و أما بالنسبة الى العبادة فلا يمكن الحكم بالصحة اذ مع فرض تعلق النهي بها لا يمكن أن يكون مأمورا بها فلا دليل على صحتها و احتمال كونها واجدة للملاك لا أثر له اذ لا طريق الى كشف الملاك الا من ناحية الامر و مع عدم الأمر كيف يكشف الملاك.
و يرد على هذا التقريب: انه لا مانع من تعلق الامر مع النهي الا من ناحية التضاد و مع تحقق التضاد لا مجال لكون الملاك مؤثرا اذ لا يمكن أن يكون شيء واحد محبوبا و مبغوضا فعلى فرض التضاد لا يمكن ان يتحقق قصد القربة و مع عدم التضاد لا مانع من شمول الأمر للمنهي عنه، فالحق أن يقال ان الفارق بين العبادة و المعاملة ان النهي عن المعاملة تكليفا لا ينافي كونها صحيحة فمع وجود اطلاق أو عموم يؤخذ به و يحكم بالصحة في مورد الشك و أما العبادة المنهي عنها فلا يعقل ان تقع صحيحة لاستحالة اجتماع الضدين.
التاسعة:
ان الصحة و الفساد من الامور الاضافية التي تختلف بحسب الانظار و الاضافات و لا تنافي بين كون شيء أمرا واقعيا و مع ذلك يكون مختلفا بحسب الانظار و الاضافات مثلا لا اشكال في أن الفوقية من الامور الواقعية و مع ذلك يمكن أن يكون جسم واحد فوقا بالنسبة الى ما تحته و تحتا بالنسبة الى ما فوقه و قس عليها التحتية و غيرها من الامور المختلفة باختلاف الاضافات.
العاشرة:
انه هل الصحة و الفساد أمر ان واقعيان أو أمر ان مجعولان و الكلام هنا تارة يقع في الصحة و الفساد بحسب الواقع، و اخرى في الصحة الظاهرية و الفساد كذلك، فالكلام يقع في مقامات ثلاثة:
[البحث في مقامات ثلاثة]
المقام الاول: في الصحة الواقعية و الفساد كذلك بالنسبة الى العبادات
فنقول الصحة و الفساد في العبادات أمران واقعيان و لا تكونان قابلتين للجعل فان المأمور به كالصلاة مثلا اذا انطبق على المأتي به في الخارج تتحقق الصحة و تنزع منه
و لذا يحكم العقل بالاجزاء و اما لو لم ينطبق لفقدان المأتي به جزءا أو شرطا يتحقق الفساد و ينتزع منه و لذا يحكم العقل بعدم الاجزاء.
المقام الثاني: في الصحة و الفساد بالنسبة الى المعاملات،
فنقول الصحة و الفساد في المعاملات يكونان أمرين مجعولين و السر فيه ان المولى يحكم بكونه مملكا مثلا و حكمه بكون البيع مملكا يكون على نحو القضية الحقيقية فما دام لم يقع بيع في الخارج لا يعقل الحكم بالتمليك الا فرضا و تقديرا و بعد تحققه في الخارج ان حكم الشارع بكونه مملكا اي حكم بكونه صحيحا يصح و إلّا فلا، فيكون الحكم بالملكية عبارة اخرى عن الحكم بالصحة فالصحة أمر مجعول و عدم الصحة ايضا بيد المولى أي لا يحكم و هذا بخلاف باب التكاليف فان الحكم من قبل المولى يتعلق بالمادة و يتحقق الوجوب، و بعبارة اخرى الفرق بين باب التكليف و باب الوضع ان التكليف يتعلق بفعل المكلف قبل وجوده و الأمر الوضعي يتعلق بالموضوع بعد وجوده فلا يعقل أن تكون الصحة في باب التكاليف مجعولة كما انه لا يعقل أن تكون الصحة في باب المعاملات أمرا واقعيا، فالصحة في باب العبادات و ما يلحق بها من كل مركب تعلق به الوجوب و لو كان وجوبه توصليا أمر واقعي و كذلك فسادها و أما الصحة و الفساد في العقود و الايقاعات و ما يلحق بهما من بقية الموضوعات المترتبة عليها الأحكام أمران مجعولان، هذا تمام الكلام في المقام الثاني.
و أما المقام الثالث و هي الصحة الظاهرية المستفادة من قاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو غيرها
فلا نفهم لها معنى معقولا الا الترخيص في عدم الاحتياط في ظرف الشك مثلا لو شك المصلي في صحة صلاته بعد الفراغ يكون مقتضى الاشتغال العقلي أو الاستصحاب الشرعي الاحتياط و لكن الشارع الأقدس يجوز ترك الاحتياط و يرخص في ترك الاعادة أو القضاء، و هذا أمر معقول و أما حكم
الشارع بأنها صحيحة فلا يرجع الى محصل و الأمر في جميع موارد الحكومة كذلك فانه لا معنى للحكومة الا الأمر بشيء او النهي عن شيء أو الترخيص في شيء و أما الحكومة بمعنى جعل الناقص تاما و أمثاله فلا يرجع الى محصل صحيح إلّا أن يرجع الى جعل الامارة اي الشارع يجعل الفراغ امارة على الاتيان و بعبارة اخرى يجعل الشك في بعض الموارد علما تعبديا فلاحظ.
[تعلق النهى بالعبادة على اقسام]
اذا عرفت ما تقدم نقول: تعلق النهي بالعبادة على اقسام:
القسم الاول: أن يتعلق النهي بنفس العبادة
و لا اشكال في دلالته على الفساد اذ الكلام في النهي التحريمي و المفروض ان المنهي عنه مبغوض للمولى و لا يعقل أن يكون المبغوض محبوبا و تصحيح العبادة بالملاك و لو مع عدم الأمر مدفوع بأن كشف الملاك من ناحية الأمر و مع عدم الأمر لا طريق الى كشف الملاك مضافا الى أن الملاك لا يؤثر في المحبوبية اذا كان مغلوبا لملاك النهي و المفروض فعلية النهى و بعبارة اخرى ان الفعل مبغوض فلا اثر للملاك.
القسم الثاني: ان يتعلق النهي بجزء العبادة،
افاد في الكفاية انه لا اشكال في أنه يوجب فساده بعين التقريب المتقدم لكن لا يقتضي فساد المركب إلّا أن يكتفى بالجزء المنهي عنه فتبطل العبادة للنقيصة و أما لو اتى بجزء آخر غير منهي عنه فلا وجه للفساد و على الجملة النهي عن جزء العبادة بما هو لا يوجب فساد العبادة إلّا أن يتحقق الفساد من ناحية النقيصة أو الزيادة او غيرهما.
و أورد عليه الميرزا النائيني بما حاصله: ان جزء العبادة اما أن يؤخذ فيه عدد خاص كالوحدة المعتبرة في السورة و اما لا يؤخذ، أما على الاول فلو تعلق به النهي يقتضي فساده لأن المكلف اما يقتصر فيه بذلك المنهي عنه و اما يأتي بفرد آخر، أما على الأول فيلزم نقصان المركب لأن الجزء المنهي عنه غير قابل لأن يكون جزءا للمركب و أما في صورة عدم الاقتصار يترتب البطلان من جهة القران
بين السورتين مضافا الى أنه لو لم يمنع من القران يكون النهي عن الجزء مقتضيا لعدم جواز القران بالنسبة الى الفرد المنهي عنه و يضاف الى ذلك كله ان الجزء لو صار منهيا عنه يقيد المركب بغيره فالاتيان به و لو في غير محله يوجب البطلان و يترتب على ما ذكرنا امور كلها موجبة للبطلان: الأول: كون العبادة مقيدة بعدم ذلك الجزء فالاتيان به يوجب البطلان. الثاني: كونه زيادة في الفريضة فتوجب البطلان و لا يعتبر في الزيادة قصد الجزئية اذا كان الزائد من جنس الواجب و انما قصد الزيادة يشترط فيما لا يكون من جنسه. الثالث: خروجه عن ادلة مطلق الذكر فيندرج الفرد المحرم في ادلة بطلان الصلاة بالتكلم العمدي، و أما لو لم يؤخذ فيه عدد خاص فقد اتضح حاله مما ذكر و انه يوجب البطلان.
و قال سيدنا الاستاد على ما في التقرير: نحلل ما أفاده الى عدة نقاط: الاولى بطلان الصلاة في صورة الاقتصار على المنهي عنه و ما أفاده تام، اذ على فرض الاقتصار تبطل العبادة للنقصان و لا فرق فيما ذكر بين أن يؤخذ الجزء لا بشرط أو بشرط لا.
الثانية: ان حرمة الجزء توجب تخصيص جواز القران بغير الفرد المنهي عنه، و يرد عليه: انه لا دليل عليه فان القران لو لم يكن مانعا كما هو المفروض لا يكون وجه لفساد الصلاة بالاتيان بالجزء المحرم.
الثالثة: ان النهي عن جزء لا محالة يوجب اشتراط العبادة بعدمه.
و يرد عليه: انه لا وجه لما ذكر و إلّا كان النظر الى الاجنبية ايضا يوجب الفساد و هو بديهي البطلان.
الرابعة: انه لا يشترط في الزيادة قصد الجزئية اذا كان من جنس العبادة و فيه:
ان تحقق الزيادة متقوم بقصدها و إلّا لا يصدق مفهوم الزيادة نعم في خصوص الركوع و السجود يكون الأمر كذلك اي يتحقق الزيادة فيهما و لو مع عدم قصد الزيادة بالتعبد مضافا الى أن بطلان العبادة بالزيادة يختص بالصلاة.
الخامسة: ان المنهي عنه خارج عن عموم ما دل على جواز مطلق الذكر، و يرد عليه: ان الكلام الآدمي لا يصدق على الذكر و لو كان محرما مضافا الى أنه يختص بباب الصلاة.
و ما أورده سيدنا الاستاد على استاده تام و على الجملة ما أفاده صاحب الكفاية في المقام تام لا غبار عليه.
القسم الثالث: أن يتعلق النهي بشرط العبادة
كما لو تعلق النهي بالوضوء، أفاد صاحب الكفاية ان النهي اذا تعلق بالشرط و كان الشرط عبادة كالوضوء يقتضي النهي فساد الشرط و مع فرض فساد الشرط يفسد المشروط و أما اذا كان الشرط توصليا فلا يقتضي النهي عنه فساد العبادة اذ لا فرق في تحقق الغرض من الشرط بين أن يكون حلالا أو حراما.
و أفاد الميرزا النائيني على ما في التقرير بأن شرط العبادة عبارة عن اسم المصدر الحاصل من المصدر و عليه الذي يكون متعلق النهي هو المصدر و الذي يكون شرطا هو الحاصل من المصدر الذي نعبر عنه باسم المصدر فما تعلق به النهي ليس شرطا و ما يكون شرطا ليس منهيا عنه مثلا الصلاة مشروطة بالستر فاذا نهى الشارع عن لبس الحرير مثلا، فتارة ينهى عن الصلاة في الحرير فلا اشكال في اقتضائه بطلان الصلاة و اخرى ينهى عن نفس اللبس فلا وجه لبطلان الصلاة بل يكون من قبيل النظر الى الاجنبية في الصلاة هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان شرائط الصلاة بأجمعها توصلية لا يشترط فيها قصد القربة، فالنتيجة ان النهي ان تعلق بنفس العبادة يوجب الفساد و إلّا فلا.
و قال سيدنا الاستاد يستفاد من كلامه امور: الأول: ان النهي المتعلق بالشرط متعلق بالمصدر و هو ليس شرطا و ما يتولد من المصدر الذي هو شرط لا يكون متعلقا للنهي و يرد عليه: ان المراد من المصدر و اسم المصدر ان كان السبب
و المسبب فلا يمكن المساعدة عليه فان السب غير المسبب و انهما متغايران وجودا بخلاف المصدر و اسم المصدر فانهما متحدان ذاتا و وجودا و الفرق بينهما بالاعتبار و ان شئت قلت: الفرق بين المصدر و اسم المصدر هو الفرق بين الايجاد و الوجود و على هذا الاساس لا يعقل أن يكون المصدر حراما و اسم المصدر لا يكون حراما.
الثاني: ان الشرط في الطهارات الثلاث الأمر المتولد من تلك الأفعال لا نفس تلك الأفعال، و يرد عليه: انا ذكرنا في الفقه ان الشرط نفس هذه الأفعال.
الثالث: ان شرائط الصلاة كلها توصلية، و يرد عليه: ان الأمر ليس كذلك فان الطهارات الثلاث امور تعبدية و هي شرائط الصلاة انتهى.
اذا عرفت ما تقدم نقول: يرد على الميرزا انه سلمنا ان اسم المصدر مغاير مع المصدر و هما متغايران وجودا كالسبب و المسبب لكن لو تعلق النهي بالمصدر على مبناه و صار المصدر حراما فان كان المنهي عنه عبادة كالطهارات الثلاث تصير العبادة المشروط بها باطلة لأن المفروض ان العبادة الباطلة وجودها كالعدم فلا يمكن أن يكون المتولد منها شرطا للعبادة فالعبادة المشروطة فاقدة للشرط و مع فقد الشرط تكون العبادة فاسدة.
و صفوة القول: ان ما أفاده صاحب الكفاية صحيح فان الشرط اذا كان عبادة و تعلق به النهي يوجب بطلان المشروط و اما اذا لم يكن عبادة و كان أمرا توصليا و صار متعلقا للنهي لا يكون النهي المتعلق به موجبا لفساد المشروط لعدم المقتضي للفساد بعبارة اخرى: ان كان الشرط توصليا و تعلق به النهي كالنهي عن الستر بالحرير لا يكون النهي مقتضيا لفساد العبادة اذ المفروض ان النهي تعلق بأمر خارج عن الصلاة فلا تنافي بين حرمة التستر بالحرير أو الغصب و محبوبية الصلاة المقيدة بالتستر في الصلاة و ببيان أوضح: تارة ينهى المولى عن التستر بالحرير حال الصلاة بأن ينهى عن التقيد الخاص بأن تكون الصلاة المتقيدة بالقيد الكذائي مبغوضة عنده و اخرى
لا يكون كذلك بل المبغوض نفس القيد، فعلى الأول تكون العبادة فاسدة و أما على الثاني فلا وجه لفساد العبادة و لذا قلنا في بحث لباس المصلي تصح الصلاة مع الساتر الغصبي.
القسم الرابع: أن يتعلق النهي بالوصف الملازم للعبادة
كالجهر و الخفت و حكمه يظهر مما تقدم اذ من الظاهر ان القراءة الجهرية أو الاخفاتية وجود واحد و لا يعقل أن يتعلق الأمر و النهي بوجود واحد و بعبارة اخرى: التركيب بين القراءة و صفتها تركيب اتحادي، فالنهي عن الجهر نهي عن القراءة و قد مر ان النهي عن العبادة يوجب فسادها و هذا ظاهر.
القسم الخامس: ما اذا تعلق النهي بوصف مفارق
كالغصب مثلا فان قلنا ان التركيب بين العبادة و ذلك الوصف انضمامي يمكن أن يتعلق النهي بذلك الوصف بدون أن يسري الى متعلق الأمر فلا وجه للفساد و أما لو كان التركيب اتحاديا لا يعقل الاجتماع فلو رجح جانب النهي يدخل في باب النهي عن العبادة و النتيجة الفساد.
بقي في المقام أمور:
الأمر الأول:
انه لو قلنا بأن النهي عن الشرط و ان كان توصليا يوجب فساد العبادة، فلو نهى المولى عن التستر بالحرير و المكلف صلى مع الساتر الحرير تكون صلاته باطلة على الفرض اذ فرض ان النهي عن التستر بالحرير يستلزم النهي عن الصلاة مع التستر بالحرير و أما لو تستر بغير الحرير و لبس الحرير ايضا و صلى لا تكون صلاته باطلة لأن المستفاد من الدليل اشتراط الصلاة بأن يكون ساتر المكلف حال الصلاة من غير الحرير لا أن يكون لبس الحرير مانعا كى يكون لبس الحرير موجبا للبطلان على الاطلاق و ان شئت قلت:
المستفاد من الدليل ان المكلف اذا كان ساتره الحرير حال الصلاة يكون تستره بالحرير مانعا فلو جعل ساتره شيئا آخر لم يكن المانع موجودا.
الأمر الثاني:
ان العبادة المنهى عنها من قبل المولى كالصلاة فى المغصوب على فرض القول بكونها منهيا عنها لوحدة التركيب لو أتى المكلف بها عالما بالغصب أو الالتفات الى الغصب و كونه مانعا و لو مع الجهل بالغصب تكون صلاته باطلة اذ المفروض ان التكليف الواقعي مع العلم أو مع الجهل الالتفاتي فعلي و يكون الفعل مبغوضا للمولى و لا يعقل أن يكون المبغوض محبوبا و لا يعقل التقرب بالمبغوض و أما ان كان غافلا عن التكليف بالغفلة عن عذر و أتى بالصلاة فهل تكون صلاته صحيحة أم لا؟
أفاد سيدنا الاستاد بأنه يمكن أن يتمشى من المكلف قصد القربة و لكن حيث ان المفروض حرمة الفعل واقعا لا يكون العمل قابلا لأن يتقرب به من المولى فلا تصح الصلاة.
و يرد عليه: ان الغفلة مانعة عن فعلية الحكم و بعبارة اخرى: خطاب الجاهل الغافل الذي لا يمكن أن يؤثر فيه الحكم قبيح فمع فرض الغفلة لا يكون النهي فعليا و مع عدم تحقق النهي لا مانع من شمول اطلاق دليل الصلاة فالحق أن تكون صلاته صحيحة فالنتيجة التفصيل كما فصلنا.
الامر الثالث:
ان النهي لو تعلق بمركب واجب غير عبادي فهل يوجب فساده أم لا؟ الحق ان النهي يوجب فساد ما تعلق به الأمر و لو كان واجبا توصليا و الوجه فيه انه لا يعقل أن يكون شيء واحد محبوبا و مبغوضا هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان الواجب و لو كان توصليا يكون محبوبا للمولى فكيف يمكن أن يكون مبغوضا ايضا و بتقريب اوضح نقول: كل واجب و لو كان توصليا قابل لأن يتقرب به و المبغوض غير قابل لأن يتقرب به فلاحظ.
الامر الرابع:
انه يمكن أن يقال انه لا مجال للبحث في النهي عن العبادة اذ النهي عن العبادة مع فرض تعلق الأمر بها غير معقول لاستحالة اجتماع الضدين