النائينى بوجوه:
الوجه الاول: انه انما يتم هذا الجواب على تقدير صحته بالنسبة الى الوضوء و الغسل حيث نرى كونهما محبوبا نفسيا و أما بالنسبة الى التيمم فلا فانه لا يكون مطلوبا نفسيا. و يرد عليه: انه يستفاد من جملة من النصوص انه احد الطهورين فيترتب عليه ما يترتب على الوضوء و الغسل بلا فرق:
منها: ما رواه حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه ((عليه السلام)) عن الرجل لا يجد الماء، أ يتيمم لكل صلاة؟ فقال: لا هو بمنزلة الماء[1].
الوجه الثاني: ان الطهارات الثلاث بعد تعلق الأمر الغيري بها متصفة بالوجوب فلا يمكن بقائها على الاستحباب بل لا بد من اندكاك احد الحكمين في الآخر فالنتيجة كونها واجبة و المفروض ان الوجوب غيري فكيف يمكن كونها واجبا تعبديا و الحال ان الوجوب الغيري لا يقتضي القربية.
و فيه: ان المقام نظير تعلق النذر بالفعل المستحب فانه لا اشكال في وجوبه القربي بعد تعلق النذر اذ المفروض تعلق الوجوب بالفعل العبادي فالالزام من ناحية النذر و القربية من ناحيته الأمر الاستحبابي القربي و لا محذور فيه مضافا الى أن الامر الغيري ان تعلق بالفعل مقيدا بقصد الأمر يكون المتعلق لاحد الامرين غير متعلق الآخر بل نقول لا مجال لهذا الاشكال مطلقا اذ المفروض ان الامر الغيري متعلق بما يكون عبادة ففي المرتبة السابقة قد فرض الاستحباب و الامر الغيري يتعلق بما يكون مستحبا و المستحب بما هو مستحب يصير واجبا اضف الى ذلك انه قد حقق في محله ان المقدمة لا تكون واجبة شرعا بل وجوبها عقلي.
الوجه الثالث: انه كثيرا ما يتفق ان المكلف غافل عن الامر النفسي و مع
[1]الوسائل، الباب 20، من أبواب التيمم الحديث: 3 و لاحظ الوسائل، الباب 23 من ابواب التيمم
ذلك لا شبهة في صحة الطهارات الثلاث اذا اتى بها بداعي التوسل بها الى ذي المقدمة و الحال انه لو كان المنشا لعباديتها الأمر النفسي لم تكن صحيحة اذ مع الغفلة عن أمرها النفسي بل مع القطع بعدمها كيف يمكن الالتزام بأن الوجه في عباديتها الأمر النفسي المتعلق بها، و اجيب عن هذا الاشكال بأجوبة:
الجواب الاول: ما أفاده صاحب الكفاية بتقريب ان الامر الغيري انما يدعو الى ما يكون مقدمة و المفروض ان الطهارات الثلاث تكون مأمورا بها بالأمر النفسي فيكون قصد الامر النفسي متحققا و لو ضمنا.
أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه لا يمكن الالتزام بهذه المقالة اذ كيف يمكن الالتزام بكون المكلف قاصدا للأمر المتعلق بها مع كونه غافلا عن أمرها بل ربما يكون قاطعا بعدمه و على فرض الكفاية يلزم ان المكلف لو أتى بصلاة الظهر بقصد الأمر الغيري و من باب كون الظهر مقدمة للعصر يكون كافيا و الحال انه ضروري الفساد. و يمكن أن يقال بأن المكلف اذا كان قاطعا بأن الفعل الفلاني لا يجب أن يؤتى به بداعي محبوبيته للمولى و الحال ان الواجب في الواقع كذلك فلو أتى بالفعل بالداعى الواجب شرعا يكون صحيحا فيكون المقام كذلك مضافا الى أنه ما الوجه في فساد الظهر في الصورة المفروضة في كلامه و لا نرى فارقا بين مقامنا و ذلك المقام.
الجواب الثاني ما افاده الميرزا النائيني و تقريبه: ان الامر النفسي ينحل الى الاوامر المتعلقة بالاجزاء و الشرائط فكما ان كل جزء له حصة من الأمر النفسي كذلك كل شرط له حصة منه بلا فرق.
ان قلت: على هذا يلزم قصد القربة في كل شرط من شرائط الصلاة، قلت قد علم من الشرع ان الأمر المتعلق بالطهارات الثلاث قربي دون غيرها.
و يرد عليه: اولا انا لا نسلم الامر الضمني و قد انكرناه بل ليس إلّا أمر واحد متعلق بالمجموع من حيث المجموع، و ثانيا: ان الامر النفسي انما يتعلق بالأجزاء
و بتقيدها بالشرائط و أما نفس الشرائط فلا أمر لها نفسيا.
الجواب الثالث: ان منشأ عبادية الطهارات الثلاث احد أمرين، احدهما:
قصد امرها النفسي المتعلق بها، ثانيهما قصد التوسل بها الى الواجب النفسي فلو فرض تحقق قصد التوسل تصح الطهارات الثلاث و لو كان المكلف غافلا عن أمرها النفسي.
بقي في المقام أمران: الأمر الاول: ان المكلف لو لم يأت بالطهارات الثلاث قبل الوقت الى ان دخل الوقت فهل يجوز له أن ياتي بها بداعي الامر الاستحبابي المتوجه اليها؟ ربما يقال بأنه لا يجوز لاندكاك الامر الاستحبابي النفسي في الامر الغيري الوجوبي فلا موضوع للامر الاستحبابي، و ربما يجاب عن الاشكال كما عن صاحب العروة بأنه لا مانع عن تعلق حكمين الوجوب و الاستحباب بالعمل الواحد بجهتين.
و فيه: ان تعدد الجهة انما تفيد اذا كان الجهة حيثية تقييدية و أما اذا كانت تعليلية فلا اثر لتعدد الجهة و الصحيح في الجواب أن يقال اولا: انه لا دليل على الوجوب الغيري فلا حكم للطهارات بعد الوقت الا الاستحباب، نعم انما تجب بحكم العقل و أما بحكم الشرع فلا، و ثانيا: فرضنا تعلق الوجوب الغيري بها لكن قد تقدم منا ان الوجوب الغيري يتعلق بما هو مقدمة و المفروض ان المقدمة الطهارة بقصد القربة فالنتيجة انه لا مانع عن قصد الامر الاستحبابي.
الأمر الثاني: ان المكلف اذ أتى بالطهارات الثلاث بداعي التوسل بها الى الواجب النفسي ثم بدا له في الاتيان بالواجب فهل تقع الطهارات صحيحة أم لا الحق أن يقال انها تقع صحيحة أما على القول بعدم وجوب المقدمة كما ان الحق كذلك أو كان الواجب مطلق المقدمة لا خصوص الموصلة منها فالأمر ظاهر، و أما على القول بكون الواجب خصوص المقدمة الموصلة فالأمر ايضا كذلك لأن قصد التوسل بالمقدمة الى الواجب يوجب قربيتها فلا تكون الصحة متقومة بالأمر الغيري
و مما ذكر يظهر ان المكلف لو أتى بالطهارات الثلاث قبل وقت الواجب كما لو توضأ قبل الظهر للتوسل بها الى الصلاة تكون صحيحة اذ المفروض تحقق قصد القربة و مع تحققه لا وجه لعدم صحتها فلاحظ.
ثم ان وجوب المقدمة على القول به تابع في الاطلاق و الاشتراط لوجوب ذيها فان كان وجوب ذيها مطلقا يكون وجوبها كذلك و ان كان مشروطا فوجوبها كذلك ايضا، و الوجه فيه ظاهر اذ القائل بالوجوب يرى ان العقل يحكم بكون المقدمة واجبة عند وجوب ذيها و يرى الملازمة بين الوجوبين، و ان شئت قلت:
ان العقل يدرك تبعية المقدمة لذيها فى الوجوب و العدم فيلزم أن تكون تابعة له في الاطلاق و الاشتراط، اذا عرفت ما تقدم فاعلم ان القائلين بوجوب المقدمة اختلفوا و ذهبوا الى الأقوال المختلفة:
القول الاول: ما ذهب اليه صاحب المعالم(قدس سره)و هو ان المقدمة انما تجب فيما يكون المكلف مريدا لاتيان ذي المقدمة.
و يرد عليه: انه لو لم يكن المكلف مريدا لاتيان ذي المقدمة، فاما لا تكون المقدمة واجبة و اما لا يكون الواجب واجبا و كلا الامرين باطلان اذ على فرض عدم وجوب المقدمة يلزم الانفكاك بين الوجوبين و قد تقدم التلازم بين الأمرين و على الثاني، اي على فرض عدم كون الواجب واجبا يلزم أن يكون وجوب الواجب متوقفا على ارادة المكلف و هذا أمر غير معقول فان ايجاب المولى يكون داعيا للارادة لا ان الارادة تكون داعية للايجاب و ان شئت قلت: مرجع هذا الاشتراط الى تحصيل الحاصل مضافا الى أن الاشتراط المذكور مقطوع الفساد.
القول الثاني: ما نسب الى الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره)و هو: ان الواجب خصوص المقدمة التي يقصد بها التوسل الى الواجب.
و يرد عليه: ان الملاك في وجوب المقدمة على القول بوجوبها التمكن من
الواجب النفسي و هذا الملاك موجود في المقدمة بلا تقيدها بالقيد المذكور و لذا لو أتى المكلف بالمقدمة بلا قصد التوسل يحصل الملاك و هو التمكن من ذيها، نعم ترتب الثواب على المقدمة يتوقف على قصد التوسل.
ان قلت: انما تجب المقدمة بعنوان كونها مقدمة فالواجب الفعل المعنون بهذا العنوان فما دام لم يقصد العنوان لا يتحقق الواجب و حيث ان قصد التوسل مرجعه الى قصد عنوان المقدمية يحصل الواجب بهذا العنوان.
قلت: عنوان المقدمية من الجهات التعليلية لا من الجهات التقييدية و بعبارة اخرى:
عنوان المقدمية كالمصالح الكامنة في الأفعال الواجبة الموجبة لوجوبها.
و قد تصدى بعض الاعلام لتقريب ما أفاده الشيخ(قدس سره)ببيان أمرين:
احدهما: ان الجهات التقييدية تمتاز عن الجهات التعليلية في الأحكام الشرعية فان عنوان الصلاة جهة تقييدية و لذا يلزم قصدها و أما المصالح فهي جهات تعليلية و لا يلزم قصدها في مقام الامتثال و اما في الأحكام العقلية فالجهات التعليلية ترجع الى الجهات التقييدية بلا فرق بين الاحكام النظرية و الاحكام العملية مثلا العقل اذا حكم باستحالة شيء بلحاظ استلزامه للدور يرجع الى حكم العقل باستحالة الدور و قس عليه بقية احكامه النظرية و أما الثاني فائضا كذلك مثلا لو حكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتأديب يكون متعلق حكمه التأديب فالنتيجة ان الجهات التعليلية لا تفترق عن الجهات التقييدية.
و فيه: ان الكلام في المقام ليس في وجوب المقدمة عقلا بل الكلام في وجوبها الشرعي بحكم العقل.
ثانيهما: ان متعلقات التكاليف اعم من أن تكون تعبدية او توصلية لا تقع على صفة الوجوب و مصاديق للواجب بما هو واجب الا مع الاتيان بها عن قصد و عمد و السبب في ذلك ان التكليف لا يتعلق إلّا بالفعل المقدور و أما العمل غير الاختيارى
و ان كان محصلا للغرض فلا يكون مصداقا للواجب بما هو واجب بل يستحيل أن يتعلق به التكليف و حيث ان المفروض ان الحكم العقلي موضوعه عنوان المقدمة لا يتحقق الواجب في الخارج الا فيما يقصد بالمقدمة التوسل الى ذيها.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه لا دليل على لزوم تعلق التكليف بخصوص الحصة المقدورة بل يمكن تعلقه بالجامع بين المقدور و غيره و انما المستحيل تعلق التكليف بخصوص الحصة غير المقدورة فلا يتم ما أفاده. و الذي يختلج ببالي في هذا العجالة أن ما افاده اولا ان تم فلا يحتاج الى الامر الثاني و يتم الاشكال و ان لم يتم فلا اثر للمقدمة الثانية فلاحظ.
القول الثالث: ما ذهب اليه صاحب الفصول(قدس سره)و هو ان الواجب من المقدمة الحصة الموصلة منها، و قد أورد على القول المذكور بايرادات:
منها: انه يلزم الدور و التسلسل، أما الدور فلان ترتب ذي المقدمة اذا كان قيدا لوجود المقدمة يجب ذو المقدمة بوجوب مقدمته فوجوب المقدمة يتوقف على وجوب ذي المقدمة كما ان وجوب ذي المقدمة يتوقف على وجوب مقدمته و هذا دور، و أما التسلسل فلأن الواجب على هذا القول خصوص الموصلة فيكون الواجب المقدمة المقيدة بهذا القيد فننقل الكلام الى ذات المقدمة و نقول ان كانت واجبة بلا قيد يلزم الخلف و ان كانت مقيدة ننقل الكلام الى الذات و هكذا.
و يرد على الايراد المذكور ان وجوب المقدمة ناش عن وجوب ذي المقدمة و وجوب ذي المقدمة بالوجوب الغيري ناش عن وجوب المقدمة و بعبارة اخرى وجوب المقدمة يتوقف على وجوب ذي المقدمة بالوجوب النفسي و وجوب ذي المقدمة بالوجوب الغيري ناش عن وجوب المقدمة فلا دور.
و أما التسلسل فأيضا لا يلزم لأن ذات المقيد بالنسبة الى القيد لا تكون مقدمة بل نسبتها اليه نسبة الكل الى الجزء و لا يكون كل جزء من المركب واجبا
بالوجوب الغيري و يمكن أن يقال: ان الواجب على هذا القول المقدمة الموصلة و عليه لا تصل النوبة الى الاشكال المذكور و بعبارة اخرى: الواجب خصوص الموصلة فيكون الواجب منحصرا في فرد واحد و هو الموصل.
و أفاد سيدنا الاستاد ان القول بوجوب المقدمة الموصلة لا يستلزم القول بوجوب ذي المقدمة و لا يلزم أن يكون ذو المقدمة قيدا للمقدمة الواجبة كى يلزم هذا الاشكال بل الواجب الحصة الملازمة لوجود ذي المقدمة.
و يرد عليه: انه لا اشكال في استحالة الاهمال في الواقع و عليه نسأل ان الواجب من المقدمة بالنسبة الى الواجب النفسي بشرط شيء أو بشرط لا أو لا بشرط لا مجال للثاني و الثالث، فيكون مقيدا به فيتوجه الاشكال.
و من تلك الايرادات: ان ملاك الوجوب الغيري اذا كان قائما بخصوص ما يترتب عليه الواجب النفسي خارجا فلا بد من القول باختصاص الوجوب بخصوص السبب دون غيره و هذا لم يلتزم به صاحب الفصول و ان كان ملاكه مطلق التوقف فهو مشترك بين جميع أقسام المقدمات فلا وجه لاختصاص الوجوب بخصوص الموصلة.
و الجواب عن هذا الاشكال: ان القائل بهذا القول قائل باختصاص الوجوب بخصوص المقدمة التي يتحقق بعدها الواجب النفسي و بعبارة واضحة يختص الوجوب الغيري بمقدمة واحدة و هي الموصلة و مرجع هذا القول ليس الالتزام باختصاص الوجوب بالأسباب التوليدية بل نقول يختص الوجوب بالحصة الخاصة و هي الموصلة من المقدمة و ببيان اوضح: نقول ان الواجب من المقدمة على هذا القول مصداق واحد و مقدمة واحدة و هي الموصلة، فان كل مقدمة تفرض اما تكون موصلة الى الواجب و اما لا تكون أماما لا تكون موصلة فلا تكون واجبة و أما الموصلة اليه فهي واجبة فقط و هي منحصرة في الفرد الواحد.
و من الايرادات الواردة على هذا القول: ان الغرض من ايجاب المقدمة
التمكن من الاتيان بذيها و هذا الغرض يترتب على مطلق المقدمة لا خصوص الموصلة منها.
و يرد عليه: ان التمكن من ذي المقدمة حاصل بالتمكن على مقدمتها فان المقدور بالواسطة مقدور مضافا الى أن التمكن من ذي المقدمة اذا كان متوقفا على الاتيان بالمقدمة فللمكلف أن لا يأتي بمقدمة الواجب لأن تحصيل القدرة على الواجب لا يكون واجبا اضف الى ذلك ان المقدمة الموصلة اذا تحققت في الخارج يكون مرجعه الى تحقق الواجب فلا مجال لأن يقال: الغرض من ايجاب المقدمة حصول التمكن من الواجب.
و من الايرادات الواردة على القول بالمقدمة الموصلة: ان المكلف اذا أتى بالمقدمة و لم يأت بذيها، فاما يسقط الامر الغيري أو لا يسقط لا سبيل الى الثاني و إلّا يلزم التكرار و أما ان قلنا بسقوطه فسقوط أمره اما لأجل حصول الامتثال و اما لأجل العصيان و اما لاجل انتفاء الموضوع و حيث ان العصيان لم يتحقق، و أيضا المفروض عدم انتفاء الموضوع يتعين ان السقوط لأجل الاطاعة و الامتثال و هذا هو المطلوب.
و الجواب: انه ان قلنا بأن الواجب المقدمة الموصلة فما دام لم يتحقق ذو المقدمة في الخارج لا تتحقق الاطاعة بالنسبة الى المقدمة، و بعبارة اخرى: ان تحقق الواجب في الخارج يكشف عن ان الامتثال حصل بالنسبة الى وجوب المقدمة و إلّا فلا، و ان شئت قلت وجود الواجب النفسي شرط متأخر للواجب الغيري فلا يتوجه الاشكال المذكور.
و قد استدل على المدعى أي اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة بوجوه: الوجه الاول: ان الحاكم بالملازمة هو العقل، و العقل لا يرى الملازمة الا بين ايجاب شيء و ايجاب مقدمته الموصلة.
و أورد عليه في الكفاية بأن ملاك الوجوب و الملازمة العقلية موجود في