للعموم، و ربما يقال كون صيغة العموم موضوعة للخاص أولى لأن الخاص مراد قطعا.
و يرد عليه: ان كون الخاص مرادا قطعا لا يقتضي أن يكون اللفظ موضوعا بازائه بالخصوص، و ببيان واضح: كون الفاظ العموم موضوعة للعموم ليس مورد الشك و الترديد فلا تصل النوبة الى البيان المذكور مضافا الى أنه ما المراد من الخاص الذي يكون موضوعا له بحسب الدعوى المذكورة فان الخاص المعلوم كونه مرادا هل هو الواحد أو غيره مثلا لو قال المولى «اكرم العلماء» لا اشكال في ارادة واحد منهم فيكون لفظ كل و ما يرادفه موضوعا للواحد و هل يمكن الالتزام به و ببيان واضح: ما المراد من هذا الكلام فانه لو اريد ان صيغة العموم موضوعة للمفهوم الخاص و بازاء هذا المفهوم فبطلانه أوضح من أن يخفى، و ان اريد انها موضوعة لمرتبة خاصة من الخاص فما هي اذ كل مرتبة من المراتب مرتبة خاصة، نعم لا اشكال في ارادة بعض المراتب من لفظ العموم لكن تحقق بعض المراتب لا يقتضي رفع اليد عن ظهور الكلمة في العموم و صفوة القول: انه لا اشكال في تبادر العموم من صيغه.
ان قلت: قد اشتهر عند القوم انه ما من عام إلّا و قد خصص، فالعام يستعمل في الخاص أكثر من استعماله في معناه و عليه يناسب أن يكون اللفظ موضوعا للخاص قلت اولا كثرة التخصيص لا تستلزم كون استعمال العام في الخاص بل يمكن أن يكون الاستعمال في معناه العام و بعبارة اخرى: فرق بين الارادة الاستعمالية و الارادة الجدية، و ثانيا: انه يمكن الالتزام بكون الاستعمال المجازي كثيرا للدواعي المختلفة لكن كثرة الاستعمال مع قيام القرينة لا توجب رفع اليد عن المعنى الحقيقي و لذا نرى ان لفظ اسد يستعمل في الرجل الشجاع مجازا كثيرا و مع ذلك يكون ظاهرا في الحيوان المفترس.
و ثالثا: لا يكون استعمال العام في الخاص مشخصا و معينا اذ يستعمل لفظ العام على تقدير تسليمه في مراتب مختلفة فعلى تقدير تمامية الاشكال يلزم اما القول يكون اللفظ موضوعا للجامع بين المراتب و اما القول باشتراك اللفظ بين المراتب و بطلانه اظهر من أن يخفى.
ثم ان استفادة العموم من لفظ (كل) و بقية صيغ العموم كما اشرنا اليه سابقا لا تتوقف على اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها بل يستفاد العموم من نفس الألفاظ مثلا لو قال المولى «اكرم كل عالم» يستفاد العموم من لفظ كل، و بعبارة اخرى: وضع لفظ كل لشمول الحكم لكل فرد قابل لأن يكون مصداقا لعنوان المدخول فلا يتوقف استفادة العموم على جريان مقدمات الحكمة بأن نقول وضع لفظ كل لشمول الحكم لما يراد من المدخول كى يقال اذا لم تتم المقدمات لا يمكن أن يستفاد العموم. و قال سيدنا الاستاد في هذا المقام انه لو كان استفادة العموم متوقفا على المقدمات لم تكن حاجة الى الاتيان بلفظ كل بل ذكره لغو.
لكن يرد عليه: انه لو لم يذكر لفظ كل أو ما يقوم مقامه في افادة العموم لا يستفاد العموم الاستغراقي من الطبيعة و لو مع جريان مقدمات الحكمة مثلا لو قال المولى «اكرم العالم» لا يستفاد من كلامه وجوب اكرام جميع العلماء بل يستفاد وجوب اكرام طبيعي العالم، و صفوة القول: ان صيغ العموم وضعت لافادة العموم بلا حاجة الى جريان مقدمات الحكمة و الدليل عليه التبادر الذي يكون آية الحقيقة و ببيان أوضح: ان لفظ العموم موضوع لتفهيم استغراق الحكم لكل فرد يكون معنونا بعنوان المدخول و لا يتوقف على جريان مقدمات الحكمة و لذا لو تكلم المولى و أمر باكرام العلماء بقوله «اكرم كل عالم» و قال اني في مقام الاهمال و الاجمال لعل كلامه يعد من التناقض إلّا ان يقال: انه يمكن ان يكون المراد من الاهمال عدم الاتيان بالمخصص و مثل لفظ (كل) الجمع المحلي باللام و اما المفرد المعرف باللام
كالعالم و أمثاله فلامه لام الجنس و لذا يتوقف استفادة العموم منه على مقدمات الحكمة فلو قال المولى «اكرم العالم» لا يستفاد من كلامه الاطلاق و الشمول الا مع جريان مقدمات الحكمة و بعد جريانها لا بد من ملاحظة الحكم المترتب على الطبيعة فان كان الحكم المترتب على الطبيعة المطلقة الوجوب كما لو قال «اكرم العالم» تكون النتيجة وجوب اكرام طبيعي العالم فلو اكرم عالما من العلماء يتحقق الامتثال و يسقط الامر و ان كان الحكم المترتب على الطبيعة الحرمة كما لو قال «لا تشرب الخمر» يلزم الاجتناب عن شرب كل فرد من أفراد الخمر اذ المستفاد من نهي المولى الكف عن شرب الخمر و لا يصدق الكف عن الطبيعة الا بالكف عن جميع أفرادها و أما ان كان الحكم المترتب على الطبيعة حكما وضعيا كما لو قال«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»يكون المستفاد من كلامه صحة جميع البيوع اذ المفروض تمامية مقدمات الحكمة فيدور الأمر بين أن يكون مفاد الكلام امضاء بعض البيوع كالبيع العربي مثلا و أن يكون مفاد الكلام كل بيع بلا خصوصية من الخصوصيات و المتعين الشق الثاني اذ المفروض تمامية المقدمات و مع تماميتها لا مجال لترجيح بعض الأقسام على الآخر فالنتيجة شمول الحكم لجميع مصاديق الطبيعة و قس على المفرد المعرف النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي فان دلالتها على العموم و الشمول تتوقف على جريان مقدمات الحكمة فيها.
ان قلت: ان مقتضى حكم العقل انتفاء الطبيعة الواقعة في حيز النفي أو النهي بانتفاء جميع أفرادها فكيف يحتاج الشمول الى اجراء المقدمات.
قلت: العقل يحكم بأن الواقع في حيز النفي أو النهي بما له من المفهوم انتفائه بانتفاء جميع أفراده لكن النفي أو النهي لا يتعرض لبيان الواقع تلوه سعة و ضيقا بل يلزم أن يفهم اطلاقه و سريانه أو تقيده و تضيقه من دليل خارج.
الفصل الثالث: [التمسك بالعام اذا شك في تخصيصه]
الظاهر انه لا اشكال عندهم في جواز التمسك بالعام اذا شك في تخصيصه، انما الكلام فيما يشك في التخصيص بعد ورود التخصيص على العام و يقع تفصيل هذا البحث في ضمن مباحث:
المبحث الاول: لو ورد العام مورد التخصيص
كما لو قال المولى «اكرم العلماء» ثم قال لا تكرم الفلاسفة من العلماء، فشك في أنه هل خصص العام بمخصص آخر ام لا؟ فهل يؤخذ بالعموم لا ثبات عدم تخصيص الزائد؟ الظاهر انه لا مانع من اجراء اصالة العموم و نفي التخصيص بالنسبة الى غير ما علم تخصيصه بلا فرق بين كون المخصص الذي خصص العام به متصلا بالعام أو منفصلا عنه أما في صورة الاتصال فالأمر واضح لأن العام من أول الأمر لا ينعقد له ظهور بالنسبة الى ما خرج عنه بالتخصيص بل يمكن أن يقال ان اطلاق التخصيص في صورة الاتصال بالمسامحة حيث انه لا عموم كى يصدق عنوان التخصيص بل حكمه حكم العموم الذي لا يرد عليه التخصيص.
و أما في صورة الانفصال فربما يشكل التمسك بالعام بتقريب انه بالتخصيص يعلم ان اللفظ لم يستعمل في معناه و حيث ان كل واحد من المراتب محتمل و لم يكن مرجح لم يكن وجه للتعيين فيصير اللفظ مجملا و بعبارة اخرى: بعد التخصيص يعلم ان العموم لم يكن مرادا من اللفظ و إلّا يلزم الكذب فاحتمال كل مرتبة من المراتب صالح و مع الترديد و احتمال مراتب متعددة يصبح اللفظ مجملا و ان شئت قلت: بعد فرض عدم استعمال اللفظ فيما وضع له نحتاج الى قرينتين الاولى القرينة الصارفة و الثانية القرينة المعينة و التخصيص المنفصل عن العام قرينة صارفة عن الاستعمال في المعنى الحقيقي و لكن لا قرينة معنية للمعنى المجازي فطبعا يكون
اللفظ مجملا لعدم العلم بالمراد و عدم امارة عليه.
و قد اجيب عن الاشكال المذكور بأجوبة:
الاول: ان الباقي أقرب المجازات فيحمل اللفظ عليه.
و أورد عليه في الكفاية: بأن الأقربية بحسب المقدار لا اعتبار به و انما المدار على انس الذهن الحاصل من كثرة الاستعمال.
الثاني: ما عن الشيخ(قدس سره)، و هو ان العام شامل لكل من الأفراد الواقع تحته و دلالته على كل واحد من الأفراد لا تتوقف على دلالته على الفرد الآخر و بعبارة اخرى: الاقتضاء للدلالة على كل فرد منها موجود و انما المانع بالنسبة الى المقدار الذي قد خصص، و ان شئت قلت: المقتضي للأخذ بالعام بالنسبة الى كل فرد موجود و المانع عن الأخذ به يختص بجملة خاصة من الأفراد فلا وجه لرفع اليد عنه بالنسبة الى غير مورد وجود المانع.
و ببيان واضح العام شامل لجميع الأفراد و يدل على كل واحد من الأفراد الواقعة تحته بالاستقلال غاية الأمر التخصيص المنفصل مانع عن الأخذ بالعام بالنسبة الى هذا المقدار و لا يقاس المقام بباب بقية المجازات كقول القائل «رأيت اسدا يرمي» فانه يلزم في مثله قرينتان احداهما قرينة صارفة لتصرف اللفظ عن ظهوره في معناه الحقيقي، ثانيتهما قرينة معينة اي تعيين المعنى المجازي و في المقام تكفي القرينة الصارفة، و أما المعينة فلا احتياج اليها اذ المفروض ان العام دال على جميع الأفراد و انما خرج عن تحت العموم بعض الأفراد.
و يرد عليه أنه مع فرض استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما هو المفروض فلا وجه لحمله على الباقي اذ المفروض ان كل مرتبة من المراتب تحتمل كونها مستعملا فيها و مع تعدد الاحتمال لا مجال للأخذ بالدليل و ان شئت قلت المجمل غير قابل لأن يكون مستندا للحكم.
الثالث: ان لفظ العموم وضع لارادة جميع الأفراد الداخلة تحت العموم و بعبارة اخرى: ان اللفظ الموضوع اذا تلفظ به اللافظ له دلالات ثلاثة، الاولى:
الانتقال من ذلك اللفظ الى الموضوع له و هذا الانتقال يحصل من الانس الذهني الحاصل من كثرة الاستعمال، الثانية: الارادة الاستعمالية أي يفهم من اللفظ بحسب التعهد الوضعي ان المتكلم أراد من اللفظ الكذائي المعنى الفلاني.
الثالثة: الارادة الجدية أي ان الارادة الاستعمالية مطابقة مع الارادة الجدية و الدلالة الثانية كما قلنا حاصلة من التعهد الوضعي، و الدلالة الثالثة حاصلة من حكم العقلاء حيث انهم ما دام لم يقم دليل على الخلاف يحكمون بأن الارادة الاستعمالية في كلام المتكلم موافقة مع ارادته الجدية فيحمل لفظ العالم في قول المولى «اكرم كل عالم» مثلا على أن المولى أراد من هذا اللفظ جميع العلماء بلا فرق بين عدو لهم و فساقهم فلو قام دليل منفصل عن العام و خصصه كقول المولى منفصلا «لا تكرم الفساق من العلماء» يعلم ان المولى لم يرد بارادته الجدية الا العدول من العلماء و بهذا المقدار ترفع اليد عن الدليل الاول لكن ظهور العلماء في جميع الافراد باق على حاله فان الشيء لا ينقلب عما هو عليه و إلّا يلزم الخلف
و ببيان واضح: مقتضى اصالة الحقيقة ان اللفظ يستعمل فيما وضع له و مقتضى الأصل العقلائي كما ذكرنا تطابق الارادة الاستعمالية مع الارادة الجدية فلو قال المولى «اكرم العلماء الا الفساق منهم» لا يتحقق ظهور للفظ العموم الا في العدول من العلماء و أما في المخصص المنفصل فيتحقق ظهور لفظ العموم في جميع الافراد الداخلة تحت مدخول الكل مثلا فبمقدار قيام الدليل على الخلاف ترفع اليد و بالنسبة الى الباقي يحكم بكونه مرادا جديا للمولى و عليه لو شك في التخصيص الزائد يدفع باصالة العموم اذ المفروض ان المولى أراد العموم و لم يقم دليلا على خلافه إلّا بالمقدار الخاص.
ان قلت: ان لم يرد العموم جدا فما الوجه في اظهاره، قلت: يمكن أن يكون في عدم البيان مصلحة أو يكون في البيان مفسدة.
ان قلت: عليه يلزم الكذب و لا يمكن اسناده الى المولى، قلت: اولا لا يتصور الكذب في الانشاء و ثانيا: لا يلزم الكذب حتى في الاخبار فان الارادة الجدية لو كانت مطابقة للارادة الاستعمالية و لم يكن الخبر مطابقا للواقع يلزم الكذب و أما اذا كانت الارادة الجدية مخالفة مع الارادة الاستعمالية كموارد التورية لا يتصور الكذب، و ثالثا: قد حقق في محله ان الكذب اذا كان فيه مصلحة لا يكون حراما و بهذا النحو يجاب عن الاشكال الوارد في المقام.
المبحث الثانى: ما اذا خصص العام بالمخصص المجمل مفهوما
و في هذا الفرض قد يكون المخصص متصلا بالعام و اخرى يكون منفصلا و على كلا التقديرين تارة يكون مجملا من حيث تردده بين الأقل و الاكثر و اخرى يكون من حيث تردده بين المتباينين ففي هذا المبحث صور:
الصورة الاولى:ما يكون المخصص متصلا بالعام و يكون اجماله من حيث الأقل و الاكثر كما لو قال المولى «اكرم العلماء الا الفساق منهم» و دار أمر الفاسق بين كونه مرتكبا لخصوص الكبيرة و لا يكون المرتكب للصغيرة فاسقا و بين كونه أعم و يتحقق الفسق بارتكاب مطلق المعصية و في مثله لا ينعقد الظهور للعام في مورد الشك بل اجمال الخاص يسري الى العام فالنتيجة ان التارك لمطلق المعصية واجب الاكرام و أما المرتكب للكبيرة فلا يجب اكرامه و أما المرتكب للصغيرة التارك للكبيرة فهو مورد الشك و لا بد في مورده الرجوع الى الأصل العملى.
و صفوة الكلام ان المخصص المجمل من حيث المفهوم اذا كان متصلا بالعام
يوجب اجمال العام أيضا.
الصورة الثانية:ان يكون المخصص متصلا بالعام و يكون مرددا بين المتباينين كما لو قال المولى «اكرم العلماء الا زيدا» و دار أمر زيد بين شخصين ففي هذه الصورة يسري اجمال المخصص الى العام و لا مجال للأخذ بالعموم بالنسبة الى مورد الشك بل يلزم اعمال قواعد الأصول العملية، و الوجه فيه ان المخصص المتصل يوجب تعنون العام بعنوان لا ينطبق على ما خرج بالتخصيص و مع عدم صدق العام على مورد أو الشك في صدقه لا مجال للأخذ به فان المقرر عندهم عدم الأخذ بالعموم في مورد الشك في الصدق و بعبارة اخرى تارة يصدق عنوان العام و يشك في خروجه عن تحت الحكم و اخرى يشك في صدق عنوان العام، أما في مورد الشك في الخروج بالتخصيص فاصالة العموم محكمة و أما في مورد الشك في صدق الموضوع فلا مجال للأخذ بالعموم و ان شئت قلت الأخذ بالعموم في مورد الشك في التخصيص لا في مورد الشك في صدق عنوان العام على المورد.
الصورة الثالثة:أن يكون المخصص منفصلا و يكون مجملا و دائرا أمره بين الأقل و الأكثر كما لو قال المولى «اكرم العلماء» و في دليل منفصل قال «لا تكرم الفساق من العلماء» و تردد مفهوم الفاسق بين خصوص مرتكب الكبيرة و بين مرتكب الأعم من الكبيرة و الصغيرة و في مثله ترفع اليد عن العام بالنسبة الى مرتكب الكبيرة و أما بالنسبة الى مرتكب الصغيرة فيؤخذ بالعام اذ المفروض انعقاد الظهور للعام في جميع الأفراد و بعد ورود التخصيص لا ينقلب ظهوره لا حقيقة و لا حكما أما حقيقة فواضح حيث ان المخصص منفصل عن العام، و أما حكما فلأن المفروض ان المخصص دائر أمره بين الأقل و الاكثر فبالنسبة الى الأقل يؤخذ بالمخصص و أما بالنسبة الى مورد الشك فيؤخذ بالعام.
الصورة الرابعة:أن يكون المخصص منفصلا و مجملا و دائرا أمره بين