و أما القول الثالث فتقريبه: ان الخروج مصداق للتخلص فيجب و حيث انه تصرف في مال الغير يحرم بالنهي السابق الساقط بالاضطرار فهذا الفعل أي الخروج واجب بالايجاب الفعلي و حرام بالتحريم السابق الساقط بالفعل.
و يرد عليه: ان اجتماع الحرمة و الوجوب في شيء واحد في زمان واحد أمر غير معقول و لا يمكن لا من ناحية المبدأ و لا من ناحية المنتهى، أما من ناحية المبدأ فلأن المولى لا يمكن أن يكون شيء واحد مبغوضا عنده و محبوبا كذلك لاستحالة اجتماع الضدين و أما من ناحية المنتهى، فلا يمكن للعبد أن يجمع بين الوجود و العدم بأن يمتثل الأمر و ينزجر عن النهي، فصدور الأمر و النهي كلاهما من المولى أمر قبيح و القبيح لا يصدر عن الحكيم فانه اجل من أن يصدر عنه اللغو، و لا فرق بين كون كلا الحكمين متقارنين زمانا أم لا، فان الميزان بوحدة زماني الوجوب و الحرمة لا بزماني الايجاب و التحريم.
ان قلت: اذا لم يكن اختلاف زماني الحكمين مؤثرا فكيف يجوز الالتزام بالكشف في باب الاجازة حيث ان الاجازة المتأخرة توجب الانقلاب.
قلت: لا وجه للمقايسة بين المقامين فان الحكم التكليفي تابع للملاك في المتعلق و أما الحكم الوضعي فهو تابع للملاك في نفس الجعل فلو باع الفضولي مال زيد من بكر و بعد مضي شهر أمضى المالك عقد الفضولي لا مانع من الالتزام بالكشف الانقلابي بأن نقول ما دام لم يتحقق الاجازة يكون المبيع ملكا لمالكه و أما من زمان الاجازة فيحكم بكونه ملكا للمشتري و لا منافاة بين الجعلين و تفصيل الكلام موكول الى بحث الفضولي.
و أما القول الرابع فتقريب الاستدلال عليه ان المقام داخل في كبرى قاعدة وجوب رد المال الى مالكه و لا يرتبط بقاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، نعم، لو كان داخلا تحت القاعدة الثانية كان مقتضاه عدم كون الخروج محكوما
بحكم من الأحكام و كان يجري عليه حكم المعصية كما هو القول الخامس فالقائل بالقول الرابع قائل بأمور ثلاثة: الأمر الأول انه على تقدير أن يكون المقام داخلا في قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار يكون الحق هو القول الخامس، و هو ان الخروج لا يكون محكوما بحكم و يجري عليه حكم العصيان و الدليل على هذه الدعوى بطلان الأقوال الثلاثة السابقة فانه لا يمكن أن يكون الخروج حراما و لا مجال للخطاب التسجيلي بأن يسجل الخطاب استحقاق العقاب عليه كما مر الكلام حوله و لا يمكن أن يكون واجبا و حراما أعم من أن يكون زمان الجعلين واحدا أو متعددا فيكون الخروج منهيا بالنهي السابق الساقط بالاضطرار و يجري على الخروج حكم المعصية اذ فرض ان الاضطرار بسوء الاختيار.
و الأمر الثاني: ان المقام لا يكون داخلا تحت تلك القاعدة و يستدل على المدعى بوجوه:
الوجه الاول: ان قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تصدق في مورد يعرض الامتناع كما لو القى الانسان نفسه من شاهق فانه بعد الالقاء لا يمكنه أن يحفظ نفسه من الوقوع، و أما في المقام فان المكلف يقدر على الخروج بعد الدخول، نعم يضطر الى الجامع بين الخروج و البقاء و الاضطرار الى الجامع لا يكون اضطرارا الى كل فرد من أفراد الجامع مثلا لو اضطر الشخص الى شرب احد المائعين اللذين يكون احدهما الخمر و الآخر الماء لا يجوز له أن يشرب الخمر بحجية كونه مضطرا الى الشرب اذ يمكنه ان يرتفع الاضطرار بشربه الماء فيبقى حرمة الخمر بحالها.
الوجه الثاني: ان قاعدة الامتناع بالاختيار تختص بمورد لا يكون المقدمة الاعدادية دخيلة في ملاك الحكم كالمسير الى الحج قبل الموسم، فان الخطاب بالحج لا يتوجه الى المكلف قبل الموسم بناء على عدم امكان الواجب المعلق و ملاك الحج لا يختص بمن سار الى مكة بل ملاكه عام حتى بالنسبة الى من لا يسير
و المقام لا يكون كذلك فان ملاك لزوم الخروج يتوقف على الدخول و أما مع عدم الدخول فلا يكون ملاك الحكم موجودا في الخروج فلا يكون المقام داخلا تحت تلك القاعدة.
الوجه الثالث: ان المناط في تلك القاعدة ان الإتيان بالمقدمة الاعدادية يوجب قدرة المكلف على المكلف به فتكون تلك المقدمة موجبة لتوجيه التكليف به و انما يسقط فيما لم يأت المكلف به و حيث ان المفروض ان عدم امكان التكليف ينتهى الى المكلف حيث ترك المقدمة و لم يأت بها يقال الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار و أما في المقام فالاتيان بالمقدمة و هي الدخول في الدار المغصوبة مثلا يوجب سقوط التكليف للاضطرار فمورد القاعدة مع المقام متعاكسان.
الوجه الرابع: ان الخروج واجب في الجملة و لو بحكم العقل و هذا يكشف عن كون الخروج أمرا مقدورا قابلا لتعلق التكليف به و من المعلوم ان كل مورد يكون قابلا لتعلق الحكم به و لو من ناحية العقل لا يكون داخلا تحت قاعدة الامتناع بالاختيار اذ مورد تلك القاعدة ما يكون الفعل غير مقدور و غير قابل للتكليف و بعد فرض امكان تعلق التكليف به لا وجه لعدم تعلق التكليف به شرعا فكون مورد داخلا تحت القاعدة و قابلا لتعلق التكليف به جمع بين المتنافيين، فالنتيجة ان المقام لا يكون داخلا تحت تلك القاعدة.
اذ عرفت ما تقدم نقول: الوجوه المذكورة التي استدل بها على المدعى تبتني على أمرين كلاهما فاسدان، احدهما: توهم اختصاص القاعدة بالتكاليف الوجوبية و الحال ان القاعدة لا تختص بها بل تعم التكاليف التحريمية و الفارق بين التكاليف الوجوبية و التحريمية أن عدم الإتيان بالمقدمة في التكاليف الوجوبية يوجب امتناع الإتيان بالواجب في ظرفه كترك المسير الى الحج الذي يوجب عدم
امكان الإتيان بالحج، و أما في التكاليف التحريمية فالإتيان بالمقدمة يوجب امتناع الانزجار عن الحرام، مثلا الدخول في الدار المغصوبة يوجب امتناع ترك الخروج الذي هو محرم شرعا لكونه غصبا و الحاصل انه لا فرق بين المقامين من هذه الجهة و الميزان في القاعدة المذكورة عدم امكان العمل بالوظيفة أعم من كون الوظيفة وجوبية او تحريمية.
ثانيهما: توهم اختصاص القاعدة بموارد الامتناع التكويني كترك المسير الذي يوجب امتناع الحج تكوينا و الحال انه لا فرق في جريان القاعدة بين الامتناع التكويني و التشريعي، فان الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي فعلى هذا الاساس و فساد كلا الأمرين يتضح فساد الوجوه المذكورة في مقام الاستدلال.
أما الوجه الاول فلبنائه على اختصاص القاعدة بمورد الامتناع العقلي، و حيث ان الخروج غير ممنوع عقلا فلا يدخل المقام تحت القاعدة، لكن قد ظهر فساد المبنى و انه لا فرق بين الممنوع العقلي و الشرعي و حيث ان البقاء ممنوع شرعا يكون كالممنوع عقلا فان الخروج و ان كان أمرا اختياريا عقلا لكن لا مناص عن اختياره اذ امر المكلف دائر بين البقاء و الخروج، و حيث ان الخروج اقل محذورا العقل يلزم باختياره فلا يمكن للمكلف ترك الخروج كما لا يمكنه عدم الوقوع على الارض بعد القاء نفسه عن الشاهق.
و أما الوجه الثاني فيرد عليه ان القاعدة لا تختص بالتكاليف الوجوبية كى يقال ان الخروج قبل الدخول لا ملاك فيه فان الخروج حرام لكونه غصبا و يكون منهيا عنه و لا يكون مأمورا به فلا تغفل.
و أما الوجه الثالث فيرد عليه انه خلط بين مقدمة الواجب و مقدمة الحرام و لم يميز بينهما، فان المكلف اذا اتى بمقدمة الواجب يقدر على الاتيان بالواجب و اذا ترك المقدمة يعجز فانه لو سار الى مكة قبل الموسم يقدر على الحج و اذا ترك المسير يعجز
و أما مقدمة الحرام فان المكلف لو تركها يقدر على ترك الحرام و أما لو اتى بها فلا يقدر على ترك الحرام، فالمناط في كلا المقامين واحد و كلا الموردين داخلان تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
و أما الوجه الرابع فيرد عليه ان حكم العقل بالخروج من باب كونه اقل محذورا.
ان قلت: حكم العقل بلزوم الخروج يكشف عن قدرته عليه فلا مانع من الحكم الشرعي، قلت: ان حكم العقل بالخروج و لو كان كاشفا عن كون الخروج مقدورا لكن قد تقدم ان الممنوع شرعا كالممنوع عقلا و المفروض ان البقاء حرام عليه فلا يمكن أن ينهى عنه فعلا اذ التكليف بالمحال محال لكن حيث ان اضطراره بسوء اختياره يجري عليه حكم الحرام، فيصح أن يعاقب عليه و لا يمكن أن يكون الخروج واجبا شرعا لاجتماع الضدين، نعم لو كان الخروج محكوما بالوجوب كان ما أفاده تاما، فان حكم العقل بالخروج يصحح الوجوب الشرعي و أما حكم العقل بالخروج من باب اختيار اقل المحذورين فلا يصحح المنع الشرعي.
و صفوة القول: ان المكلف لا يقدر على البقاء في الدار المغصوبة بعد الدخول لكونه عدوانا و قلنا ان الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي، فالمكلف لا يقدر على البقاء لكونه حراما فلا يكون قادرا على الخروج و تركه بل يجب بحكم العقل أن يخرج و حكم العقل بالخروج لا يصحح أن ينهى عنه شرعا فان تكليفه بعدم الخروج مع منعه عن البقاء مرجعه الى التكليف بما لا يطاق.
الامر الثالث: من الامور التي قال بها القائل بالقول الرابع وجوب الخروج، و الدليل عليه انه قد ثبت عدم كون المقام داخلا تحت قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا يتم القول الخامس و من ناحية اخرى تقدم بطلان بقية الأقوال، فنقول لا اشكال في حرمة البقاء لكونه غصبا و عدوانا و أما الخروج فهو تخلية بين
المال و مالكه و لا اشكال في وجوب رد المال الى مالكه و الرد في غير المنقولات يحصل بالتخلية فاذا كان الخروج تخلية يجب، و ان شئت قلت ان الذي توسط الدار المغصوبة لا يكون مضطرا الى البقاء كى يقال يسقط عنه النهي بل مضطر الى الجامع بين البقاء و الخروج و المفروض ان البقاء حرام و الخروج واجب لأن البقاء غصب و الخروج تخلية فيكون متعينا.
و يرد عليه: ان التخلية عنوان مضاد للاشغال و الابتلاء فكيف يمكن ان الخروج الذي يكون تصرفا في المغصوب و اشغالا له مصداقا للتخلية و ببيان واضح: عنوان التخلص من الغصب اما عنوان وجودي أي التخلية بين المال و مالكه و اما عنوان عدمي اي ترك الغصب و على كلا التقديرين لا ينطبق على الخروج حيث ان الخروج مصداق للغصب و الاشغال فان كان التخلص عنوانا وجوديا يكون ضدا لعنوان الخروج و التصرف الخروجي و ان كان عنوانا عدميا يكون نقيضا له و من الظاهر عدم صدق الضد أو النقيض على المقابل فان الضد لا ينطبق على الضد لاستحالة اجتماع الضدين كما ان النقيض لا يصدق على مقابله لاستحالة اجتماع النقيضين فالنتيجة ان التخلص يتحقق بالخروج فلا يكون الخروج مصداقا للتخلص و التخلية.
ان قلت: سلمنا ان التخلص لا يكون منطبقا على الخروج بل يتحقق بالخروج و يترتب عليه لكن نقول لا اشكال في أن التخلص عن الغصب واجب و الخروج مقدمة له و مقدمة الواجب واجبة.
قلت: يرد عليه، اولا ان التخلص اما عنوان عدمي أي عدم الغصب و اما عنوان وجودي اي التخلية بين المال و مالكه و على كلا التقديرين لا ينطبق على الكون في الخارج، أما على الأول فظاهر فان العنوان العدمي لا ينطبق على الكون في الخارج و أما على الثاني فائضا لا يكون منطبقا على الكون في الخارج فان التخلص و التخلية لازمان للكون في الخارج لا عينه بحيث ينطبقان عليه فعلى كلا التقديرين يكون التخلص لازما مع الكون في الخارج هذا من ناحية
و من ناحية اخرى لا دليل على لزوم توافق المتلازمين في الوجود توافقهما في الحكم فلا دليل على وجوب الكون في الخارج.
و ثانيا: انه قد ثبت في محله انه لا دليل على كون المقدمة واجبة بالوجوب الشرعي فلا مقتضي لوجوب الخروج لا نفسا و لا مقدمة.
ان قلت: لا اشكال في حرمة شرب الخمر في جميع الحالات لكن لو شرب المكلف مائعا يوجب موته إلّا ان يشرب مقدارا من الخمر فلا اشكال في وجوب شرب الخمر في الصورة المفروضة و المقام كذلك.
قلت: ارتكاب عمل يوجب الاضطرار الى ارتكاب المحرم اما جائز و اما غير جائز و بعبارة اخرى: شرب الخمر بهذه الحيلة اما يجوز و غير منهي عنه في الشريعة المقدسة و اما منهي عنه اما على الاول فيكون خارجا عن المقام و لا يكون ارتكاب العمل المفضي الى شرب الخمر خلاف الوظيفة اذ المفروض ان شرب الخمر جائز في بعض الفروض و لا يكون مبغوضا للشارع، و أما على الثاني، فيكون نظير المقام و نقول شرب الخمر حرام بالتحريم السابق المرتفع بعروض الاضطرار و يجري عليه حكم المعصية و يكون مبغوضا كالخروج عن الدار الغصبية، فتحصل من جميع ما تقدم ان الحق هو القول الخامس بأن نقول الخروج غير محكوم بحكم من الأحكام لكن يجري عليه حكم العصيان فلاحظ.
و أما الموضع الثاني و هو حكم الصلاة حال الخروج
فيقع الكلام من هذه الجهة في فروع: الفرع الاول: ما اذا لم يتمكن من الصلاة خارج الدار اصلا لا مع الركوع و السجود و لا مع الايماء و في هذا الفرض مقتضى القاعدة أن يصلي حال الخروج و يومئ للركوع و السجود كى لا يتصرف في الغصب تصرفا زائدا على مقدار الضرورة هذا على القول بالجواز و عدم اتحاد الغصب و الصلاة و كون التركيب انضماميا واضح اذ المفروض عدم كون الصلاة مصداقا للغصب،
و أما على القول بالامتناع و كون التركيب اتحاديا فمقتضى القاعدة الاولية سقوط وجوب الصلاة لعدم امكان التقرب بالمبغوض و لكن مقتضى قاعدة عدم سقوط الصلاة بحال الالتزام بعدم المبغوضية بهذا المقدار.
و ان شئت قلت: مقتضى وجوب الصلاة في كل حال من ناحية و عدم امكان التقرب بالمبغوض من ناحية اخرى، يوجب الالتزام بارتفاع المبغوضية بهذا المقدار فان الضرورات تقدر بقدرها.
ان قلت: كيف يمكن ارتفاع المبغوضية و الحال ان تصرفه في الغصب منهي عنه بالنهي السابق و النهي تابع للمفسدة في المتعلق الموجبة للمبغوضية و الشيء لا ينقلب عما هو عليه. قلت: نلتزم بعدم كونه منهيا عنه بالنهي السابق و بعبارة اخرى:
نلتزم بالجواز من اول الامر و لا نقول كان حراما ثم صار جائزا كى يقال لا ينقلب الشيء عما هو عليه او ان البداء لا يتصور في ناحية الشارع.
الفرع الثاني: ان المكلف اذا كان قادرا على الصلاة مع الايماء خارج الدار فعلى القول بالجواز و كون التركيب انضماميا يجوز له أن يصلي حال الخروج مع الايماء للركوع و السجود اذ المفروض عدم اتحاد الصلاة مع الغصب و من ناحية اخرى عدم تصرف زائد في الغصب فلا فرق بين الصلاة الواقعة في الدار و الصلاة الواقعة خارج الدار و أما على القول بالامتناع و كون التركيب اتحاديا فلا يجوز له أن يصلي في الدار اذ المفروض ان الغصب مبغوض للمولى و من ناحية اخرى الصلاة متحدة مع الغصب و مع ناحية ثالثة لا يمكن التقرب بالمبغوض.
الفرع الثالث: انه لو تمكن المكلف من الاتيان مع الركوع و السجود خارج الدار لا يجوز له أن يصلى حال الخروج مع الايماء للركوع و السجود بلا فرق بين القول بالامتناع و القول بالجواز أما على القول بالامتناع فظاهر و أما على القول بالجواز فلأن المفروض ان المكلف يقدر على الاتيان بصلاة المختار و مع