الحقيقة يكون التخيير بين المتباينين لأن النسبة بين بشرط لا و بشرط شىء التباين فلاحظ.
نعم اذا كان الاكثر يوجد دفعة في الخارج لا مانع من التخيير بين الاقل و الاكثر مثلا يمكن أن يوجب المولى ايجاد خط بمقدار ذراع مثلا و لكن يلزم ايجاده دفعة فالمكلف له أن يوجد خطا بقدر ذراع و له أن يوجد خطا بمقدار ذراعين.
الجهة السادس عشرة فى الواجب الكفائى:
الواجب الكفائى هو الواجب الذي يكفي الاتيان به من قبل مكلف واحد و بعبارة اخرى الواجب الكفائي هو الواجب الذي لو أتى به الجميع يسقط و يستحق الجميع الثواب لصدق صدور الواجب عن كل واحد و ان لم يأت به احد يستحق الجميع العقاب لصدق ترك الواجب بالنسبة الى كل واحد من آحاد المكلفين و ان أتى به بعض المكلفين دون الباقين يسقط الواجب عن التاركين لتحقق الغرض و عدم الموضوع بعد اتيان ذلك البعض.
اذا عرفت ذلك نقول: وقع الكلام بين القوم في تصوير الواجب الكفائى و ان المكلف بحسب الجعل اي شخص و في هذا المقام يمكن تصوير مذاهب:
المذهب الاول: أن يقال: ان المكلف واحد معين عند اللّه لكن اذا أتى به غيره يسقط التكليف عن ذلك المكلف.
و يرد عليه: اولا، انه خلاف ظاهر الادلة حيث ان الظاهر منها ان جميع الآحاد مكلفون لا واحد معين منهم، و ثانيا: انه لا وجه لسقوط الواجب بفعل غير المكلف الا مع قيام دليل على السقوط و اي دليل دل على هذا المدعى، و ثالثا: ان مقتضى ادلة البراءة العقلية و النقلية عدم وجوبه على احد اذ كل واحد من المكلفين له أن يأخذ بالبراءة و لا يقوم بالعمل و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم؟
المذهب الثاني: أن يقال ان الوجوب الكفائي متوجه الى مجموع المكلفين من حيث المجموع.
و يرد عليه: اولا ان لازمه انه لو قام واحد منهم بالواجب لا يحصل الامتثال و الحال انه ليس الأمر كذلك في الوجوب الكفائي، و ثانيا: انه كيف يمكن صدور الواجب عن مجموع آحاد المكلفين فاذا فرض ان أفرادهم كثيرة كيف يمكن قيام كلهم بعمل واحد بحيث يصدر كل جزء منه من شخص و كيف كان هذا القول ساقط عن درجة الاعتبار مضافا الى أنه خلاف ظاهر الادلة.
المذهب الثالث: ان الواجب الكفائي واجب بالنسبة الى كل مكلف و لكن مشروط بعدم اتيان الآخرين فيجب على كل واحد منهم بشرط ترك بقية المكلفين.
و يرد عليه: اولا ان الشرط ان كان ترك بعض المكلفين فلازمه أن يتعين الوجوب على الجميع لتحقق الشرط فيصير الواجب الكفائي عينيا و هذا خلف و ان كان المراد ترك الجميع فلازمه انه لو أتى به الجميع لا يحصل الامتثال لأن شرط الواجب ترك الجميع و المفروض عدم تحقق الشرط.
المذهب الرابع: أن يكون الواجب الجامع بين المكلفين و لازمه حصول الامتثال بفعل واحد و بفعل الجميع و هذا هو الحق.
الجهة السابع عشرة فى الموسع و المضيق:
ينقسم الواجب باعتبار تحديده بزمان خاص و عدم تحديده الى موقت و غير موقت، و ينقسم الموقت الى الموسع و المضيق، فان الوقت اذا كان أزيد من مقدار زمان الواجب يكون الواجب موسعا كالصلوات اليومية بالنسبة الى أوقاتها و اذا لم يكن أزيد بل كان مساويا له يكون الواجب مضيقا كصوم شهر رمضان فان اليوم بتمامه ظرف للصوم و لا يكون أزيد منه.
و ربما يقال: بأنه لا يتصور الموسع كما انه ربما يتوهم عدم امكان المضيق أما الاول فبتقريب ان الواجب لو ترك في اول وقته يصدق ان المكلف ترك الواجب في ظرفه فلا توسعة في الوقت.
و فيه: ان ظرف الواجب من المبدأ الى المنتهى و لا يجب الاتيان بالواجب في اول وقته و بعبارة اخرى: اول الوقت من أفراد الظرف و الواجب الاتيان بالفعل بين الأول و الآخر، و بعبارة واضحة: لا يجب ايقاع الفعل في أول زمان الواجب بل اللازم ايقاع الواجب في ظرفه فللمكلف ايقاعه في اي جزء من ذلك الزمان.
و أما الثاني و هو عدم امكان المضيق فبأن الامتثال متأخر عن الوجوب و الانبعاث متأخر عن البعث فلا بد من كون الوجوب متقدما على زمان الامتثال.
و فيه: اولا: ان تأخر الامتثال عن الوجوب تأخر رتبي لا زماني، و ثانيا: انه يمكن أن يكون زمان الوجوب متقدما على زمان الامتثال و لكن يكون زمان الواجب مساويا لزمان الفعل الذي امر به فان الواجب التعليقي مؤخر زمانا عن زمان الوجوب فلاحظ.
ثم انه وقع الكلام بين القوم في أن القضاء هل يكون تابعا للاداء ام يكون بامر جديد؟ و ربما يقال بالتفصيل بين كون القرينة على التوقيت متصلة و بين كونها منفصلة بتقريب ان القرينة اذا كانت متصلة بدليل الواجب لا مجال للأخذ بدليل الوجوب للاتيان بالفعل خارج الوقت و بعبارة اخرى: ينعقد ظهور الدليل في التوقيت فلا مقتضي للاتيان بالعمل خارج الوقت، و أما ان كانت القرينة منفصلة عن دليل الواجب فلا تكون القرينة مانعة عن ظهور دليل الواجب في الاطلاق فمقتضى دليل الواجب الاتيان و لو خارج الوقت و يكون القضاء تابعا للاداء فالنتيجة: التفصيل بين كون القرينة منفصلة و متصلة بأن يقال القضاء تابع للاداء في الأول دون الثاني.
و يرد عليه: انه لا فرق بين الاتصال و الانفصال فان ظهور القرينة حاكم على
ظهور ذي القرينة و ان شئت قلت: ان كان الظاهر من القرينة تقييد الواجب بحصة خاصة فلا فرق بين الاتصال و الانفصال و على كلا التقديرين توجب تقييد الواجب بالقيد الخاص و هو الوقت المقرر للواجب و ان لم تكن ظاهرة في التقييد بل كانت دالة على مطلوب آخر فائضا لا فرق بين الاتصال و الانفصال، نعم بين الاتصال و الانفصال فرق من حيث ان اتصال القرينة مانع عن انعقاد الظهور في الاطلاق و انفصال القرينة لا يمنع عن انعقاد الظهور و لكن اي اثر للظهور فقط بعد سقوطه عن الحجية بواسطة القرينة المنفصلة الحاكمة على ذي القرينة و لذا التزم الأصحاب على عدم الأخذ باطلاق قوله تعالى«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»و قيدوه بقيود مستفادة من النصوص الواردة في مقام بيان تقييد الاطلاق و حكموا ببطلان بيع الغرر و المجهول الى غيرهما من القيود و هذا ظاهر واضح.
و في المقام تفصيل آخر أفاده صاحب الكفاية و هو انه لو كانت القرينة الدالة على التوقيت متصلة أو كانت القرينة منفصلة و كان لها اطلاق بحيث يقيد دليل الواجب على الاطلاق لا مجال للأخذ بدليل الواجب و اثبات وجوب القضاء و أما اذا كانت القرينة منفصلة و لم يكن لها اطلاق بالنسبة الى حالتي الاختيار و الاضطرار و كان لدليل الواجب اطلاق أمكن الأخذ بدليل الواجب و اثبات وجوب الفعل خارج الوقت و ما أفاده تام، لكن لا يترتب عليه الأثر المهم الذي عقد له هذا البحث و هو انه لو عصى المكلف و لم يأت بالواجب في الوقت اختيارا لا يثبت في حقه وجوب القضاء بدليل الواجب، نعم لو فات الواجب عن المكلف بلا اختيار يثبت عليه وجوب القضاء بالدليل الاول مضافا الى أنه مجرد تصور و الظاهر انه لا موضوع له حتى في مورد واحد.
فالمتحصل مما تقدم ان القضاء لا يثبت بالأمر الأول الا في صورة واحدة، فالحق ان وجوب القضاء بالأمر الجديد، ثم انه لو فرض انه ثبت وجوب القضاء
بالدليل الدال عليه و كان موضوعه عنوان الفوت فتارة يثبت الفوت بالعلم الوجداني أو التعبدي و اخرى لا يثبت، أما على الأول فلا اشكال في وجوب القضاء لاحراز الموضوع، و أما على الثاني فهل يمكن اثبات الموضوع باستصحاب عدم الاتيان ام لا؟
أفاد سيدنا الاستاد: ان الفوت امر وجودي و لا يمكن احرازه باستصحاب عدم الاتيان لأنه من أظهر انواع المثبت، و بعبارة اخرى: الفوت عبارة عن الذهاب عن الكيس، و ما أفاده ليس بعيدا فان المتفاهم من هذا اللفظ انه كان لكن ذهب، و على فرض الشك لا مجال للأخذ باستصحاب عدم الاتيان اذ على تقدير كونه أمرا وجوديا لا يثبت بالأصل و مع الشك في كونه أمرا وجوديا لا يمكن الأخذ بدليل وجوب القضاء للشبهة المصداقية فالنتيجة انه لو لم يكن دليل على وجوب القضاء يكون مقتضى البراءة عدم الوجوب و لا مجال لاستصحاب الوجوب الثابت في الوقت لأن الاستصحاب لا يجري إلّا مع بقاء الموضوع و المفروض زواله، مضافا الى معارضة الاستصحاب الجاري في الحكم الكلي باصالة عدم الجعل الزائد.
لكن يشكل التقريب المذكور بما يستفاد من اللغة، قال في مجمع البحرين «و فات الأمر فوتا و فواتا أي فات وقت فعله و منه فاتت الصلاة اذا خرج وقت فعلها و لم تفعل» و عليه يصدق عنوان الفوت بعدم تحقق الفعل الفلاني في وقته الكذائي و بناء على هذا الاساس لو خرج وقت فعل صلاة الظهر و شك في تحققها يمكن احراز فوتها باستصحاب عدمها فان فوت وقتها وجداني و عدم الاتيان بها في الوقت يحرز بالأصل.
بقى شيء و هو انه لو شك في الوقت انه أتى بالصلاة مثلا أم لا؟ لا اشكال في أنه يجب عليه الاتيان بها اما لقاعدة الاشتغال على المشهور بين القوم أو لاستصحاب عدم الاتيان على المسلك المنصور، فلو فرض انه لم يأت بها بعد فهل يجب القضاء بعد الوقت أم لا؟
ربما يقال: لا يجب بالتقريب الذي تقدم و الحق أن يفصل في المقام بأن يقال على القول بأن المقتضي لوجوب الاتيان و المدرك له ان كان استصحاب عدم الاتيان كما هو مختارنا يجب القضاء لاحراز الفوت و أما على القول بأن وجه وجوب الاتيان قاعدة الاشتغال كما هو المشهور بين الأصحاب يشكل الجزم بالوجوب لأن قاعدة الاشتغال عبارة عن حكم العقل بلزوم الاتيان بالواجب في ظرف الشك لكن لا دليل على بقاء التكليف فيشك في الفوت و مع الشك فيه لا تصل النوبة الى الأخذ بدليل وجوب القضاء لأنه من الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية فلاحظ.
الجهة الثامن عشرة فى الامر بالامر بالشىء:
وقع الكلام بين القوم في أنه هل الأمر بالامر بشيء امر بذلك الشيء أم لا فنقول:
لا اشكال في أن مقتضى الظهور العرفي انه أمر بذلك الشيء و ان المأمور الأول واسطة في ايصال أمر المولى الى المأمور الثاني كالأوامر الصادرة عن اللّه تعالى الى العباد بواسطة الأنبياء و الرسل و يترتب على هذا البحث ثمرة فقهية و هو كون عبادات الصبي مشروعة حيث أمر الامام(عليه السلام)الأولياء بأمرهم الصبيان بالصلاة بقوله(عليه السلام)مروا صبيانكم بالصلاة، و ربما يقال: يمكن اثبات المطلوب بطريق آخر و هو أن الأمر الوجوبي مركب من الطلب و الالزام، و حديث الرفع يرفع الالزام عن الصبي و يبقى اصل الطلب بحاله، و فيه: أن التكليف و لو كان استحبابيا يقتضي الكلفة و مقتضي المنة رفعه على الاطلاق، و ثانيا: ان الأمر الوجوبي ليس مركبا بل عبارة عن اعتبار المولى الفعل في ذمة المكلف و عدم ترخيصه في الترك فلا مجال للتقريب المذكور و على الجملة ان الظاهر من الأمر بالأمر كون المأمور الثاني مأمورا من قبل المولى هذا بحسب مقام الاثبات و الظهور العرفي و لو وصلت النوبة الى الشك يكون مقتضى البراءة الشرعية و قبح العقاب بلا بيان عقلا عدم
الوجوب فلاحظ.
الجهة التاسع عشرة فى ان الامر ثانيا قبل امتثال الامر الاول هل يكون تأكيدا او يكون تأسيسا
فنقول اذا ورد امر بشيء بعد الأمر به قبل امتثال الأمر الاول فتارة علق كل من الأمرين على سبب غير ما علق عليه الأمر الآخر كما لو قال ان بلت فتوضأ، ثم قال ان نمت فتوضأ و اخرى يعلق احدهما على سبب و لم يعلق الآخر على سبب كما لو قال ان بلت فتوضأ ثم قال: توضأ و ثالثة يعلق كل واحد من الأمرين على سبب واحد كما لو قال ان بلت فتوضأ ثم قال ان بلت فتوضأ و رابعة لا يعلق شيء منهما على السبب كما لو قال توضأ ثم قال توضأ، أما الصورة الاولى و الثانية فيقع الكلام فيهما في بحث المفاهيم إن شاء اللّه.
و أما الصورة الثالثة و الرابعة فقد وقع الكلام بين القوم في أن المستفاد من الأمر الثاني التأسيس أو المستفاد منه التأكيد للأمر الاول الذي يمكن أن يقال: ان المستفاد منه بحسب الفهم العرفي التأكيد و السر فيه ان المادة في الأمر الثاني لم يقيد بقيد فكلا الأمرين تعلقا بأصل الطبيعة و لازمه التأكيد، و ان شئت فقل: ان الظاهر من الأمر الثاني ان المطلوب فيه هو المطلوب من الأمر الاول فطبعا لا يكون إلّا تأكيدا له و ان أبيت عن هذا التقريب و قلت ان الهيئة ظاهرة في التأسيس فلا وجه لرفع اليد عن ظهورها فيه، قلت الهيئة ترد على المادة و تركبها فتكون المادة قرينة على كون المراد من الهيئة التأكيد كما ان الأمر كذلك في كل مورد يكون احد الأمرين قرينة على الآخر أو فقل يكون احد الظهورين معارضا و مزاحما للظهور الآخر و بالنتيجة يصير اللفظ مجملا و المرجع اصالة البراءة فعلى كلا التقريبين لا يكون الأمر الثاني تأسيسا.
المقصد الثانى: فى النواهى
و الكلام فيه يقع في جهات:
الجهة الاولى في معنى النهى:
قال في الكفاية:
ان معنى النهي بعينه هو معنى الأمر غاية الأمر مفاد الأمر طلب وجود الفعل و مفاد النهي طلب ترك الفعل و توهم ان الترك غير اختياري فيكون متعلق النهى الكف عن الفعل مدفوع، بأن الترك مقدور بقاء و إلّا لم يكن وجود الفعل اختياريا ايضا هذا ملخص ما أفاده في الكفاية.
و يمكن ان يقال ان مفاد صيغة افعل ابراز الاعتبار النفساني فان المولى يعتبر الفعل كالصلاة في ذمة المكلف و ببرز الاعتبار المذكور بقوله صل مثلا، و أما في باب النواهي يعتبر حريما بين الفعل و المكلف و يعتبر حرمانه عن ذلك و يبرز ذلك الاعتبار بقوله لا تشرب الخمر مثلا، و بعبارة واضحة: تارة يشتاق المولى الى فعل و له غرض في تحقق الفعل و صدوره عن المكلف فيعتبر ذلك الفعل في ذمة المكلف و يبرز ذلك الاعتبار بصيغة الأمر و اخرى ينزجر عن الفعل و يريد عدم صدوره عن المكلف فيعتبر كون المكلف محروما عنه و يعتبر حريما بين المكلف و ذلك الفعل، و يبرز ذلك الاعتبار بصيغة النهي فيصح أن يقال ان متعلق الأمر و النهي واحد و هو عبارة عن الفعل غاية الأمر تارة يعتبر الفعل في ذمته فيكون مصداقا للأمر و اخرى يعتبر حريما بين المكلف و الفعل فيكون مصداقا للنهي.
و صفوة القول: ان الفرق بين صيغة الأمر و صيغة النهي ان الاولى وضعت لابراز الفعل في ذمة المكلف و بعبارة واضحة: ان الواضع يتعهد بأنه كلما أراد أن يبرز و يظهر انه في مقام ابراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف يتكلم بهذه الكلمة اي يتلفظ بهذه الصيغة و ايضا يتعهد الواضع بأنه اذا أراد أن يبرز كونه في مقام ابراز اعتبار حرمان المكلف عن الفعل يتلفظ بصيغة النهي فالأمر مبرز لاعتبار كون الفعل في ذمة