مقدمة الواجب، و أما مقدمة المكروه، فهي كمقدمة الحرام فلاحظ.
الجهة الحادية عشرة: [هل يقتضي الأمر بشيء النهي عن ضده؟]
في أن الأمر بشيء هل يقتضي النهي عن ضد ذلك الشيء ام لا؟ قال في الكفاية:
الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أولا؟ فيه أقول و البحث في هذه المسألة يقع في مواضع: الموضع الاول في أن البحث في هذه المسألة بحث عقلي و بحث عن التلازم بين وجوب شيء و حرمة ضده فلا يكون داخلا في الأبحاث اللفظية.
الموضع الثانى: الاقتضاء المذكور في عنوان المسألة أعم من أن يكون بنحو العينية أو الجزئية أو اللزوم كى يعم النزاع جميع الأقوال فان من الأقوال قولا بكون الأمر بشيء عين النهي عن ضده، و من الأقوال ان النهي عن الضد جزء من مدلول الأمر، و منها ان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
الموضع الثالث: ان المراد بالضد المبحوث عنه في محل الكلام أعم من الضد الخاص و المراد بالضد مطلق ما ينافي الشيء بلا فرق بين الخاص و العام اذا عرفت ما تقدم نقول يقع الكلام تارة في الضد الخاص و اخرى في الضد العام فالكلام يقع في موردين:
أما المورد الاول: فقد استدل على المدعى بوجهين: الوجه الاول: ان ترك احد الضدين مقدمة للضد الآخر و مقدمة الواجب واجبة، فاذا كان الترك واجبا يكون الفعل حراما و هذا هو المدعى و توضيح الاستدلال ان العلة التامة مركبة من المقتضي و الشرط و عدم المانع و حيث ان التمانع موجود بين الضدين يكون عدم كل منهما دخيلا في تحقق الآخر و بعبارة اخرى: عدم احد الضدين مقدمة للضد الآخر هذا من ناحية، و من ناحية اخرى قد ثبت في بحث مقدمة الواجب ان المقدمة واجبة فاذا كان ترك الضد مقدمة للضد الآخر يكون واجبا بالوجوب المقدمي فيكون الفعل
حراما و هذا هو المطلوب، و النتيجة ان الدليل المذكور مركب من امرين: احدهما:
ان عدم احد الضدين مقدمة للضد الآخر.
ثانيهما: ان مقدمة الواجب واجبة، و قد اورد على المقدمة الاولى بايرادات:
الاول ما أورده الميرزا النائيني على الاستدلال باستحالة المقدمية بتقريب ان العلة مركبة من المقتضي و الشرط و عدم المانع و هذه الثلاثة ليست فى الرتبة الواحدة بل طولية مثلا اذا لم تكن النار موجودة و كان المحل مرطوبا لا يقال عدم الاحتراق ناش من رطوبة المحل أو اذا لم تكن النار موجودة لا يستند عدم الاحتراق بوجود الرطوبة و ايضا اذا كانت النار موجودة لكن لم تتحقق المحاذاة لا يستند عدم الاحتراق الى وجود الرطوبة فاستناد عدم المعلول الى وجود المانع يتوقف على وجود المقتضي و وجود الشرط فلا يتصف المانع بالمانعية الا بعد وجود المقتضي و وجود الشرط فعلى هذا الاساس لا يمكن أن يكون احد الضدين مانعا عن الضد الآخر لأن اتصافه بالمانعية يتوقف على تحقق المقتضي للضد المعدوم و مع وجود احد الضدين في الخارج يستحيل تحقق المقتضي للضد الآخر فانه كما يستحيل اجتماع الضدين كذلك يستحيل اقتضاء الاجتماع فان اقتضاء المحال محال، و صفوة القول: انه لا وجه لدعوى مقدمية عدم احد الضدين لوجود الآخر الا المنافرة بينهما و الحال ان المنافرة بين الضدين لو كانت مقتضية لصحة الدعوى لكان تحقق احد النقيضين متوقفا على عدم الآخر و الحال ان بطلانه أوضح من أن يخفى فان طرفي النقيضين في رتبة واحدة.
و بعبارة واضحة: ان عدم عدم زيد عبارة عن وجوده فلو توقف وجود زيد على عدم نقيضه يكون وجوده متوقفا على نفسه، فتحصل: انه لا يمكن الالتزام بكون احد الضدين مانعا عن الضد الآخر كى يقال ان وجود احدهما يتوقف على عدم الآخر توقف وجود الشىء على عدم مانعة.
الثاني من الايرادات الواردة على المقدمة الاولى من الاستدلال: انه لو فرض وجود المقتضي للضد المعدوم يكون عدمه مستندا الى وجود المقتضي للضد الآخر، بيان ذلك ان الصور المتصورة في المقام ثلاثة لا رابع لها:
الاولى: أن يكون المقتضي لكلا الضدين موجودا، الثانية: أن لا يكون المقتضي لشيء من الضدين موجودا عكس الاولى، الثالثة: أن يكون المقتضي لاحدهما موجودا و لا يكون المقتضي للآخر موجودا، أما الصورة الثانية و الثالثة فالأمر فيهما واضح اذ عدم ما لا مقتضي له مستند الى عدم المقتضي و أما الصورة الاولى فاما يكون المقتضيان لضدين متساويين في القوة و الضعف و اما يكون احدهما أقوى أما في الشق الأول فلا يؤثر شيء منهما لاستحالة تأثير كليهما و ترجيح احدهما على الآخر بلا مرجح على الفرض و أما في الشق الثاني فيؤثر الأقوى و يكون مانعا عن تأثير مقتضي الضد الآخر فعلى كلا التقديرين لا يكون المانع عن الوجود الضد الآخر أما في الشق الاول فكل من المقتضيين يمنع عن تأثير الآخر و أما في الشق الثاني فالمقتضي الأقوى يكون مانعا عن تأثير المقتضي الضعيف فعلى كلا التقديرين لا يكون الضد مانعا عن الضد الآخر بل المانع في كلا الشقين المقتضي، و ان شئت قلت: تأثير كل مقتضي فيما يقتضيه مشروط بعدم المزاحم و مع وجود المزاحم يكون العدم مستندا الى عدم الشرط.
الايراد الثالث على الاستدلال المذكور: هو ان هذا الاستدلال يستلزم الدور، فان التمانع بينهما لو كان موجبا لتوقف وجود احدهما على عدم الآخر كان عدم الضد الآخر متوقفا على وجود ضده، و بعبارة اخرى: لو كان وجود احد الضدين متوقفا على عدم الضد الآخر توقف وجود الشيء على عدم مانعة كان عدم الضد الآخر متوقفا على وجود الضد توقف عدم الشيء على وجود مانعة، فكل من العدم و الوجود يتوقف على الآخر و هذا دور و محال.
و قد اورد على التقريب المذكور بأن التوقف من طرف الوجود فعلي حيث فرض وجود مقتضيه و تحقق شرطه و الوجه في عدم وجوده وجود مانعة فيلزم فرض عدمه كى تتم العلة التامة و يتحقق المعلول، و أما التوقف من طرف العدم فشأني اذ يمكن كون العدم مستندا الى عدم مقتضيه بيان ذلك: ان الارادة المتعلقة بالضدين اما صادرة من الشخص الواحد و اما صادرة من شخصين أما على الأول فلا يمكن تعلق الارادة من الشخص الواحد الا بواحد من الضدين و أما تعلقه بكلا الضدين فأمر غير ممكن فعدم الضد المعدوم مستند الى عدم ما يقتضيه و أما اذا كانت الارادة من شخصين فيمكن تعلق ارادة كل منهما باحد الضدين غير ما تعلقت به الاخرى و في مثله أيضا يكون المانع عن الوجود قوة الطرف المقابل.
و بعبارة واضحة: قوة المقتضي في احداهما تمنع عن تأثير الاخرى فدائما يكون العدم مستندا اما الى عدم المقتضي و اما الى قوة المقتضي الآخر المزاحم و لكن هذا التقريب لا يرفع اشكال الدور اذ لو سلمنا امكان كون وجود الضد واقعا في سلسلة علة الضد الآخر و سلمنا كونه صالحا لذلك فكيف يمكن أن يكون معلولا له و ان شئت قلت: كيف يعقل أن يكون جزء علة الشيء معلولا له و بعبارة واضحة:
اما نسلم امكان استناد عدم احد الضدين الى وجود الضد الآخر و اما لا نسلم امكانه أما على الاول فيلزم الدور لتوقف كل منهما على الآخر، و أما على الثاني فلا يمكن استناد وجود احدهما الى عدم الآخر و عدم امكان المانعية.
الايراد الرابع على الاستدلال المذكور: انه كما لا يمكن اجتماع الضدين في الخارج كذلك لا يمكن اجتماعهما في الرتبة فلا يمكن أن يكون الضدان في رتبة واحدة و ان شئت قلت: لا فرق بين وعاء الخارج و وعاء الرتبة من هذه الجهة هذا من ناحية و من ناحية اخرى التقدم الزماني ملاكه الزمان كما هو ظاهر و أما التقدم الرتبي فهو متوقف على ملاكه كتقدم العلة و الشرط و عدم المانع على المعلول و أما مع فقدان الملاك فيكون كل شيء مع غيره في رتبة واحدة و بعبارة اخرى:
المعية في الرتبة فرع عدم ما يقتضي التقدم و حيث ان ملاك التقدم لا يكون بين ضدين يكون الضدان متحدين رتبة و لكن قد تقدم آنفا ان اجتماع الضدين محال في الرتبة، فيلزم أن يكون عدم احد الضدين في رتبة الضد الآخر اذ لو لم يكن يلزم احد المحذورين اما اجتماع الضدين في الرتبة و هو محال و اما ارتفاع النقيضين عن الرتبة و هو ايضا محال، فالنتيجة ان عدم احد الضدين في رتبة الضد الآخر فلا يعقل أن يكون عدم احد الضدين في سلسلة وجود الضد الآخر اذ يلزم الخلف.
و ان شئت قلت: ان عدم كل شيء في رتبة وجود ذلك الشيء فعدم كل من الضدين في رتبة ذلك الضد، فاذا كان الضدان في رتبة واحدة لكان عدم كل كل واحد منهما في رتبة الضد الآخر و ليس هذا من باب قياس المساواة بأن يقال الف مساو ل «ب» و «ب» مساو ل «ج» ف ج مساو ل «الف» كى يقال هذا يتم في التقدم و التأخر الزمانيين و أما في الرتبة فكل من التقدم و التأخر يتوقف على ملاك التقدم و التأخر و لذا العلة مقدمة رتبة على المعلول و عدم العلة لا يكون مقدما على المعلول و الحال ان عدم العلة في رتبة العلة و عدم المعلول متأخر عن عدم العلة و المعلول لا يكون متأخرا عنه و الحال ان المعلول في رتبة عدمه بل الوجه فيه ان اجتماع الضدين في الرتبة محال فعلى هذا اما يكون عدم احدهما في تلك الرتبة و اما يلزم ارتفاع النقيضين عن الرتبة و حيث ان ارتفاعهما محال فالعدم البديل في تلك الرتبة فاذا فرض ان عدم الضد فى رتبة الضد الآخر كيف يمكن أن يكون مقدما عليه رتبة و يكون من أجزاء علته كما هو مبنى الاستدلال المذكور.
و فيه: ان الاشكال المذكور مبني على أصل فاسد و هو استحالة اجتماع الضدين في الرتبة لأن الصفات المذكورة، اي المضادة و المماثلة و المناقضة صفات عارضة على الموجود الخارجي و لذا نرى انه لا فرق بين كون الرتبة واحدة ام لا، مثلا
العلة و المعلول مختلفان في الرتبة و مع ذلك يستحيل اجتماعهما في الوجود الخارجي، و صفوة القول انه لا تعتبر فى التناقض وحدة الرتبة فلا مانع من كون الضدين في مرتبة واحدة و عدم احدهما في رتبة متقدمة على الضد الآخر فهذا الايراد لا اساس له.
ثم انه نسب الى المحقق الخوانساري(قدس سره)، التفصيل بين الضد الموجود و الضد المعدوم بأن يقول المحل القابل لعروض الضدين كالجسم القابل للسواد و البياض اذا كان خاليا و قابلا لعروض كل من السواد و البياض فعروض كل واحد من العرضين يتوقف على مقتضيه و شرطه و لا يتوقف على شيء آخر و اذا فرض عروض احدهما كما لو اسود الجسم فعروض البياض يتوقف على عدم السواد الموجود اذ المفروض ان المحل مشغول بالضد و لا يمكن اجتماع الضدين فالضد الموجود مانع عن الضد الآخر و أما الضد المعدوم فلا يكون مانعا كى يكون عدمه دخيلا في وجود الضد.
و رد هذا التفصيل بأن هذا التقريب انما يتم على القول بأن الممكن في بقائه لا يحتاج الى المؤثر اذ على هذا المسلك ان الممكن بعد تحققه و وجوده يبقى بلا علة و لكن هذا المسلك فاسد اذ مناط الاحتياج الى المؤثر ليس هو الحدوث كى يقال الشيء بعد حدوثه غير محتاج و اذا كان مناط الاحتياج الحدوث يلزم عدم احتياج كل موجود ممكن قديم فيلزم أن يكون الممكن واجبا اذ فرض عدم احتياجه الى العلة فلا يكون مناط الاحتياج الحدوث.
و بعبارة واضحة: لو فرضنا كون بعض الموجودات قديما و لم يكن حادثا فلا يكون محتاجا فيكون واجبا و الحال انه فرض كونه ممكنا فالنتيجة ان مناط الاحتياج ليس حدوث الاشياء، بل المناط في الاحتياج هو الامكان و عليه كل ممكن كما يكون محتاجا فى حدوثه الى العلة كذلك يكون محتاجا في بقائه اليها فعلى
ذلك لا فرق بين الضد الموجود و المعدوم فان الضد الموجود يتوقف على عدم المانع سيما في الأفعال الاختيارية لأن الفعل الاختياري الذي هو محل الكلام معلول للارادة فما دام تكون الارادة باقية يكون الفعل باقيا و في كل ان فرض انعدام الارادة ينعدم الفعل بلا كلام و لا اشكال و من الظاهر ان ارادة كل من الضدين تتوقف على عدم تعلق الارادة بالضد الآخر.
و صفوة القول: انه لا فرق بين الحدوث و البقاء بل يمكن أن يقال: ان ما أفاده غير تام حتى على القول بعدم احتياج الممكن الى المؤثر في البقاء و احتياجه اليه في الحدوث فقط و ذلك لأنه على هذا القول ايضا يتوقف كل من الضدين في حدوثه على عدم الآخر فلا فرق بين الضد الموجود و المعدوم و على الجملة لم يظهر لنا وجه التفصيل، فتحصل مما تقدم عدم تمامية الاستدلال و ظهر بطلان المقدمة الاولى و هي ان عدم احد الضدين مانع عن الضد الآخر فعدمه واجب بالمقدمة الثانية و هي وجوب مقدمة الواجب فانه قد ظهر بما ذكرنا بطلان المقدمة الاولى و أما المقدمة الثانية فقد تقدم بطلانها و قلنا انه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب بل ايجابها محال عقلا فراجع ما ذكرنا هناك هذا تمام الكلام في الوجه الاول.
الوجه الثاني: انه لا اشكال في التلازم بين كل ضد و عدم الضد الآخر هذا من ناحية و من ناحية اخرى يجب أن لا يكون المتلازمان مختلفين في الحكم فلو كانت الازالة واجبة يجب أن يكون ترك الصلاة ايضا واجبا فاذا وجب ترك الصلاة يكون فعلها حراما و هذا هو المطلوب و يرد عليه انه لا اشكال في التلازم بين كل ضد و عدم الضد الآخر، و أما وجوب التوافق بين المتلازمين في الحكم فلا دليل عليه، نعم لا يمكن أن يأمر المولى بشيء و ينهى عن ملازمه لرجوعه الى التكليف بما لا يطاق لكن يمكن أن يحكم بشيء و لا يحكم بذلك الحكم على ملازم ذلك الشىء و بعبارة اخرى: الذي لا يمكن، التخالف في الحكم بين المتلازمين و أما التوافق فلا دليل عليه
فلا مانع من تعلق الوجوب بشيء و عدم كون ملازمه محكوما بحكم بل يمكن أن يقال انه لا مانع عن كون احد المتلازمين محكوما بالوجوب و الملازم الآخر محكوما بالاباحة مثلا يمكن أن يكون الاستقبال واجبا و الاستدبار عن الجدي مباحا و العقل لا يرى محذورا فيه و بعبارة واضحة: لا دليل على عدم امكان اختلاف المتلازمين في الحكم، و ان شئت قلت: ان الأحكام الشرعية في نظر العدلية تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها فكل واجب تابع للمصلحة التي في الفعل الواجب فلو أوجب الشارع استقبال القبلة لا يمكن ايجاب استدبار الجدي لعدم ملاك لايجابه، نعم لا يمكن كون الاستدبار محكوما بحكم يكون معجزا للعبد كالحرمة و أما الحكم عليه بالحلية فلا مانع منه، فالنتيجة ان عدم الضد للواجب لا دليل على وجوبه لا من باب المقدمة و لا من باب التلازم.
و في المقام كلام عن الكعبي و هو نفي المباح، بتقريب ان المكلف لا يخلو من فعل من الأفعال و من ناحية اخرى يحرم عليه بعض الأفعال فيجب عليه ترك ذلك الفعل و ترك الحرام يتوقف على الفعل المضاد للحرام فيجب ذلك الفعل فالفعل الاختياري للمكلف اما واجب و اما حرام.
و يرد عليه: اولا انه قد تقدم عدم امكان كون احد الضدين مانعا عن الضد الآخر كى يقال بأن الترك واجب فيجب مقدمة بالوجوب المقدمي.
و ثانيا: انه قد مر عدم دليل على وجوب المقدمة شرعا بل الدليل قائم على عدمه و أما التلازم بين فعلين فلا يقتضي توافقهما في الحكم كى يقال اذا وجب ترك الحرام يجب ملازمه فيجب ضد الحرام.
و ثالثا: ان ما أفاده مبني على الالتزام بكون ترك الحرام واجبا شرعا كى يتم استدلاله على زعمه و الحال ان كل حكم لا ينحل الى حكمين فان الحرام له حكم واحد و هي الحرمة كما ان الواجب له حكم و هو الوجوب و لا معنى لأن يقال ان الصلاة يجب فعلها و يحرم تركها و ان شرب الخمر يحرم فعله و يجب تركه و لو كان