانيهما: الترخيص في اختيار أي فرد من افراد العالم فالشمول ثابت في كل من الطرفين.
و عن الميرزا النائيني(قدس سره)الاستدلال على تقديم العموم الشمولي على البدلي بوجوه ثلاثة: الوجه الاول: ان العموم الشمولي ينحل الى أحكام عديدة فلو قال المولى «يحل البيع» ينحل هذا الجعل الى جعل الحلية لكل بيع فرض في الخارج و أما الاطلاق البدلي فالمجعول من قبل المولى حكم واحد مترتب على صرف الوجود كما لو قال اكرم عالما و ان شئت قلت: لو رجع القيد الى مفاد العام الشمولي يوجب تقليل حكم المولى و جعله و أما لو رجع الى المادة يوجب تضييق دائرة المجعول فيقدم العموم الشمولي على البدلي.
و يرد عليه: اولا ان هذا الوجه لا يرجع الى محصل اذا لتقديم متوقف على أقوائية الظهور و المفروض التساوي بين المقامين من هذه الجهة، و ثانيا: المجعول من قبل المولى في العام البدلي ايضا متعدد لأن الاطلاق يستلزم التساوي بين افراد الطبيعة و يستفاد منه الترخيص في اختيار اي فرد من الأفراد.
الوجه الثاني: ان تمامية الاطلاق في طرف الاطلاق الشمولي يتوقف على مقدمات ثلاث: الاولى كون المولى في مقام البيان، الثانية ثبوت الحكم للطبيعة
الجامعة، الثالثة عدم ما يصلح للقرينية، و أما في الاطلاق البدلي فيتوقف على مقدمة رابعة و هي تساوي الأقدام و عدم تفاوت بين الأفراد و مع العموم الشمولي لا يحرز عدم التفاوت و بعبارة اخرى: العام الشمولي يكون قابلا للبيان.
و فيه اولا: ان التساوي بين الأفراد يتحقق بالمقدمات الثلاث و لا يحتاج الى مقدمة رابعة، و ثانيا: كيف يمكن أن يكون الاطلاق الشمولي قابلا للبيان و الحال ان كل واحد من الدليلين مانع عن تمامية الاطلاق في الطرف الآخر.
الوجه الثالث: ان تحقق الاطلاق البدلي يتوقف على عدم دليل على وجود المانع في بعض الأفراد و الاطلاق الشمولي قابل لبيان المانع و لو توقف عدم كونه مانعا على الاطلاق البدلي يلزم الدور.
و فيه: انه لا يتوقف الاطلاق الا على مقدمات ثلاث فلا فرق بين الاطلاق الشمولي و البدلي من هذه الناحية.
و أفاد سيدنا الاستاد في المقام بأنا لو أغمضنا النظر عما قلناه و التزمنا بتقدم الاطلاق الشمولي على البدلي فانما نلتزم فيما يكون التنافي بين الدليلين بالذات كما لو ورد دليل على وجوب اكرام العالم كقوله اكرم عالما و دليل آخر دل على حرمة اكرام الفاسق كقوله «لا تكرم الفاسق» فانه يقع التعارض بين الدليلين في العالم الفاسق حيث يدل احد الدليلين على حرمة اكرامه و الدليل الآخر على جوازه فربما يقال بتقدم العموم الشمولي على البدلي، و أما المقام فلا يكون داخلا تحت تلك الكبرى اذ لا تنافي بين اطلاق كل واحد من الاطلاقين مع الآخر، و بعبارة اخرى: اذا قال المولى اكرم زيدا لا يكون تناف بين الاطلاق المستفاد من الهيئة و الاطلاق المستفاد من المادة و انما التنافي ناش من العلم الاجمالي الخارجي بأن احد الاطلاقين مقيد و العلم الاجمالي الخارجي لا يقتضي تقدم أقوى الدليلين على الآخر و بعبارة اخرى: التقدم متوقف على التعارض و التنافي بين الدليلين و أما العلم
بكون احد الأمرين مقيدا فلا يوجب التقدم و التأخر فالنتيجة هو الاجمال فيما يكون المقيد متصلا و التساقط فيما يكون المقيد منفصلا حيث ان احد الظهورين ساقط عن الاعتبار و حيث لا يتميز فيسقط كلاهما، فلو علمنا من الخارج انه اما يكون وجوب اكرام زيد مقيدا بمجيء يوم الجمعة و اما يكون القيام الواجب مقيدا بوقوعه في يوم الجمعة لا وجه لتقديم احد الاطلاقين على الآخر لأن التقديم من باب كون المقدم قرينة على الآخر و من الظاهر ان العلم الاجمالي الخارجي لا يوجب أقوائية احد الدليلين و كونه قرينة على الآخر فلاحظ.
التقريب الثاني: لاثبات رجوع القيد الى المادة عند الشك و الدوران: ان القيد لو رجع الى الهيئة تكون المادة مقيدة ايضا بلا كلام، مثلا اذا قال المولى ان استطعت فحج و قيد وجوب الحج بالاستطاعة تصير المادة مقيدة فان المطلوب الحج الواقع بعد الاستطاعة و أما لو رجع القيد الى المادة فلا يلزم تقييد الهيئة اذ يمكن ايجاب الحج المقيد بالاستطاعة قبل الاستطاعة هذا من ناحية و من ناحية اخرى لو دار الأمر بين رفع اليد عن اطلاق واحد و بين رفع اليد عن الاكثر فلا وجه لرفع اليد عن الاطلاق فيما زاد على القدر المعلوم، و ان شئت قلت: اذا دار الأمر بين الاقل و الاكثر يقتصر على الأقل و يبقى الزائد على حاله و على هذا الاساس لا فرق بين كون القرينة على التقييد متصلة و بين كونها منفصلة لأن المفروض العلم بالتقييد بمقدار و الشك في الزائد و مقتضى الاطلاق عدمه على كلا التقديرين مثلا لو دل دليل على وجوب عتق الرقبة و علمنا بكونها مقيدة بالايمان و لكن نشك في تقيدها بالعدالة فلا مانع عن اجراء مقدمات الحكمة بالنسبة الى الزائد.
و قال سيدنا الاستاد في هذا المقام ان المراد من تقييد المادة لو كان عدم وجوبها قبل وجود القيد كان التقريب المذكور تاما لأنه لا اشكال في عدم تعلق الوجوب بالمادة قبل وجود القيد و بعبارة واضحة: اذا كان القيد راجعا الى الهيئة
لا تجب المادة قبل تحقق القيد و اما ان لم يكن كذلك بأن قلنا ان المراد من تقييد الهيئة فرض وجود القيد اعم من كونه اختياريا أو غير اختياري كما لو جعل المولى الاستطاعة قيدا لوجوب الحج و كما لو جعل المولى نزول المطر قيدا له و قلنا ان المراد بقيد المادة تقيدها به بلا فرق بين كون القيد اختياريا و غير اختياري كما لو جعلت الصلاة مقيدة بالطهارة و كما لو جعلت الصلاة مقيدة بالقبلة فتكون النسبة بين المقامين عموما من وجه اذ يمكن أن يكون الهيئة مقيدة و لا تكون المادة مقيدة كالاستطاعة بالنسبة الى الحج فانه لو لا الاستطاعة لا يجب الحج و أما بعد الاستطاعة فيجب و لو مع عدم الاستطاعة و يمكن أن يكون القيد قيدا للمادة و لا يكون قيدا للهيئة كالطهارة فانها شرط للصلاة و لا تكون شرطا لوجوبها. و يمكن اجتماعهما كالوقت فانه قيد للهيئة و ايضا يكون قيدا للمادة كما هو ظاهر.
فانقدح بما ذكرنا ان لحاظ احد القيدين يغاير لحاظ الآخر و كل منهما يحتاج الى مئونة و ان شئت قلت: لا يكون الأمر دائرا بين الأقل و الاكثر بل الأمر دائر بين المتباينين و على هذا الاساس، نقول تارة تكون القرينة متصلة و اخرى تكون منفصلة، أما في الصورة الاولى فلا ينعقد الاطلاق لا للهيئة و لا للمادة لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية و أما في الصورة الثانية فبالعلم الاجمالي يتحقق التعارض بين الاطلاقين تعارضا بالعرض فلا بد من اعمال حيلة.
هذا تمام الكلام في مقتضى الاصل اللفظي و أما لو وصلت النوبة الى الأصل العملي فمقتضى البراءة عدم تحقق الوجوب اذ مع احتمال تقيد الوجوب يكون مقتضى اصالة البراءة عدمه مع الشك كما ان مقتضى البراءة عند دوران الأمر بين الاقل و الاكثر البراءة عن الأكثر فلا تكون المادة مقيدة، فالنتيجة انه مع عدم تحقق القيد في الخارج لا الزام من قبل المولى و أما على فرض تحقق القيد في الخارج فلا اشكال في توجه الالزام لكن يكتفى في مقام العمل و الامتثال بالاقل
و اللّه العالم بحقائق الامور.
فالمتحصل مما تقدم ان الوجوب قد يكون مطلقا و قد يكون مشروطا، و صاحب الفصول(قدس سره)، بعد ما قسم الوجوب الى القسمين المذكورين و بعد تقسيم الواجب الى الواجب المطلق و المشروط قسم الواجب المطلق الى منجز و معلق، و المراد بالاول ما يكون الواجب كالوجوب حاليا و الثاني ما يكون الواجب استقباليا فان كان الواجب مقيدا بامر متأخر من الزمان أو الزماني يكون الواجب معلقا و ان لم يكن كذلك يكون الواجب منجزا و انكر الشيخ الانصاري و قال انا لا نعقل الا قسمين هما الواجب المشروط و الواجب المطلق.
و لا يخفى ان الشيخ(قدس سره)لا يرى جواز رجوع القيد الى الهيئة فلا يكون الوجوب مقيدا عنده و القيد دائما يرجع الى المادة ففي الحقيقة هو منكر للوجوب المشروط فالشيخ يرى ان الوجوب دائما حالي و أما الواجب فربما يكون حاليا و ربما يكون استقباليا و ان شئت قلت: الشيخ يسلم ما ادعاه صاحب الفصول من كون الواجب قد يكون استقباليا غاية الأمر صاحب الفصول يسميه معلقا و الشيخ يسميه مشروطا.
و قال سيدنا الاستاد: ان ما افاده صاحب الفصول يرجع في الحقيقة الى الوجوب المشروط بالشرط المتأخر غاية الأمر ربما يكون الواجب حاليا و اخرى يكون استقباليا، و بعبارة واضحة: الوجوب المشروط ربما يكون مشروطا بالشرط المتقدم و اخرى بالشرط المقارن و ثالثة بالشرط المتأخر فالواجب المعلق عند صاحب الفصول من أقسام الواجب المطلق و على الجملة المشروط نفس الوجوب لا الواجب.
و يختلج بالبال أن يقال لا وجه لارجاع كلام الفصول الى الوجوب المشروط فان الشرط في الوجوب المشروط دخيل في تحقق الوجوب و لولاه لا يكون
مقتض للوجوب و الحال انه يمكن في مقام الثبوت تمامية ملاك الوجوب و عدم ارتباطه بالزمان المتأخر و بعبارة واضحة: يمكن تصوير الوجوب الفعلي و عدم اناطته بالمتأخر و تمامية الملاك في العمل بحيث لو كان جر الزمان ممكنا لكان واجبا على المكلف و اذا لم يبق الى ذلك الزمان يفوت كما لو مات قبل حلول ذلك الزمان.
و بكلمة اخرى: في الوجوب المشروط لو مات المكلف قبل ذلك الزمان المتأخر لم يفت منه شيء و أما في الواجب المعلق لو مات يفوت منه و انما لا يجب عليه لعدم قدرته على جر الزمان فلاحظ.
و ذكرت لعدم امكان الواجب المعلق وجوه: الوجه الاول: ان الارادة لا يمكن ان تتعلق بأمر متأخر و لا فرق فيما ذكر بين الارادة التكوينية و الارادة التشريعية فان الارادة التكوينية تستلزم التحريك و التحريك يستلزم الحركة فلا تنفك الحركة عن الارادة فكذلك الارادة التشريعية لا تنفك عن الايجاب و هو غير منفك عن حركة العبد خارجا فاذا لم تكن حركة العبد ممكنة لتأخر زمان الواجب لا يمكن تحقق الايجاب فالوجوب المعلق أمر غير ممكن.
و اورد عليه في الكفاية بأن الارادة عبارة عن الشوق المؤكد المحرك للعضلات فان كان المراد فعليا تتحقق الحركة نحو المراد و ان لم يكن فعليا و له مقدمات تتحقق الحركة نحو تلك القدمات و ان لم يكن فعليا و لم تكن له مقدمات يتحقق الشوق و لا تتحقق الارادة مضافا الى أنه لا يمكن تعلق البعث نحو الأمر الحالي، و بعبارة اخرى: البعث متعلق نحو الأمر المتأخر اذ البعث لايجاد الداعي في نفس العبد نحو الفعل فلا بد من أن يتصور الفعل و ما يترتب على فعله و تركه من المثوبة و العقوبة فانبعاث العبد متأخر عن البعث و لا فرق في هذا التأخر بين الزمان الطويل و القصير.
اقول: الصحيح في الجواب ان يقال: ان الشوق الى شيء يمكن تحققه حتى بالنسبة الى الأمور غير الممكنة كالشوق الى الطيران و أما الارادة فهي لا تنفك عن التحريك في الأفعال الاختيارية و لكن لا تتعلق الارادة بفعل الغير و لا يعقل ان تتعلق و انما يتعلق بفعل الغير الاعتبار المولوي بأن يوجب فعلا على العبد و لا مانع من تعلق الايجاب بالأمر الاستقبالي كما لا مانع عن تعلقه بالأمر الحالي و لا فرق في هذه الجهة بين الاحكام التكليفية و الوضعية و لذا نرى يمكن اعتبار الملكية لزيد و لكن المملوك استقبالي كما لو آجر داره من زيد و ملك المنافع الآتية و يمكن أن تكون الملكية و المملوك كلاهما استقباليان و لكن اعتبار الملكية حالي.
الوجه الثاني: ان القول بالواجب المعلق يتوقف على الالتزام بالشرط المتأخر و حيث ان الشرط المتأخر غير معقول يكون الوجوب المعلق ايضا غير معقول.
و فيه: انه لا مانع عن الشرط المتأخر و تقدم ان تصوير الشرط المتأخر بمكان من الامكان بلا فرق فيه بين كونه شرطا للهيئة او كونه شرطا للمادة و الالتزام باستحالة الشرط المتأخر يستلزم استحالة تعلق التكاليف بالمركبات كالصلاة و الصيام و نحوهما فان تعلق الأمر بالصلاة يتوقف على بقاء المكلف بالمقدار الذي يأتي بها و هو كما ترى.
الوجه الثالث: ان التكليف مشروط بالقدرة و مع عدم قدرة المكلف على المأمور به كما هو المفروض قبل مجيء الزمان المتأخر لا يعقل تحقق التكليف.
و فيه: ان القدرة المعتبرة في توجه التكليف القدرة على الواجب في زمانه لا في زمان الوجوب، ثم ان الالتزام بالواجب المعلق يترتب عليه ان وجوب المقدمات على المكلف قبل زمان الواجب على طبق القاعدة، مثلا الحج زمانه الموسم فان قلنا بأن وجوب الحج قبل الموسم على نحو المعلق يجب على
المكلف القيام بالمقدمات كبقية الواجبات و ايضا يجب على المكلف في ليلة شهر رمضان الاتيان بغسل الجنابة أو الحيض حيث ان الوجوب فعلي و الواجب استقبالي فتجب مقدماته و ايضا يدفع الاشكال عن وجوب التعلم قبل زمان الواجب بعين التقريب و الملاك و لو لا الالتزام بالواجب المعلق يشكل الالتزام بالوجوب بتقريب ان وجوب المقدمة شرعيا كان ام عقليا يترشح عن وجوب ذي المقدمة و بعبارة اخرى:
ان وجوب المقدمة معلول لوجوب ذي المقدمة و لا يمكن تقدم المعلول على علته.
و أجاب سيدنا الاستاد عن البيان المذكور بجوابين: احدهما: انه يمكن للمولى أن يأمر بالمقدمة قبل زمان الوجوب بالوجوب النفسي لكن لا لأجل ملاك في نفسها بل لأجل الملاك في ذي المقدمة فلا يتعين طريق الوصول الى المقصود بالالتزام بالواجب المعلق.
ثانيهما: انه يكفي للزوم الاتيان بالمقدمة حكم العقل بتقريب ان العقل يلزم المكلف بالاتيان بالمقدمة كى يحفظ الملاك الملزم في ظرفه.
و يرد عليه: انه لا وجه للالتزام بحكم العقل بوجوب الاتيان فان وظيفة العبد الاطاعة و الامتثال بحكم العقل و أما التحفظ على الملاك الملزم في ظرفه فباي دليل يمكن اثبات وجوبه على العبد بحكم العقل، نعم ربما يكون روح الحكم محرزا و لا يمكن للمولى ابرازه كما لو كان المولى نائما و وقع ابنه في معرض الهلاك و العبد يقدر على انقاذه فالظاهر انه يلزم عليه و أما الزائد على هذا المقدار فلا دليل عليه، فعلى هذا نقول: ان استفيد من الدليل كون الوجوب فعليا فلا اشكال في وجوب مقدمات الواجب و لو بحكم العقل و أما ان لم يكن كذلك بل المستفاد من الدليل كون الوجوب غير فعلي فان قام دليل على وجوب الاتيان بالمقدمة فهو، و إلّا فللمناقشة في الوجوب مجال واسع.
اذا عرفت ما تقدم نقول: المتبع ظهور الدليل فلو دل الدليل على كون الوجوب فعليا