بالدليل الدال عليه و كان موضوعه عنوان الفوت فتارة يثبت الفوت بالعلم الوجداني أو التعبدي و اخرى لا يثبت، أما على الأول فلا اشكال في وجوب القضاء لاحراز الموضوع، و أما على الثاني فهل يمكن اثبات الموضوع باستصحاب عدم الاتيان ام لا؟
أفاد سيدنا الاستاد: ان الفوت امر وجودي و لا يمكن احرازه باستصحاب عدم الاتيان لأنه من أظهر انواع المثبت، و بعبارة اخرى: الفوت عبارة عن الذهاب عن الكيس، و ما أفاده ليس بعيدا فان المتفاهم من هذا اللفظ انه كان لكن ذهب، و على فرض الشك لا مجال للأخذ باستصحاب عدم الاتيان اذ على تقدير كونه أمرا وجوديا لا يثبت بالأصل و مع الشك في كونه أمرا وجوديا لا يمكن الأخذ بدليل وجوب القضاء للشبهة المصداقية فالنتيجة انه لو لم يكن دليل على وجوب القضاء يكون مقتضى البراءة عدم الوجوب و لا مجال لاستصحاب الوجوب الثابت في الوقت لأن الاستصحاب لا يجري إلّا مع بقاء الموضوع و المفروض زواله، مضافا الى معارضة الاستصحاب الجاري في الحكم الكلي باصالة عدم الجعل الزائد.
لكن يشكل التقريب المذكور بما يستفاد من اللغة، قال في مجمع البحرين «و فات الأمر فوتا و فواتا أي فات وقت فعله و منه فاتت الصلاة اذا خرج وقت فعلها و لم تفعل» و عليه يصدق عنوان الفوت بعدم تحقق الفعل الفلاني في وقته الكذائي و بناء على هذا الاساس لو خرج وقت فعل صلاة الظهر و شك في تحققها يمكن احراز فوتها باستصحاب عدمها فان فوت وقتها وجداني و عدم الاتيان بها في الوقت يحرز بالأصل.
بقى شيء و هو انه لو شك في الوقت انه أتى بالصلاة مثلا أم لا؟ لا اشكال في أنه يجب عليه الاتيان بها اما لقاعدة الاشتغال على المشهور بين القوم أو لاستصحاب عدم الاتيان على المسلك المنصور، فلو فرض انه لم يأت بها بعد فهل يجب القضاء بعد الوقت أم لا؟
ربما يقال: لا يجب بالتقريب الذي تقدم و الحق أن يفصل في المقام بأن يقال على القول بأن المقتضي لوجوب الاتيان و المدرك له ان كان استصحاب عدم الاتيان كما هو مختارنا يجب القضاء لاحراز الفوت و أما على القول بأن وجه وجوب الاتيان قاعدة الاشتغال كما هو المشهور بين الأصحاب يشكل الجزم بالوجوب لأن قاعدة الاشتغال عبارة عن حكم العقل بلزوم الاتيان بالواجب في ظرف الشك لكن لا دليل على بقاء التكليف فيشك في الفوت و مع الشك فيه لا تصل النوبة الى الأخذ بدليل وجوب القضاء لأنه من الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية فلاحظ.
الجهة الثامن عشرة فى الامر بالامر بالشىء:
وقع الكلام بين القوم في أنه هل الأمر بالامر بشيء امر بذلك الشيء أم لا فنقول:
لا اشكال في أن مقتضى الظهور العرفي انه أمر بذلك الشيء و ان المأمور الأول واسطة في ايصال أمر المولى الى المأمور الثاني كالأوامر الصادرة عن اللّه تعالى الى العباد بواسطة الأنبياء و الرسل و يترتب على هذا البحث ثمرة فقهية و هو كون عبادات الصبي مشروعة حيث أمر الامام(عليه السلام)الأولياء بأمرهم الصبيان بالصلاة بقوله(عليه السلام)مروا صبيانكم بالصلاة، و ربما يقال: يمكن اثبات المطلوب بطريق آخر و هو أن الأمر الوجوبي مركب من الطلب و الالزام، و حديث الرفع يرفع الالزام عن الصبي و يبقى اصل الطلب بحاله، و فيه: أن التكليف و لو كان استحبابيا يقتضي الكلفة و مقتضي المنة رفعه على الاطلاق، و ثانيا: ان الأمر الوجوبي ليس مركبا بل عبارة عن اعتبار المولى الفعل في ذمة المكلف و عدم ترخيصه في الترك فلا مجال للتقريب المذكور و على الجملة ان الظاهر من الأمر بالأمر كون المأمور الثاني مأمورا من قبل المولى هذا بحسب مقام الاثبات و الظهور العرفي و لو وصلت النوبة الى الشك يكون مقتضى البراءة الشرعية و قبح العقاب بلا بيان عقلا عدم
الوجوب فلاحظ.
الجهة التاسع عشرة فى ان الامر ثانيا قبل امتثال الامر الاول هل يكون تأكيدا او يكون تأسيسا
فنقول اذا ورد امر بشيء بعد الأمر به قبل امتثال الأمر الاول فتارة علق كل من الأمرين على سبب غير ما علق عليه الأمر الآخر كما لو قال ان بلت فتوضأ، ثم قال ان نمت فتوضأ و اخرى يعلق احدهما على سبب و لم يعلق الآخر على سبب كما لو قال ان بلت فتوضأ ثم قال: توضأ و ثالثة يعلق كل واحد من الأمرين على سبب واحد كما لو قال ان بلت فتوضأ ثم قال ان بلت فتوضأ و رابعة لا يعلق شيء منهما على السبب كما لو قال توضأ ثم قال توضأ، أما الصورة الاولى و الثانية فيقع الكلام فيهما في بحث المفاهيم إن شاء اللّه.
و أما الصورة الثالثة و الرابعة فقد وقع الكلام بين القوم في أن المستفاد من الأمر الثاني التأسيس أو المستفاد منه التأكيد للأمر الاول الذي يمكن أن يقال: ان المستفاد منه بحسب الفهم العرفي التأكيد و السر فيه ان المادة في الأمر الثاني لم يقيد بقيد فكلا الأمرين تعلقا بأصل الطبيعة و لازمه التأكيد، و ان شئت فقل: ان الظاهر من الأمر الثاني ان المطلوب فيه هو المطلوب من الأمر الاول فطبعا لا يكون إلّا تأكيدا له و ان أبيت عن هذا التقريب و قلت ان الهيئة ظاهرة في التأسيس فلا وجه لرفع اليد عن ظهورها فيه، قلت الهيئة ترد على المادة و تركبها فتكون المادة قرينة على كون المراد من الهيئة التأكيد كما ان الأمر كذلك في كل مورد يكون احد الأمرين قرينة على الآخر أو فقل يكون احد الظهورين معارضا و مزاحما للظهور الآخر و بالنتيجة يصير اللفظ مجملا و المرجع اصالة البراءة فعلى كلا التقريبين لا يكون الأمر الثاني تأسيسا.
المقصد الثانى: فى النواهى
و الكلام فيه يقع في جهات:
الجهة الاولى في معنى النهى:
قال في الكفاية:
ان معنى النهي بعينه هو معنى الأمر غاية الأمر مفاد الأمر طلب وجود الفعل و مفاد النهي طلب ترك الفعل و توهم ان الترك غير اختياري فيكون متعلق النهى الكف عن الفعل مدفوع، بأن الترك مقدور بقاء و إلّا لم يكن وجود الفعل اختياريا ايضا هذا ملخص ما أفاده في الكفاية.
و يمكن ان يقال ان مفاد صيغة افعل ابراز الاعتبار النفساني فان المولى يعتبر الفعل كالصلاة في ذمة المكلف و ببرز الاعتبار المذكور بقوله صل مثلا، و أما في باب النواهي يعتبر حريما بين الفعل و المكلف و يعتبر حرمانه عن ذلك و يبرز ذلك الاعتبار بقوله لا تشرب الخمر مثلا، و بعبارة واضحة: تارة يشتاق المولى الى فعل و له غرض في تحقق الفعل و صدوره عن المكلف فيعتبر ذلك الفعل في ذمة المكلف و يبرز ذلك الاعتبار بصيغة الأمر و اخرى ينزجر عن الفعل و يريد عدم صدوره عن المكلف فيعتبر كون المكلف محروما عنه و يعتبر حريما بين المكلف و ذلك الفعل، و يبرز ذلك الاعتبار بصيغة النهي فيصح أن يقال ان متعلق الأمر و النهي واحد و هو عبارة عن الفعل غاية الأمر تارة يعتبر الفعل في ذمته فيكون مصداقا للأمر و اخرى يعتبر حريما بين المكلف و الفعل فيكون مصداقا للنهي.
و صفوة القول: ان الفرق بين صيغة الأمر و صيغة النهي ان الاولى وضعت لابراز الفعل في ذمة المكلف و بعبارة واضحة: ان الواضع يتعهد بأنه كلما أراد أن يبرز و يظهر انه في مقام ابراز اعتبار الفعل في ذمة المكلف يتكلم بهذه الكلمة اي يتلفظ بهذه الصيغة و ايضا يتعهد الواضع بأنه اذا أراد أن يبرز كونه في مقام ابراز اعتبار حرمان المكلف عن الفعل يتلفظ بصيغة النهي فالأمر مبرز لاعتبار كون الفعل في ذمة
المكلف و النهي مبرز لاعتبار المولى حرمان المكلف عن الفعل اي صيغة الأمر موضوعة لابراز ان المتكلم في هذا المقام و صيغة النهي مبرزة لكون المولى في مقام ابراز جعل الحريم بين الفعل و المكلف فالأمر يغاير النهي في المفاد و المعنى، تعم متعلق كل واحد منهما عين متعلق الآخر.
بقى شيء و هو انه ما الوجه في أنه يكفي لامتثال الأوامر اتيان فرد من الطبيعة التي امر بها و أما في باب النواهي فلا يسقط النهي بالانزجار عن فرد دون فرد، و بعبارة اخرى: المستفاد من النهي حرمة جميع الأفراد بحيث لو عصى المكلف لا يكون النهي ساقطا بل يحرم بعد العصيان ايضا، و يمكن أن ما أفاده في الكفاية في هذا المقام تام و هو ان مقتضى مقدمات الحكمة في ناحية الأمر الاكتفاء بفرد واحد من الطبيعة فانه لو تمت المقدمات يصح أن يقال ان المأمور به انطبق على أول وجود تحقق من تلك الطبيعة المأمور بها و بعد الانطباق يكون الاجزاء عقليا و أما في ناحية النواهي فمقتضى الاطلاق و مقدمات الحكمة شمول الحكم و انحلاله لكل موضوع و متعلق، فاذا قال المولى لا تشرب الخمر يكون مقتضى الاطلاق ترتب الحرمة على كل خمر فسقوط النهي بالنسبة الى خمر فلاني يحتاج الى الدليل و كذلك ينحل الحكم بانحلال متعلقه فاذا قال لا تكذب يكون كل كذب حراما بلا فرق بين أفراده و مقتضى الاطلاق بقاء النهي حتى بعد العصيان و بعبارة واضحة: عدم اختصاص النهي باول وجود من الطبيعة بل مقتضى الاطلاق النهي عن ايجاد الطبيعة مطلقا و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الوجود الأول و الثاني و الثالث و هكذا فلاحظ.
الجهة الثانية فى اجتماع الامر و النهى:
قال في الكفاية: اختلفوا في جواز الاجتماع في واحد، و امتناعه على أقوال:
ثالثها: الجواز عقلا و الامتناع عرفا.
و عنوان البحث يوهم امكان اجتماع الأمر و النهى في شيء واحد و الحال ان التنافي بين الأمر و النهي و امتناع اجتماعهما من الواضحات، و انما الكلام في أن تعدد العنوان هل يوجب عدم تسرية الحكم من متعلق احدهما الى متعلق الآخر أم لا؟
و بعبارة واضحة: لو تعلق النهي بطبيعة و تعلق الأمر بطبيعة اخرى هل يسري احدهما الى متعلق الآخر ام لا؟ فذهب بعض الى الجواز بدعوى ان تعدد العنوان يكفي في عدم السراية و لو كان المعنون واحدا و ذهب آخر الى عدم الجواز بتقريب ان احد الحكمين يسري الى متعلق الآخر فلا يجوز اجتماع الأمر و النهي، و قال ثالث انه يجوز عقلا و يمتنع عرفا بتقريب ان متعلق احدهما غير متعلق الآخر فيجوز و أما العرف فحيث يرى عدم انفكاك احدهما عن الآخر لا يجوزه و لا يخفى انه ليس للعرف في هذا الباب سبيل فان البحث عقلي فلو جوزه العقل لا أثر لحكم العرف بالامتناع كما انه لو أدرك العقل امتناعه لا سبيل الى حكم العرف بالجواز.
و صفوة القول: ان البحث في المقام بحث عقلي صرف و هو ان الوجود الواحد اذا تعدد عنوانه هل يمكن تعلق الأمر باحد عنوانيه و تعلق النهي بعنوانه الآخر و ببيان أوضح: هل يكون تعدد العنوان موجبا و مؤثرا لارتفاع غائلة اجتماع الضدين أم لا؟ و عليه لا يكون مجال لحكم العرف بالجواز أو الامتناع فان العرف محكم في باب استفادة المفاهيم من الألفاظ و المقام اجنبي عن ذلك الباب فلا تغفل.
[في ذكر أمور]
و قال صاحب الكفاية: قبل الخوض في المقصود تقدم أمور:
الاول: [بيان المراد بالواحد الذي تعلق به الأمر و النهي]
ان المراد من الواحد في محل الكلام مطلق ما كان ذا عنوانين بأحدهما يكون موردا للأمر و بالآخر يكون موردا للنهي و ان كان كليا قابلا للشمول بأن يكون قابلا للانطباق على كثيرين كالصلاة في الدار المغصوبة فان الصلاة بهذه الصفة أمر كلي
مورد للنهي و الأمر، و بعبارة واضحة: أنه لا مجال للبحث فيما يكون مورد الأمر اجنبيا عن مورد النهي كما لو أمر المولى بقتل المرتد الفطري و نهى عن قتل المؤمن فان متعلق أحد الحكمين غير متعلق الآخر و لا وحدة بينهما الا بالنوع أي انهما واحد بالواحد النوعي و أما الصلاة في الدار الغصبية فكلي و مع ذلك مورد للأمر و النهي و لتوضيح المدعى نقول: الواحد قد يكون شخصيا كوجود زيد و اخرى يكون نوعيا كمفهوم الانسان و ثالثة يكون جنسيا كالحيوان و الوحدة في هذه الأقسام وحدة حقيقية لا مجازية و قد يكون الوحدة واحدا بالنوع كما يقال زيد و بكر واحد بالنوع و الحال ان زيدا و بكرا متباينان و ان شئت قلت: ان التوصيف بالوحدة في هذه الموارد توصيفا بحال المتعلق و الوحدة المبحوث عنها في المقام، القسم الاول، و لذا نقول يقع الكلام في جواز اجتماع الأمر و النهي في الصلاة في الدار المغصوبة فان هذا العنوان عنوان واحد، و أما السجود له تعالى و السجود للصنم فلا يقعان موردا للبحث لأن كل واحد منهما اجنبي عن الآخر و لا اتحاد بينهما الا بالنوع فانهما واحد بالنوع لا واحد نوعي.
الثاني: ان الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي عن العبادة
ان البحث في تلك المسألة كبروية و هي ان النهي عن العبادة هل يوجب فسادها أم لا، و البحث في هذه المسألة في الصغرى و هي أنه هل يسري النهي من متعلقه الى ما تعلق به الأمر أم لا يسرى فاذا قلنا بعدم جواز اجتماعهما و رجحنا ناحية الأمر يصير المقام من صغريات تلك المسألة فبهذا النحو لا بد أن يميز لا بما ميزه في الفصول حيث قال على ما نقل عنه: ان الفرق بين المقامين أما في المعاملات فظاهر حيث أنه لا أمر في باب المعاملات و أما في العبادات فبأن يتعلق الأمر بطبيعة و النهى بطبيعة اخرى بلا فرق بين ان تكون النسبة بينهما بالعموم من وجه أو بالعموم المطلق و أما في مسألة النهي عن العبادة فان متعلقهما واحد و الفرق بالاطلاق و التقييد فانه
يرد عليه ان مجرد التغاير بالنحو المذكور، لا يقتضي تعدد المسائل بل الميزان في التعدد و الوحدة التمايز بالجهة، و أما ما افيد من ان البحث في المقام عقلى و هناك لفظي، ففيه: ان البحث هناك أيضا عقلي مضافا الى أنه يمكن عقد مسألة واحدة و البحث فيها تارة من حيث العقل و اخرى من حيث النقل.
الثالث: [في كون مسئلة الاجتماع أصولية]
ان هذه المسألة هل هى من المسائل الاصولية أو من المسائل الفقهية أو من المسائل الكلامية أو من المبادي التصديقية أو من المبادي الأحكامية؟ ربما يقال انها من المسائل الفقهية اذ البحث في هذه المسألة عن عوارض فعل المكلف أي الصحة و الفساد.
و فيه: ان البحث في هذه المسألة عن سراية النهي الى متعلق الأمر و عدمها و تكون النتيجة صحة فعل المكلف على القول بالجواز.
و ربما يقال: انها من المسائل الكلامية بتقريب ان البحث فيها في أن اللّه تعالى هل يمكن أن يأمر بشيء و ينهى عنه، و فيه: ان البحث في هذه المسألة عن سراية النهي الى متعلق الأمر و مجرد امكان عقد المسألة بحيث تكون كلامية لا يوجب كونها كلامية و عدم كونها اصولية بلحاظ آخر.
و ربما يقال: انها من المبادي الأحكامية فان المبادي الأحكامية عبارة عن بحث أحوال الأحكام كان يبحث في أن وجوب شيء هل يستلزم وجوب مقدمته و في المقام يبحث في جواز اجتماع الوجوب و الحرمة في شيء واحد، و فيه: أنه لا مجال لهذا البحث فان المبادي اما تصورية أو تصديقية فان المبادي التصورية عبارة عن تصور الموضوعات و تصور المحمولات، و المبادي التصديقية عبارة عن القضايا التي توجب العلم بثبوت المحمولات للموضوعات و بهذا الاعتبار تكون المسائل الاصولية مبادي تصديقية للمسائل الفقهية فلا مجال للمبادي الأحكامية