و محتاجا الى غيره.
و أما الثاني فهو وجود الجواهر فان وجودها في نفسها أي مستقل وجودها و لنفسها أي لا يكون في الغير و رابطا و لكن بغيرها أي محتاج الى الغير.
و أما القسم الثالث فهو وجود الاعراض فان وجودها في نفسها و مستقل و لكن لغيره و من شئون الغير و بغيره أي محتاج الى العلة فوجود العرض في حدوثه يحتاج الى العلة و ايضا يحتاج الى موضوع يكون قائما به.
و أما القسم الرابع فهى النسب الموجودة بين المعاني الاسمية و هذا الوجود وجود لا في نفسه.
اذا عرفت تقسيم الوجود الى هذه الاقسام فاعلم انه لا بد اولا من اثبات القسم الرابع و ثانيا لا بد من اثبات ان الحروف موضوعة بازاء القسم الرابع.
فنقول أما الدليل على اثبات القسم الرابع فهو انا تارة نعلم بوجود الجوهر و ايضا نعلم بوجود العرض كالقيام مثلا و مع ذلك نشك في قيام زيد فيعلم ان وجود النسبة وجود آخر غير وجود الجوهر و وجود العرض و إلّا يلزم أن يكون الوجود الواحد معلوما و مشكوكا فيه و هو غير ممكن.
و أما الدليل على أن هذا الوجود وجود لا في نفسه فهو ان ثبوت شيء لشيء ليس امرا مستقلا و إلّا كان محتاجا الى رابط فيقع الكلام في ذلك الرابط فوجودات النسب وجودات رابطية بخلاف وجود الاعراض فان وجودها رابطي و أما هذه الوجودات غير المستقلة وضعت الحروف بازائها فلأن حكمة الوضع كما تقتضي وضع الالفاظ بازاء الجواهر و الاعراض كذلك تقتضي وضع الفاظ بازائها للافادة و الاستفادة مضافا الى أن تلك النسب مستفادة من الحروف و صفوة القول ان الأسماء وضعت للمفاهيم المستقلة في عالم الذهن و الحروف وضعت للمفاهيم غير المستقلة و بعبارة اخرى الاسماء موضوعة للجواهر و الاعراض و الحروف
وضعت للنسب الموجودة بين الجواهر و الأعراض.
و يرد عليه اولا ان البرهان القائم على القسم الرابع مخدوش فان مجرد اجتماع اليقين و الشك في افق النفس لا يدل على تعدد الوجود في الخارج مثلا انا نعلم بوجود انسان في الدار و نشك في أنه زيد أو عمرو و الحال ان وجود الطبيعي عين وجود الفرد و ايضا في موارد العلم الاجمالي بوجود نجس بين الإناءين نشك في أن النجس ايهما فالتعدد في افق النفس لا يكون دليلا على التعدد الخارجي.
و ثانيا: البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى و ذلك لأن القسم الرابع الذي يدعيه هذا المحقق اما واجب أو ممكن أو ممتنع لا سبيل الى الأول و الثالث كما هو ظاهر فيكون ممكنا.
فنقول قد ثبت في الفلسفة التي هو من اهلها بل من فحولها ان كل ممكن زوج تركيب له ماهية و وجود و كل ماهية اما داخلة تحت الجواهر و اما داخلة تحت الاعراض و على كلا التقديرين يكون نسبته الى الافراد نسبة الطبيعي الى اشخاصه.
و ثالثا: لو سلم القسم الرابع لكن لا يمكن تصديق ان القسم الرابع موضوع له للحروف فان الموضوع له لا بد من كونه قابلا للحضور في الذهن و الوجود الخارجي غير قابل لان يحضر في الذهن و إلّا يلزم الخلف.
ان قلت: وضعت الحروف للمفاهيم قلت: تلك المفاهيم اما مفاهيم اسمية أو غيرها أما على الاول فيلزم الخلف و على الثاني فما هي؟
و رابعا: لا يعقل تصور القسم الرابع في جملة من الموارد مثلا نقول ان اللّه على العرش استوى فهل يمكن أن يكون ذاته معروضا و موردا لهذه الخصوصيات كلا.
أو نقول شريك الباري مستحيل أو ان الضد مع الضد لا يجتمع أو النقيض لا يجتمع مع نقيضه أو أن الامكان في نفسه مفهوم من المفاهيم و هكذا و على الجملة
في كثير من الموارد تستعمل الحروف بلا عناية و رعاية و الحال ان الالتزام بوجود القسم الرابع في هذه الموارد لا يمكن فتحصل ان هذا القول ايضا لا يرجع الى محصل صحيح.
القول الخامس: ما اختاره المحقق العراقي
و هو ان الحروف موضوعة للاعراض النسبية توضيح المدعى ان الاعراض على قسمين: قسم يكون قائما بموضوع واحد كالكيف و الكم و قسم يكون متقوما بموضوعين كمقولة الأين و المتى و الاضافة و يسمى بالاعراض النسبية و الحروف موضوعة للقسم الثاني فلو قلنا زيد في الدار يكون لفظ زيد حاكيا عن جوهر زيد و لفظ الدار يكون حاكيا عن جوهر الدار و لفظ (في) يدل على النسبة الأينية و لو لا الحروف لم تكن مناسبة بين الألفاظ الكلامية و ان شئت قلت: ان المعاني منحصرة فى الجواهر و الأعراض و ربطها لمحالها و لا رابع و الحروف لم توضع للقسم الاول كما هو ظاهر و لا للقسم الثاني ايضا فان الموضوع للقسمين المذكورين الاسماء و لا للقسم الثالث فان الموضوع له الهيئة فينحصر في أن الحرف يكون موضوعا للعرض النسبي.
و بعبارة اخرى الفرق بين الحروف و الهيئات ان الحروف تدل على العرض النسبي مهملا و الهيئة تدل على مصداق تلك النسبة و بعبارة ثالثة الحروف موضوعة للعرض المنتسب الى موضوع ما و الهيئة تدل على ربط ذلك العرض الى موضوع معين.
و يرد عليه اولا: ان الحروف تستعمل في جميع الموارد على نحو واحد و كيف يمكن الالتزام بهذه المقالة على النحو الكلي مثلا نقول ان اللّه على العرش استوى و الحال انه لا يمكن ان نلتزم بقيام العرض بذاته تعالى فانه اجل من ان يعرضه عرض من الأعراض و ايضا تستعمل الحروف في الأمور المستحيلة و الامور الاعتبارية و الامور الانتزاعية و كيف يعقل قيام العرض بالأمر المستحيل أو الأمر
الاعتباري أو الأمر الانتزاعي فان العرض يقوم بالامور الموجودة.
و ثانيا: العرض النسبي عبارة عن المعنى الاسمي فلازم هذه الدعوى اتحاد الاسم و الحرف في المعني و هو لا يلتزم بهذا اللازم.
القول السادس: ما اختاره المحقق النهاوندى(قدس سره)[1]
و هو ان الحرف ما يدل على معنى في غيره و عن مولى الموحدين علي(عليه السلام)[2]الحرف ما أوجد معنى في غيره و ايضا عرف الحرف بانه ما انبأ عن معنى ليس باسم و لافعل و من ناحية ثالثة يعبر عن الحروف بالادوات و من ناحية رابعة نرى الادباء في مقام تعريف هذه الادوات يقولون من للابتداء و في للظرفية الى آخر كلامهم فنرى انه هل يمكن الجمع بين هذه التقريبات.
فنقول لا اشكال في أنه نتصور في أنفسنا مفاهيم كثيرة من الجواهر و الاعراض من الواقعيات واجبا كان أو ممكنا و الاعتباريات و الانتزاعيات و المحالات و لكن كل مفهوم اجنبي عن الآخر و ايضا نتصور المفاهيم المقيدة مثلا نتصور الانسان حالكونه راكبا على الفرس شاربا للماء الى غير ذلك من القيود و من الظاهر ان الأسماء لا تفي بافادة الخصوصيات فلو جمع بين عدة مفاهيم كما لو قال احد:
رأيت زيد شرب ركوب فرس لا يستفاد من هذه الألفاظ ان اللافظ بهذه الالفاظ رأى زيدا في حال الشرب راكبا على الفرس فلا بد من وضع الفاظ تدل على هذه الخصوصيات و بعد الفحص نرى ان الموضوع لافادتها هي الحروف فيصدق ما نسب في الرواية الى سيدنا ارواحنا و ارواح العالمين له الفداء فإنا لو قلنا جاء زيد مع أخيه نرى ان الدال على المصاحبة لفظ مع فيوجد هذا اللفظ معنى في غيره و هو زيد و بعبارة واضحة يوجب تضييقا في مقام الدلالة.
[1]تشريح الاصول: ص 39
[2]البحار: ج 40 ص 162
و ايضا يصدق ما أفاده صاحب تشريح الاصول اذ يدل لفظ مع على معنى في غيره و ايضا يصح أن يقال لفظ مع للمصاحبة و ايضا يصح أن يقال ان المعنى الحرفي لا اسم و لا فعل و ايضا يصح ان يقال ان الحروف آلات و أدوات اذ الحروف ادوات للتفهيم.
ان قلت: كيف يجمع بين قول امامنا حيث يعبر عن الحرف بكونه ايجاديا و بين قول الآخرين حيث يعبرون عنه بكونه حاكيا قلت: كلا القولين صحيحان فان الحروف حاكيات عن مقام الثبوت و موجدات في مقام الاثبات و لتوضيح المدعى نقول: المفاهيم في الواقع مختلفة و كل واحد منها يغاير الآخر مثلا لا اشكال في ان الرقبة المتصفة بالايمان يغاير الرقبة المطلقة و الحرف يحكي عن اتصاف الرقبة بالايمان فيصح أن يقال حاكيات عن مقام الثبوت و مع ذلك يوجد الحرف تضييقا في الرقبة في مقام الاثبات إذ لو قلنا اعتق رقبة يفهم من لفظ الرقبة مفهوما واسعا مطلقا و لكن لو قلنا اعتق رقبة مع الايمان يوجد لفظ مع تضييقا في مفهوم الرقبة فيصح ان يقال ان الحرف ما اوجد المعنى في غيره و يصح ان يقال ان الحرف يدل على معنى في غيره و يصح أن يقال ان الحروف ادوات للافادة و الاستفادة و يصح أن يقال ان الحرف ما انبأ عن معنى لا يكون اسما و لا فعلا.
اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ان الهيئات الناقصة تلحق بالحروف فان وزانها وزان الحروف مثلا لو قلنا غلام زيد يفهم من الاضافة ما يفهم من الحرف طابق النعل بالنعل و بعبارة واضحة الهيئات الناقصة تحكي عن المعاني في الغير و توجد تلك التضييقات في مقام الاثبات و أما الهيئات التامة انشائية كانت او اخبارية فتكلم فيها إن شاء اللّه فانتظر.
هذا تمام الكلام في الحروف الداخلة على الجمل الناقصة كلفظ في و على.
و أما الحروف الداخلة على الجمل التامة كلفظ هل و ليت و امثالها فان هذه
الحروف وضعت لابراز ما في نفس المتكلم فان حروف الاستفهام وضعت لابراز ان المتكلم في مقام الاستفهام و قس عليها حرف التمني و الترجي و أمثالهما و لنا أن نقول ان ما نسب الى المولى ينطبق عليها فان حروف الاستفهام توجد في مقام الاستعمال معنى في مورد الاستفهام فلاحظ.
ايقاظ:قد اشتهر في الألسن ان المعاني الحرفية آلية بخلاف المعاني الاسمية و قد ظهر من مطاوي ما ذكرنا ان هذا توهم فاسد فان المعاني الحرفية ملحوظة بالاستقلال و يترتب عليه امكان الوجوب المشروط اذ ربما يقال ان المعنى الحرفي حيث انه آلي لا بد من ارجاع القيد في قولنا ان جاءك زيد اكرمه الى المادة كي يكون قابلا للحاظ فيرجع الوجوب المشروط الى الوجوب المطلق.
و بعبارة اخرى: بعد فرض كون المعنى آليا لا مجال للحاظ الاطلاق و الاشتراط فيه و قد ظهر ان الامر ليس كذلك و ان المعنى الحرفي قابل لأن يلاحظ مستقلا و هذا اثر مهم مترتب على القول بكون المعنى الحرفي استقلاليا.
بقي شيء و هو ان الموضوع له في الحروف عام أو خاص الظاهران الموضوع له للحروف خاص فان الواضع يلاحظ التقيدات و التضيقات المتصورة في مواردها بجامع اسمي و بعبارة اخرى يلاحظ التقيدات الأينية بمفهوم اسمي و هي الظرفية و بهذا العنوان يشير الى تلك الخصوصيات و يضع اللفظ بازائها فالوضع عام لأن الملحوظ في مقام الوضع عنوان عام و الموضوع له خاص لأن كل واحد من الخصوصيات التي لا تناهي لها موضوع له.
اذا عرفت ما ذكرناه في الحروف فاعلم ان الظاهر ان اسماء الاشارة و الضمائر و الموصولات كلها يكون الوضع فيها عاما و الموضوع له فيها خاصا توضيح المدعى: ان المذكورات تشار بها الى ما يراد منها فالحق ان كلها للاشارة و ان سمي بعضها بالضمائر و بعضها بالموصولات و لذا نرى يعبر عن الموصول في اللغة الفارسية ب (اونيكه) فان هذه الالفاظ بحسب التعهد الوضعى وضعت لايجاد
الاشارة بها الى معانيها فيصح أن يقال انها موضوعة للايجاد أي ايجاد الاشارة.
و أما وجه كون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصا فلأن مصاديق الاشارة لا تناهي لها فالواضع يتصور الجامع بين تلك المصاديق و يضع اللفظ بازاء كل مصداق فالوضع عام و الموضوع له خاص و لا فرق بين الموارد و المصاديق من حيث المعنى فان المشار اليه ربما يكون من الجواهر و ربما يكون من الأعراض كما انه قد يكون المشار اليه ذات الواجب و قد يكون مصداقها الممكن و قد يكون من الامور المحالة و هكذا.
[وضع المركبات]
الجهة الرابعة فى وضع المركبات التامة من الانشائية و الاخبارية:
فنقول: الحق ان الجملات الانشائية و الاخبارية موضوعة لابراز ما في النفس غاية الامر المبرز بالفتح يختلف فان الجملة الاخبارية موضوعة بحسب التعهد لابراز أن المتكلم في مقام الحكاية و بهذا الاعتبار يتصف الخبر بالصدق و الكذب اذ لا اشكال في أن المتكلم في مقام الحكاية و انما الصدق و الكذب يتحققان باعتبار مطابقة الحكاية مع الواقع فان طابق الخبر الواقع يكون الخبر صدقا و إلّا يكون كذبا.
و أما الجملة الانشائية فهي موضوعة لابراز ما في النفس من الاعتبار مثلا يعتبر البائع الملكية و يبرز اعتباره بقوله بعت و يعتبر المزوج الزوجية و يبرز اعتباره بقوله زوجت و يعتبر المولى اللابدية من الفعل في ذمة المكلف و يبرز اعتباره بقوله صل و هكذا و هكذا.
و لا يذهب عليك ان الجملة الانشائية وضعت لابراز الاعتبار أي ان الواضع تعهد انه كلما أراد ان يبرز الاعتبار يتكلم بهذه الجملة لكن الدواعي للابراز تختلف فربما يكون الداعي للابراز الاعتبار كاعتبار اللابدية و ربما يكون الداعي التهديد و ربما يكون الداعى التعجيز و هكذا.
و في جميع هذه الصور اللفظ مستعمل في معناه و على طبق التعهد فلا يكون مجازا غاية الامر الدواعي تختلف كما ان الامر يكون في الجملة الخبرية كذلك فانها وضعت لابراز ارادة الحكاية و الدواعي لهذا الابراز تختلف.
فتارة يكون الداعي الحكاية و أخرى يكون الداعي البعث نحو الفعل كما يقول المولى يعيد و يتوضأ الى غيرهما من الأمثلة و يكون داعيه البعث.
و ربما يكون الداعي امرا آخر مثلا اذا قال المتكلم زيد كثير الرماد يكون داعيه في هذا الاخبار عن جود زيد و لذا يكون صدق خبره و كذبه بجود زيد و عدمه لا بكثرة الرماد و عدمها.
و ربما يقال: ان الجملة الاخبارية وضعت للدلالة على النسبة الخارجية و الجملة الانشائية وضعت لايجاد المادة و لكن مقتضى النظر الدقيق أنه لا تصح هذه المقالة فان الوضع كما سبق عبارة عن التعهد و لا مجال لأن يتعلق التعهد بالأمر غير الاختياري مثلا هل يمكن أن يتعلق تعهد الشخص بنزول المطر من السماء كلا و من الظاهر ان دلالة شيء على شيء آخر ليس اختياره بيد شخص فكيف يتعهد الواضع أن يدل اللفظ على النسبة الخارجية مضافا الى أن المخاطب ربما يقطع بكذب الاخبار فكيف يدل الخبر على تلك النسبة الخارجية كما ان الجملة الانشائية لا توجد بها شيء لا في الخارج و لا في الذهن و لا في عالم الاعتبار فلا مجال لتعلق تعهد الواضع به فان الانشاء عبارة عن النشء و الابراز أي الواضع يتعهد انه متى يكون في مقام ابراز ذلك الامر النفساني يبرزه باللفظ الفلاني فالنتيجة ان جميع جمل الخبرية و الانشائية موضوعة لابراز ما في افق النفس و على هذا يكون الوضع في جميع الجملات عاما و الموضوع له خاصا فان الواضع يتصور جميع الموارد بالعنوان العام و يضع اللفظ بازاء تلك المصاديق الكثيرة غير المتناهية فالوضع فيها عام و الموضوع له فيها خاص فلا تغفل.