[كلمة المؤلف]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و اللعن على اعدائهم اجمعين من الآن الى يوم الدين.
و بعد فقد التمس مني بعض الافاضل ان اباحث بحثا اصوليا و اني اجبت و باحثت و كتبت ثم رأيت ان طبعه و نشره لا يخلو من فائدة فقمت بهذه المهمة و هذه البضاعة المزجاة اهديتها الى سيدي و مولاي و مولى الكونين و امام الثقلين جعفر بن محمد الصادق رئيس المذهب الجعفري المذهب الحق عليه آلاف التحية و الثناء و روحي و ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.
و ارجو من المولى سبحانه ان ينفعنى به يوم فقري و فاقتي و يجعل كتابي بيدي اليمنى بمحمد و آله الاطيبين و السلام علينا و على عباده الصالحين و رحمة اللّه و بركاته.
و رتبت كتابي على مقدمة و مقاصد و خاتمة و سميت الكتاب بآرائنا في اصول الفقه.
[المقدمة]
فاقول: أما المقدمة ففي بيان امور:
الامر الاول: [في تعريف علم الأصول]
ان علم الفقه بعد الاعتقاديات اشرف العلوم اذ شرف كل علم بما يترتب عليه.
و علم الفقه متكفل لبيان الحلال و الحرام و الواجب و المستحب و المكروه فان العمل بهذه الاحكام الشرعية المقدسة يوجب النيل الى السعادة الابدية و الفوز الدائم و به يتقرب الى الرحمن و يكتسب الجنان.
فلا ريب في كونه اشرف العلوم بعد الاصول الاعتقادية و لا اشكال في اهميته كما انه لا اشكال في أن العلم بهذه الاحكام المقدسة يتوقف على الاصول فان المتكفل لاثباتها و استنباطها القواعد الاصولية و المباني الاستنباطية فلا بد من تحصيل هذه القواعد اذ بدونها لا طريق الى استنباط الاحكام الشرعية فلا ريب في أهمية هذه القواعد كما انه لا شك في لزوم تحصيلها و العلم بها.
[تعريف الاصول]
فنقول قد جرت عادة القوم على تعريف علم الاصول قال سيدنا الاستاد[1]:
«و هو العلم بالقواعد التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الاحكام الشرعية الكلية الالهية من دون حاجة الى ضميمة كبرى او صغرى اصولية اخرى اليها» الخ.
و في كلام بعض المعاصرين[2]هكذا: «علم اصول الفقه هو علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي» و قال في الكفاية[3]:
«انه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع فى طريق استنباط الاحكام أو التي ينتهى اليها في مقام العمل» الخ.
و الظاهر ان هذه التعاريف و أمثالها غير تامة اذ ليس في المسائل الاصولية ما
[1]محاضرات فى اصول الفقه: ج 1 ص 80
[2]اصول الفقه: ج 1 ص 5
[3]كفاية الاصول: ج 1 ص 8
يستنبط به وحده الحكم الكلي الشرعي الالهي مثلا حجية الخبر الواحد من المسائل الاصولية فاذا روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)ان شرب التتن حرام لا يمكن استنباط الحكم الشرعي من حجية الخبر فقط الابعد اثبات كون الجملة ظاهرة في الحرمة و اثبات حجية الظواهر و ايضا حجية الظواهر من الأصول و لا يمكن استنباط الحكم الشرعي بها فلو قام الخبر الواحد على أن المعصوم(عليه السلام)قال: صلوا ارحامكم لا بد من اثبات كون الامر ظاهرا في الوجوب و اثبات كون الخبر حجة و هكذا و هكذا و على الجملة لا تقع مسألة اصولية وحدها في طريق الاستنباط بل لا بد في الاستنتاج من التماس غيرها و ضمها اليها.
فالحق في مقام التعريف أن يقال المسألة الاصولية عبارة عن المسألة التي لها دخل في الاستنباط.
ان قلت على هذا علم اللغة و الصرف و النحو و التفسير من الاصول اذ لها دخل في الاستنباط.
قلت الامر كما ذكرت لكن الفرق بين المسألة الاصولية و غيرها ان العلوم الادبية و امثالها مقدمات للاستنباط و أما المسألة الاصولية فتكون دخيلة بنفسها بحيث يترتب عليها الاثر و لا تكون من المقدمات و ان شئت قلت المسائل الاصولية مقدمات قريبة للاستنباط بخلاف غيرها.
لكن يمكن أن يقال: ان مسألة وجوب مقدمة الواجب من المسائل التي يترتب عليها الأثر بلا ضم مسألة اخرى اليها فاذا استقر رأي المجتهد على وجوب المقدمة يستنبط الحكم الشرعي اي وجوب المقدمة منها وحدها فلاحظ.
اذا عرفت ما تقدم نقول: المسائل الاصولية مختلفة من حيث الاثر فمنها ما يوجب العلم الوجداني بالواقع كمباحث الملازمات العقيلة فانه لو قلنا بأن المقدمة واجبة بحكم العقل يحصل لنا العلم بوجوب مقدمة الواجب وجوبا شرعيا و هكذا.
و منها ما يوجب انكشاف الواقع تعبدا كالخبر الواحد بناء على أن المجعول في باب الامارات الطريقية و الكاشفية.
و الحق عندنا انه لا يمكن جعل الامارية و الحجية فان الامارية و الحجية كالجزئية و الشرطية و المانعية و امثالها امور انتزاعية عقلية و أما القابل للجعل فهو الحكم.
فالحق ان المجعول فى باب الامارات جعل الحكم المماثل مع الواقع و ان شئت قلت الحكم المجعول في مورد الامارات حكم طريقي فلا فرق بين الامارات و الاصول الشرعية من هذه الجهة و لا منافاة بين هذه المقالة و الالتزام بكون الامارة مقدمة على الأصل فان دليل الامارة ناظر الى الواقع و دليل الأصل ناظر الى جعل الحكم في ظرف الشك في الواقع في مقام الظاهر.
و لكن الانصاف يقتضي أن جعل الطريقية أمر قابل اذ لا مانع في نظر العقل أن يجعل المولى الأمر الفلاني علامة و طريقا الى الواقع.
و يلحق بهذا القسم الاستصحاب على القول بكونه من الامارات و ايضا يلحق به الظن الانسدادي على الكشف.
و منها ما يعين الوظيفة العقلية كالبراءة و التخيير و الاحتياط و يلحق بهذا القسم الظن الانسدادي على الحكومة. و اما القواعد الشرعية كقاعدة الطهارة و الحلية و غيرهما من القواعد المقررة فيمكن أن يقال انها بأجمعها من المسائل الفقهية غاية الامر تارة يحكم الشارع بحكم على موضوع معين كتحريم الخمر مثلا و اخرى يرتب حكمه على مفهوم واسع لموضوعات كثيرة يجمعها مفهوم واحد و عنوان فارد و الذي يهون الخطب ان تعريف علم الاصول بنحو يكون جامعا و مانعا لا يترتب عليه اثر مهم فلا ينبغي صرف المجال حوله فلاحظ.
الامر الثانى فى الوضع:
يقع الكلام في الوضع من جهات:
الجهة الاولى: [في أنه لا اشكال في أن دلالة الالفاظ الموضوعة على معانيها دلالة جعلية لا دلالة ذاتية ..]
في أنه لا اشكال في أن دلالة الالفاظ الموضوعة على معانيها دلالة جعلية لا دلالة ذاتية و لو كانت ذاتية لكان اللازم أن يعرف كل واحد من الأفراد جميع اللغات اذ الدلالة الذاتية لا فرق فيها بين الأفراد و الحال ان الأمر ليس كذلك.
ان قلت لا بد من وجود خصوصية بين كل لفظ و معناه و إلّا يلزم الترجيح بلا مرجح.
قلت اولا: المحال الترجح بلا مرجح أي المعلول بلا علة و أما الترجيح بلا مرجح فليس محالا و إلّا يلزم أن يبقى العطشان عطشانا الى أن يموت و لا يختار احد مصاديق الماء للشرب اذا لم يكن مرجح في بعض الأفراد على الآخر و هذا من الاباطيل.
و ثانيا: ان المرجح لا يلزم أن يكون امرا ذاتيا و مناسبة ذاتية بين اللفظ و المعنى و إلّا كان اللازم أن يختار كل واضع اللفظ الذي اختاره الآخر فيكون اللغة واحدة في جميع انحاء العالم و بطلانه أوضح من أن يخفى.
فيمكن ان يكون المرجح امرا آخر و يختلف باختلاف الاشخاص كما نرى انه كذلك. فربما يختار شخص لفظا و يضعه للمعنى الفلاني تبركا كما هو ديدن الشيعة في اختيار اسماء المعصومين(ع)لأن يتقربوا بهذه الوسيلة الى ساحتهم المقدسة و ارواحنا فداهم.
و قس عليه بقية الاغراض و الدواعي المختلفة باختلاف الأديان و غيرها فانقدح ان الارتباط الحاصل بين الالفاظ الموضوعة و معانيها ليس ربطا ذاتيا بل يكون جعليا.
الجهة الثانية في تعيين الواضع:
ربما يقال ان الواضع هو اللّه تبارك و تعالى بتقريب ان الوضع أمر متوسط بين الأمور التكوينية و الأمور التشريعية فان الامور التكوينية امور خارجية لا تنالها يد التشريع كالجوع و العطش و الالم و اللذة و الامور التشريعية امور مجعولة شرعية لا تنالها يد التكوين كالوجوب و الحرمة و الاباحة و الوضع لا تكويني محض و لا تشريعي كذلك فانه يلهم الانسان فهم الالفاظ و قوة التلفظ بها و قال في كتابه الكريم«خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ»[1]و يرد على هذا التقريب انه لا واسطة بين الأمرين فان الامور اما تكوينية كالجواهر و الأعراض و اما تشريعية كالاحكام التكليفية و الوضعية و الامور التكوينية كلها بيده تعالى و نعم ما قال الحكيم السبزواري.
ازمة الامور طرا بيده * * * و الكل مستمدة من مدده
فكل صنعة قائمة بالمكلف و كل فعل صادر منه بارادته و مشيته التكوينية و لا نلتزم بالجبر بل نقول جميع الامور تنتهى اليه فلا فرق بين فهم المعاني و وضع الالفاظ و التلفظ بها و بقية الامور كالجوع و العطش و الأكل و الشرب فان كلها بالهامه و احاطته و ارادته كما قال اللّه تعالى«وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً»[2].
و أما قوله تعالى«الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ»[3]لا يدل على مدعى الخصم بل يدل على أن الخلق و النطق كبقية الامور تحت قدرته و منه و اليه فلا يكون الواضع هو اللّه تبارك و تعالى و يتوقف معرفة الواضع على معرفة الوضع اذ لو اتضح معنى الوضع يتضح انه من الواضع فان الواضع مشتق
[1]الرحمن/ 3 و 4
[2]النحل/ 68
[3]الرحمن/ 1 الى 4
و اسم للفاعل و يكون المراد منه ذات ثبت له المبدأ أي ثبت له الوضع فلا بد من بيان المراد من الوضع.
الجهة الثالثة في بيان الوضع:
قال في الكفاية «الوضع هو نحو اختصاص بين اللفظ و المعنى» الخ.
و يرد عليه ان الاختصاص بين اللفظ و المعنى أمر قائم بين اللفظ و معناه على حسب مرامه و الوضع مصدر قائم بالواضع فكيف يفسره بذلك الاختصاص المزعوم و ليس ذكر الاختصاص على فرض تسلمه بالنسبة الى الوضع نسبة الوجود الى الايجاد كي يقال: لا فرق بين الايجاد و الوجود إلّا بالاعتبار بل ذلك الاختصاص امر اعتباري سببه الاعتبار و الاعتبار من الموجودات الواقعية و كيف يعقل أن يتحد الامر الواقعي مع الامر الاعتباري.
و ان شئت قلت الامر الاعتباري لا حقيقة له فيكون مباينا مع الامر الواقعي التأصلى.
و استحالة اجتماع الامر الواقعي التأصلى مع ما لا واقع له أوضح من أن يخفى.
فالحق أن يقال ان الوضع عبارة عن تعهد المتكلم بأنه متى تلفظ بلفظ كذائي أراد ذلك المعنى الفلانى فالوضع عبارة عن التعهد و بعد وضوح هذا المعنى ينكشف أن الواضع ليس شخصا خاصا بل الواضع كل واحد من الأفراد الذين يستعملون هذا اللفظ و عليه لا يبقى مجال لأن يقال لا بد من الالتزام بكون الواضع هو اللّه تبارك و تعالى، اذ البشر لا يمكنه وضع الألفاظ الكثيرة لمعانيها و ليس تحت قدرته بل يلزم أن يكون الواضع هو اللّه تعالى اذ انه قادر على كل شيء فالنتيجة: ان الواضع كل واحد من الافراد المستعملين الالفاظ في معانيها و لا يخفى ان الحق ان الوضع ينحصر في الوضع التعييني و لا ينقسم اليه و التعيني فان
الواضع ربما يضع لفظا فلانيا لمعنى فلاني و اخرى بعد كثرة الاستعمال يتعهد انه متى تلفظ باللفظ الكذائي يريد منه المعنى الفلاني فالوضع منحصر في التعهد و هو الوضع التعيينى.
الجهة الرابعة في اقسام الوضع:
فنقول ان الواضع تارة يتصور في مقام الوضع معنى عاما و يضع اللفظ بازائه كما انه لو تصور الجسم السيال بما له من السعة و العموم و يضع بازائه لفظ الماء و هذا القسم يسمى بالوضع العام و الموضوع له العام و اخرى يتصور معنى خاصا و جزئيا خارجيا و يضع اللفظ بازائه كوضع الأعلام الشخصية فان من يتولد له مولود مثلا يتصور مولوده و يضع بازائه لفظ زيد مثلا و هذا يسمى بالوضع الخاص و الموضوع له الخاص.
و ثالثة يتصور معنى عاما و يضع اللفظ بازاء مصاديق ذلك المعنى و هذا يسمى بالوضع العام و الموضوع له الخاص.
و أما كون الوضع خاصا بأن يتصور المعنى الجزئي و الموضع له عاما بأن يوضع اللفظ لكلي ذلك المتصور الخاص فالظاهر عدم امكانه اذ الخاص بما هو خاص لا يعقل أن يكون عنوانا و مرآة للعام و ربما يقال بأن ادل الدلائل على امكان الشيء وقوعه و المقام كذلك مثلا لو رأى شخص شبحا من بعيد لا يدري انه حجر أو حيوان أو نبات أو انسان يجوز أن يضع اللفظ لكلي ذلك الشبح فيكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما.
و يرد عليه انه اشتباه اذ الواضع من حيث لا يشعر يتصور الكلي و يضع اللفظ بازائه فان كلي هذا الفرد مفهوم كلي و عنوان جامع فحين الوضع يتصور هذا المفهوم و يضع اللفظ بازائه فيكون الوضع عاما و الموضوع له عاما أيضا و على الجملة لا يمكن و لا يعقل ان يكون الجزئي عنوانا للكلي و هذا ظاهر.
ان قلت الامر في طرف العكس أيضا كذلك اذ لا يمكن ان يكون الكلي بما