فيما لا مندوحة، و المفروض ان صوم يوم العاشوراء الذي يكون مورد الاستدلال لا تكون له مندوحة. و فيه: انه قد مر ان وجود المندوحة و عدمها لا دخل لهما في الجواز و عدمه، فان الميزان في الجواز و العدم تعدد المتعلق و كون التركيب انضماميا و اتحاديا فان كان التركيب انضماميا يكون الاجتماع جائزا و ان كان التركيب اتحاديا لا يكون جائزا لاجتماع الضدين و لا فرق فيه بين وجود المندوحة و عدمها.
و أجاب عن الاستدلال على نحو التفصيل و قال ان العبادات المكروهة على اقسام ثلاثة: القسم الاول: ما تعلق به النهي و لا بدل له كصوم يوم عاشوراء مثلا، القسم الثاني، ما يكون النهي متعلقا بعنوانه كالقسم الاول و كان له البدل كالنهي عن الصلاة في الحمام، القسم الثالث، ما تعلق به النهي لا بذاته بل بما هو مجامع معه وجودا أو ملازم معه خارجا كالصلاة في مواضع التهمة بناء على كون النهي لأجل اتحاد الصلاة مع الكون في تلك المواضع.
أما القسم الاول، فحيث ان العبادة صحيحة بالاجماع يكون النهي عن الفعل اما لاجل ان الترك أرجح من الفعل من جهة كون الترك بنفسه ذا مصلحة فكما ان الفعل يكون ذا مصلحة يكون الترك كذلك، و بعبارة اخرى الترك كالفعل يكون فيه المصلحة فيقع التزاحم بين الفعل و الترك فان كان احد الطرفين أرجح يتعين و إلّا يتخير بين الفعل و الترك، و اما لأجل ملازمة الترك لعنوان ارجح.
و أورد عليه الميرزا النائيني على ما في التقرير بأنه لو وقع التزاحم بين الفعل و الترك يكون الأمر تابعا لما هو الاقوى، و أما مع عدم اقوائية احد الأمرين على الآخر يسقط الامر و لا يعقل الأمر بهما لا على نحو التعيين و لا على نحو التخيير أما الأول، فلاجل استحالة الجمع بين النقيضين و أما الثاني، فلاجل استحالة تحصيل الحاصل و قس عليه الضدين اللذين لا ثالث لهما و المتلازمين في الوجود فانه لا يعقل أن
يؤمر باحدهما و ينهى عن الآخر لا على نحو التعيين و لا على نحو التخيير، أما الاول فلعدم امكان الجمع بين وجود احدهما و ترك الآخر، و أما الثاني فلتحصيل الحاصل و يرد عليه: ان المقام لا يكون داخلا تحت الأقسام المذكورة في كلامه و ذلك لأن الملاك ليس قائما بطبيعي صوم يوم عاشوراء بل الملاك قائم بخصوص الحصة الخاصة و هو الصوم مع قصد القربة فلا مجال لأن يقال انه لا يمكن أن يجعل الحكم لهما اذ لا مانع من أن يكون كل منهما مستحبا كبقية المستحبات المتزاحمة فان المكلف يمكنه أن يصوم بقصد القربة و يمكنه أن يترك الصوم و يمكنه أن يختار الشق الثالث بأن يصوم لا عن قصد القربة.
فانقدح: ان ما أفاده صاحب الكفاية في هذا القسم لا يرد عليه ما أورده الميرزا و أما القسم الثاني، فافاد في الكفاية بأنه يمكن أن يجاب عنه بعين ما اجيب به عن القسم الاول كما انه يمكن أن يجاب عنه بجواب آخر، و هو ان النهي عن العبادة في هذا القسم للارشاد الى ما هو أفضل و هو الفرد الآخر من الطبيعة فالنهي عن الصلاة في الحمام للارشاد الى ما هو أفضل و اكثر ثوابا توضيح المقام ان النهي المتعلق بالطبيعة المأمور بها تارة يكون للارشاد الى المانعية و ان الفرد الفلاني غير قابل لأن يقع مصداقا للمأمور به كالنهي عن الصلاة في غير ما يؤكل لحمه و اخرى يكون لأجل كون متعلقه مبغوضا شرعا كالنهي عن الصلاة في المغصوب و في هذا القسم يكون النهي مولويا و ثالثة يكون النهي للارشاد الى الأفضل و اكثر ثوابا و تكون العبادة في الصورة الاولى و الثانية باطلة.
أما في الصورة الاولى، فلأجل المانعية و أما في الصورة الثانية فلأجل حكم العقل بأن المبغوض لا يمكن أن يتحقق به الامتثال و أما في الصورة الثالثة فتكون العبادة تامة صحيحة لوجود المقتضي و عدم المانع غاية الامر تكون العبادة اقل ثوابا لمنقصة في الفرد و لتوضيح المدعى نقول: اذا امر المولى عبده بأن يسقيه،
فتارة يأتي العبد الماء في ظرف من البلور و اخرى يأتي به في ظرف من النحاس و ثالثة يأتي به في ظرف سفالي فانه يتحقق الامتثال في جميع الصور، غاية الأمر يكون الإتيان في الصورة الاولى أفضل الأفراد و في الصورة الثالثة يكون اقل ثوابا و قال سيدنا الاستاد في هذا المقام على ما في التقرير: انه لا وجه للقول بأن النهي في هذا القسم للارشاد لأنه ان كان في الفرد نقصان و بعبارة اخرى مرجوح في نظر الشارع يكون النهي مولويا و ان لم يكن في الفرد نقصان فلا وجه للارشاد الى غيره هذا ملخص ما أفاده.
و يرد عليه: ان وجود الفرد في الخارج عين وجود الطبيعي و بعبارة اخرى:
التركيب بين الطبيعي و الفرد تركيب اتحادي لا انضمامي فلا يعقل أن يكون الطبيعي محبوبا و الفرد مكروها و إلّا يلزم اجتماع الضدين فلا مجال لأن يقال ان وجود الفرد مرجوح في نظر الشارع و مع ذلك يحصل به الامتثال بل لا بد من القول بان الطبيعي في كل واحدة من الصور الثلاث يفي بالغرض و يحصل به الامتثال غاية الأمر، ان الصورة الاولى افضل من الصورة الثانية و الثالثة و الصورة الثانية افضل من الصورة الثالثة، و ما أفاده سيدنا الاستاد ان كان صحيحا يلزم ان تكون العبادة صحيحة و لو في ضمن الفرد المحرم و هو كما ترى.
صفوة القول: ان الفرد و الطبيعي ان كانا موجودين في الخارج بوجود واحد فلا يعقل أن يتعلق بذلك الوجود حكمان مختلفان للزوم اجتماع الضدين و ان كانا موجودين بوجودين فلا فرق بين الحرمة و الكراهة اذ كما يجوز أن يتعلق الوجوب بالطبيعي و الكراهة بالفرد كذلك يجوز أن يتعلق الوجوب بالطبيعي و الحرمة بالفرد فلاحظ.
ان قلت: الفرق بين النهي الكراهي و النهي التحريمي ان الاول فيه ترخيص في الفعل فلا مانع من حصول الامتثال به و أما النهى التحريمي فليس فيه ترخيص
فلا يمكن الامتثال به قلت: الاشكال ليس من ناحية الامتثال كي يجاب بما ذكر بل الاشكال في المبدأ فان المولى كيف يحب الفرد الكراهي و كيف يمكن أن يجتمع الحب و الكراهة و الحال ان اجتماع الضدين محال.
و أما القسم الثالث، فأفاد في الكفاية بأنه ان قلنا بالجواز و كان متعلق الأمر غير متعلق النهي يكون النهي الكراهي متعلقا بما لا يكون متعلقا للأمر و لا مجال للايراد و الاشكال و أما على القول بالامتناع فان كان النهي متعلقا باللازم للمأمور به فأيضا لا يتوجه الاشكال اذ المفروض تعدد متعلقي الأمر و النهي، و أما على القول بالاتحاد و ترجيح جانب الأمر كما هو المفروض يكون النهي المتعلق به ارشادا الى الإتيان في ضمن الفرد الآخر، و بعبارة اخرى يكون حال النهي فى هذا القسم بعين القسم الثاني بلا فرق.
الوجه الثاني من وجوه الاستدلال على الجواز:
ان المولى لو أمر عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان كذا فخاط العبد الثوب في ذلك المكان يعد في نظر العرف مطيعا و عاصيا فالاجتماع جائز.
و يرد عليه: ان المثال المذكور خارج عن المقام فان الكلام في جواز اجتماع الأمر و النهي و في المثال المذكور يكون متعلق النهي الكون في المكان الكذائي و متعلق الأمر الخياطة فكل واحد من المتعلقين متمايز عن الآخر و غير متحد معه و مع عدم الاتحاد لا مجال لتوهم الاشكال و لذا لو صلى زيد و في اثناء الصلاة ينظر الى الاجنبية تكون صلاته صحيحة بلا كلام، مضافا الى أن البرهان قائم على الامتناع و لا مجال لرفع اليد عن البرهان بالصدق العرفي و أفاد سيدنا الاستاد في المقام بأن الغرض يحصل بالخياطة باي وجه تحققت في الخارج فلا يرتبط بمسألة جواز الاجتماع و عدمه.
و يرد عليه: ان الكلام في تحقق الامتثال لا في تحقق الغرض، و بعبارة اخرى
المدعي يدعي جواز الاجتماع بحكم العرف و حصول الغرض لا يرتبط بالامتثال و على الجملة الكلام في أنه هل يمكن أن يكون الوجود الواحد مصداقا للامر و النهي فما أفاد غير سديد.
الوجه الثالث من وجوه الاستدلال: ما نسب الى القمي(قدس سره)
و هو ان الفرد مقدمة للطبيعي و من ناحية اخرى لا تكون واجبة فلا مجمع للأمر و النهي كى يمتنع و بعبارة واضحة ان الأمر متعلق بالطبيعي و الفرد الخارجي مقدمة لذلك الطبيعي فما يكون حراما و هو الفرد لا يكون واجبا و ما يكون واجبا غير متعلق النهى فاين التلاقي بين الامر و النهي و على فرض التنزل نقول الامر المقدمي يجتمع مع النهي النفسي فعلى تقدير القول بكون المقدمة واجبة لا يتوجه اشكال لجواز اجتماع النهي النفسي مع الامر المقدمي.
و أورد عليه سيدنا الاستاد اولا بأن الفرد عين الطبيعي و لا مجال لأن يقال ان الفرد مقدمة له و بيان اوضح: ان المقدمية تستلزم الاثنينية في الوجود و الحال ان الفرد عين الطبيعي في الخارج.
و ثانيا: ان الوجوب المقدمي ينافي الحرمة النفسية اقول أما ما أفاده اولا ففي غاية الصحة بالتقريب الذي تقدم، و أما ما أفاده ثانيا، فليس تاما اذ الاشكال اما من ناحية المبدأ و اما من ناحية المنتهى، و بعبارة اخرى: الاحكام في حد نفسها لا تضاد بينها كما سبق و قلنا التضاد من الأمور العارضة للاشياء الخارجية و أما الأمور الاعتبارية فلا مجال لتحقق التضاد بينها فان الاعتبار خفيف المئونة فالاشكال اما من ناحية المولى حيث لا يمكن أن يتعلق حبه و بغضه معا بالنسبة الى شيء واحد لاستحالة اجتماع الضدين و اما من ناحية العبد حيث لا يمكن له أن يجمع بين المتنافيين و شيء من الأمرين لا يلزم في المقام أما من ناحية المبدأ فلا يتوجه الأشكال لأن المقدمة و ان كانت مأمورا بها لكن لا تكون محبوبة فلا يلزم اجتماع الضدين و أما من ناحية المنتهى
أي من ناحية العبد فحيث انه لا تنحصر المقدمة بالحرام يمكنه الامتثال في ضمن فرد آخر فلا اشكال.
الوجه الرابع من وجوه الاستدلال:
انه لا مجال للاشكال اذ فرق بين متعلق النهي و بين متعلق الأمر، فان النهي عن طبيعة كالغصب ينحل الى نواهي عديدة فكل فرد من أفراد الغصب حرام، و أما الأمر فهو يتعلق بالطبيعة و لا يجب كل فرد من أفراده فمتعلق احدهما غير متعلق الآخر.
و يرد عليه: ان الاشكال تمام الاشكال في عدم امكان أن يكون وجود واحد مصداقا للمأمور به و مصداقا للمنهي عنه لاستحالة اجتماع الضدين، فان المبغوض كيف يمكن أن يكون محبوبا.
و ينبغي التعرض لعدة جهات:
[الجهة الأولى: في الفرق بين ان يكون التركيب بين المحرم و الواجب انضماميا او اتحاديا]
الجهة الاولى في أن المكلف لو اختار الفرد المحرم و باختياره أتى بالواجب في ضمن ذلك الفرد مثلا لو كان المكلف قادرا أن يصلي في المكان المباح و غير مضطر الى الغصب و لكن باختياره دخل الدار المغصوبة و صلى فيها فان قلنا بكون التركيب بين الصلاة و الغصب انضماميا تكون صلاته صحيحة لعدم ما يقتضي فسادها، و ان قلنا بكون التركيب اتحاديا تكون صلاته فاسدة و هذا ظاهر واضح.
الجهة الثانية: فيما لا يمكن للمكلف الاتيان بالواجب الا مع ارتكاب المحرم
كما لو توقف انقاذ المؤمن الغريق على التصرف في مال الغير بدون اذنه و هذا من صغريات باب التزاحم و اللازم اجراء احكامه و نتعرض لاحكامه و مرجحاته في باب التعادل و الترجيح إن شاء اللّه.
الجهة الثالثة: في حكم من يضطر الى ارتكاب المحرم
كمن توسط الدار المغصوبة و لا يمكنه الخروج عنها و لا بد من الاتيان بالصلاة فيها و يقع الكلام في هذه الجهة في مقامين:
[المقام الاول: في الاضطرار الناشئ بغير سوء الاختيار]
احدهما: في الاضطرار الناشئ بغير سوء الاختيار، ثانيهما: الاضطرار الناشئ عن سوء الاختيار، و الكلام في المقام الاول يقع في موضعين:
احدهما: في حكم الحرام المضطر اليه، ثانيهما: في حكم الصلاة الواقعة في المغصوب، أما الكلام في الموضع الاول: فنقول لا اشكال في سقوط الحكم عن المضطر و عدم توجيه التكليف اليه و قد دل على المدعى بعض النصوص لاحظ ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: اذا حلف الرجل تقية لم يضره اذا هو اكره و اضطر اليه و قال: ليس شيء مما حرم اللّه الا و قد احله لمن اضطر اليه[1]فلا يحرم التصرف في مال الغير بلا اذنه.
و أما الموضع الثاني فقد قرر في محله ان الأمر ظاهر في الوجوب المولوي و النهي ظاهر في الحرمة المولوية و لكن يقولون ان الأوامر و النواهي الواردة في بابي العبادات و المعاملات ارشاد الى الجزئية و الشرطية و المانعية، فلو قال المولى اركع في صلاتك، يفهم كون الركوع جزءا من الصلاة، و لو قال لا تصل فيما لا يؤكل لحمه يفهم ان الصلاة تبطل في غير المأكول، و الوجه فيه انه يفهم ان الأمر أو النهي ليس مولويا، و بعبارة اخرى الوجه في الحمل على الارشاد قيام الدليل على عدم المولوية و على هذا الاساس لو صلى المكلف في المنهي عنه بالنهي الارشادي الى المانعية تكون صلاته باطلة حتى في صورة الاضطرار فلو اضطر أن يصلي في غير المأكول و لم تكن مندوحة يكون مقتضى القاعدة سقوط وجوب أصل الصلاة لعدم امكان الأمر بغير المقدور لكن قد ثبت في خصوص الصلاة بالنص و الاجماع انها لا تسقط بحال فلا بد من الاتيان بها بالمقدار الممكن.
و صفوة القول ان مقتضى القاعدة الاولية ان مقتضى النهي الارشادي بطلان المركب المنهي عنه بلا فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار. و أما لو كان النهي
[1]الوسائل، الباب 12، من ابواب الايمان، الحديث: 18
مولويا فلا يكون المركب باطلا الا مع تحقق الحرمة و تنافيها مع الصحة و المفروض في المقام كون النهي مولويا و التخصيص عقلي بلحاظ عدم امكان الجمع بين قصد القربة و كون المقرب به حراما فعليه تارة نقول بأن التركيب انضمامي و اخرى نقول بأنه اتحادي، أما على الأول فلا وجه للبطلان لأن المفروض ان متعلق الأمر غير متعلق النهي فلا مقتضي للبطلان، و أما على الثاني فلأن المفروض عدم الحرمة فلا وجه للبطلان، و بعبارة اخرى: الموجب للبطلان عدم امكان اجتماع الامر و النهي في وجود واحد و المفروض سقوط النهي و عدم كون الفعل حراما.
و ذهب جماعة منهم الميرزا النائيني على ما في التقرير الى عدم الجواز و بطلان العبادة و أفاد في مقام الاستدلال على المدعى، بأن النهي المتعلق بالعبادة تارة يكون ارشادا الى مانعية الشيء الفلانى، كما لو قال المولى لا تصل فيما لا يؤكل لحمه و في هذه الصورة تكون الصلاة الواقعة في غير المأكول فاسدة و لو اضطر المكلف الى الصلاة فيه يكون مقتضى القاعدة الاولية هو البطلان لانتفاء المأمور به بوجود المانع و لكن في خصوص الصلاة قام الدليل على أنها لا تسقط بحال و اخرى: يكون النهي نهيا نفسيا و استفادة قيد العدم في المأمور به من باب مزاحمة المأمور به مع المنهي عنه بمعنى أن المكلف لا يمكنه الجمع بين التكليفين فتقع المزاحمة بينهما فعلى تقدير تقديم جانب النهي يسقط الامر، لكن في هذه الصورة لو خالف المكلف و عصى و ارتكب الحرام و أتى بالواجب يصح بقاعدة الترتب.
و ثالثة: أن يكون النهي نهيا نفسيا، فيدل النهي على الحرمة بالمطابقة و على التقييد بالالتزام و في هذه الصورة تكون العبادة باطلة و لو مع سقوط الحرمة، و الوجه فيه ان دلالة النهي على الحرمة و على التقييد في رتبة واحدة، و بعبارة اخرى ان التقييد و الحرمة معلولين للنهي في رتبة واحدة و لا سبق للحرمة على التقييد فلا يكون القيد معلولا للحرمة كى يزول بسقوطها.