و جملة من ادلة الاحكام الالزامية موجودة في الكتب و هذا العلم بنفسه يقتضي تنجز العلم الاجمالي و بعبارة اخرى: يعلم بالعلم الاجمالي ان مقدارا من المخصصات موجود في الكتب و هذا العلم الاجمالي ينحل بالعلم بوجود المقدار المذكور في الكتب المعتمدة و يعلم اجمالا بمخصصات موجودة في الكتب بلا ملاحظة الكمية و هذا العلم الاجمالي الثاني يقتضي التنجز بالنسبة الى الأطراف و العلم الاجمالي الاول لا يقتضي التنجز كما مر و من الظاهر ان عدم كون العلم الاجمالي الاول مقتضيا للتنجز لا يزاحم كون العلم الاجمالي الثاني مقتضيا له، فالنتيجة انه لا وجه لانحلال العلم الاجمالي الثاني بانحلال العلم الاجمالي الأول.
و صفوة القول: ان مجرد كون العلم الاجمالي متعلقا بالأقل و الاكثر لا يوجب الانحلال بل لا بد من عدم تعلق العلم الاجمالي بما يكون ذا علامة كما في المقام و لذا لو علم اجمالا بنجاسة عشرة اناءات بين المائة و علم ايضا بنجاسة اناء زيد في جملة الاواني لا ينحل العلم الاجمالي الثاني بانحلال العلم الاجمالي الأول و لذا لو علم شخص بكونه مديونا لفلان و لا يعلم مقداره و ايضا يعلم ان ديونه لفلان مكتوبة في الدفتر فهل يرضى باداء القدر المعلوم و اجراء البراءة من الزائد بلا مراجعة الدفتر؟ كلا.
و يرد عليه اولا: ان مجرد العلامة في متعلق العلم لا يمنع عن الانحلال لأن المعلوم بالعلامة ايضا مردد بين الأقل و الاكثر فينحل بالظفر بالمقدار المعلوم.
و ثانيا: فرضنا عدم الانحلال لكن نقول السر في تنجز العلم الاجمالي على المسلك المنصور تعارض الاصول في الأطراف بتقريب ان ترجيح احد الطرفين على الآخر بلا مرجح و اجراء الأصل في جميع الاطراف ينافي العلم فلا يجري الاصل على الاطلاق و عليه لو لم يتعارض الأصل الجاري في بعض الاطراف لعدم تعارضه مع جريانه في بعضها الآخر لعدم العلم بالمخالفة القطعية لم يكن مانع من
جريان الأصل و بعبارة اخرى بعد العلم بوجود المخصص في الكتب المعتمدة لا علم بوجوده كى يكون الأخذ بالعموم موجبا للوقوع في الخلاف كما ان العلم بكون نجاسة اناء زيد بين الاواني لا اثر له بعد الظفر بالمقدار المعلوم اذ من الممكن كون اناء زيد بين الاواني المعلوم كونها نجسة فلا مانع من جريان الأصل في بقية الاواني كما انه لا موجب للرجوع الى الدفتر بعد الشك في الزائد و لذا لو ضاع الدفتر لا يجب الاحتياط اضف الى ذلك انه لو كان مجرد العلامة مانعة عن الانحلال لا ينحل العلم الاجمالي في اي مورد من الموارد اذ يعلم المكلف بأن مورد علمه معين عند اللّه و ما يكون معلوما عند اللّه مردد بين الأمرين.
الوجه الرابع:
ما عن الميرزا النائيني و هو ان انعقاد ظهور العام في الأفراد يتوقف على جريان مقدمات الحكمة في مدخول الفاظ العموم و مع عدم جريانها لا ينعقد العموم و حيث انه علم من الشارع الأقدس بيان المخصصات و المقيدات بالادلة المنفصلة فلا مجال لجريان مقدمات الحكمة في مدخول لفظ العموم فلا يكون العام حجة الا بعد الفحص عن المخصص.
و أورد عليه سيدنا الاستاد اولا: بان ظهور ألفاظ العموم في الأفراد ظهور وضعي و لا يتوقف ظهورها فيها على جريان مقدمات الحكمة في مدخول تلك الالفاظ، و ثانيا: الظفر بالمقيد المنفصل لا يوجب عدم انعقاد الظهور فيما لا تكون القرينة متصلة، و بعبارة واضحة القرينة المنفصلة لا تصادم الظهور بل تصادم حجية الظهور و إلّا يلزم أن تكون موجبة لا جمال الدليل فعلى مسلك الميرزا يلزم أن تكون القرينة المجملة المنفصلة موجبة لاجمال أصل الدليل و مانعة عن انعقاد الظهور فيه و الحال ان المطلق لو لم يكن مقارنا بالقيد المنفصل ينعقد له الظهور الاطلاقي و مع اجمال المقيد المنفصل لا يسري الاجمال الى الاطلاق المنعقد الخالى عن القيد فهذا الوجه ايضا غير سديد.
الوجه الخامس:
ما أفاده سيدنا الاستاد و هو ان دليل وجوب الفحص عن الحكم الالزامي و عدم جواز العمل بالاصل العملي بعينه دليل وجوب الفحص عن المخصص و دليل وجوب الفحص عن الدليل أمر ان:
الامر الاول: حكم العقل بلزوم الفحص عن الدليل و عدم وجوب ايصال الحكم الى العبد على المولى، و بعبارة اخرى الواجب على المولى بيان الاحكام بالطرق العادية المتعارفة و لا يجب على المولى ايصال أحكامه و الزاماته الى العبد بالطرق غير المتعارفة و انه لو كان جائزا اجراء الأصل و عدم الفحص يلزم كون بعث الرسل و انزال الكتب لغوا و ببيان أوضح: يجب على العبد النظر في المعجزة و إلّا يلزم افحام الانبياء و بطلان الشرائع و هذا الدليل بعينه يقتضي الفحص عن المخصص و إلّا يلزم الوقوع في خلاف الواقع و بعبارة واضحة: كما انه لا يجوز الرجوع الى البراءة و الاستصحاب قبل الفحص عن الدليل كذلك لا يجوز الأخذ بالعموم قبل الفحص عن المخصص مع امكان وجوده فى الكتب المعتمدة و امكان الرجوع اليها و الظفر به.
الامر الثاني: الدليل النقلي من الكتاب و السنة أما من الكتاب فقوله تعالي«فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌالخ[1]و قوله تعالى«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِالخ[2]» و اما من السنة فما رواه مسعدة بن زياد[3].
و يرد عليه: انه لا وجه لقياس احد المقامين بالآخر و الوجهان المذكوران في كلامه لا يفي باثبات مدعاه أما الوجه الاول: ففيه ان بيان الحكم بالعموم من الطرق العقلائية و استفادة الوظيفة من الادلة العامة و المطلقة أمر متداول بين أبناء المحاورة و العقلاء و أما اشكال كون الرجوع الى العموم قبل الفحص يوجب الوقوع في
(1 و 2) التوبة/ 122، النحل 43.
[3]تفسير البرهان، ج 1، ص 560، حديث 2.
خلاف الواقع للعلم بأن المولى يبين مقاصده بالادلة المنفصلة فهو رجوع الى الوجه الآخر و هو العلم الاجمالي و خلط بين الأمرين فالوجه العقلى المذكور في كلامه غير سديد.
و أما الوجه الثاني: فأما قوله تعالى«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»فهو راجع الى امر الرسالة حيث يأمر اللّه أن يسأل الجاهل العالم كى يحصل له العلم مضافا الى أن العمل بالعموم عمل بالطريق العلمي و القانون العقلائي بعد فرض كون العموم حجة و توقف كونه حجة بعد الفحص عن المخصص يحتاج الى اقامة الدليل، و أما قوله تعالى في آية النفر فلا يرتبط بالمقام اصلا فان المستفاد من الآية وجوب تعلم الأحكام الشرعية ثم الانذار.
و أما الرواية فائضا لا تدل على المدعى فان المفروض ان العمل بالعموم عمل بالدليل الشرعي و لا يصدق على العامل به انه لم يتعلم الحكم فلا يتوجه اليه خطاب هلا تعلمت، فالنتيجة ان الوجه المذكور ايضا غير واف بالمقصود.
الوجه السادس:
ان العمل بالعموم يتوقف على السيرة العقلائية و المفروض ان العام الذي يكون في معرض التخصيص لا يعمل به العقلاء و ببيان واضح ما دام كون العام مورد احتمال التخصيص لا يجوز العمل به لما علم من أن العقلاء لا يعملون به مع الاحتمال المذكور بل لا يجوز العمل به حتى مع عدم العلم بالطريقة العقلائية اي يكفي في عدم جواز العمل احتمال عدم رجوعهم مع احتمال التخصيص و الظاهر ان هذا الوجه تام و لا يرد عليه ايراد.
و صفوة القول:انه مع الاحتمال العقلائي و امكان الظفر بالمخصص امكانا عقلائيا بالمراجعة الى الكتب المعتمدة لا مجال للأخذ بالعموم لما ثبت و علم من ديدن العقلاء من عدم الأخذ بالعموم و الحال هذه بل الشك في السيرة العقلائية يكفي لعدم جواز الأخذ بالعموم، و ببيان واضح: لا بد في الأخذ بالعموم من الوثوق
بعدم المخصص و على هذا الاساس لا بد من الفحص و المراجعة بمقدار يخرج العام عن المعرضية اي بمقدار يثق المستنبط بعدم المخصص و المقيد فلا يلزم القطع بالعدم فان القطع لا يحصل إلّا بمراجعة جميع الكتب و كيف يمكن للمجتهد مراجعة جميع الكتب بل يكفي مراجعة الكتب المعتمدة في الأبواب المناسبة لذكر المخصص ان كان، فان المحدثين العظام كالكليني(قدس سره)و أضرابه رتبوا الأبواب و ذكروا كل حديث في الباب المناسب، فالنتيجة انه لا يجب القطع بالعدم لعدم الدليل عليه و لا يكفي الظن فان الظن لا يغني من الحق شيئا، بل يلزم الوثوق و الاطمينان بالعدم فانه حجة عقلائية فيكفى للفقيه في مقام الاستنباط.
الفصل الخامس: [هل الخطابات الشفاهية مخصوصة بالحاضرين]
هل الخطابات الشفاهية مثل«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»*تختص بالحاضرين مجلس الخطاب أو يعم غيرهم من الغائبين بل المعدومين؟ فيه خلاف قال صاحب الكفاية يتصور النزاع المذكور على وجوه:
الوجه الاول:انه هل يمكن تكليف المعدوم أو الغائب أو يختص التكليف بالحاضر و البحث بهذا النحو بحث عقلي و لا اشكال في عدم امكان تعلق التكليف بالمعدوم اذ يشترط في تعلق التكليف امكان الداعوية و امكان الانبعاث و المعدوم غير قابل للانبعاث و أما الغائب فلا فرق بينه و بين الحاضر اذ مع الغفلة لا يمكن أن يكلف و لو كان حاضرا و أما مع عدم الغفلة و امكان الانبعاث فلا مانع من تعلق التكليف بالغائب، و بعبارة واضحة لا فرق بين الحاضر و الغائب اذ مع التذكر و امكان الانبعاث يجوز تعلق التكليف بهما و مع عدم امكانه لا يجوز و لا يمكن و لا خصوصية للحضور و عدمه.
الوجه الثاني:انه هل يمكن المخاطبة مع المعدومين أو الغائبين أم لا؟ و الحق
هو التفصيل فان الخطاب اذا كان حقيقيا اريد به افهام المخاطب لا يجوز أن يكون المخاطب معدوما أو غائبا بل لا يجوز مع الحاضر اذا كان غافلا و أما الخطاب اذا كان انشائيا يمكن أن يخاطب به المعدوم أو الغائب بل يجوز التخاطب مع الحيوان و النبات و الجماد كقول الشاعر، «يا كوكبا ما كان أقصر عمره الخ».
الوجه الثالث:ان ادوات الخطاب، هل وضعت للخطاب الحقيقي أم وضعت للخطاب الانشائي، و بهذا الاعتبار يمكن أن يقع المقام مورد البحث فان قلنا انها موضوعة للخطاب الحقيقي لا يمكن شمولها للمعدومين و لا الغائبين بل لا تشمل الحاضرين الغافلين و ان قلنا انها موضوعة للخطاب الانشائي فهي قابلة لأن تشمل الغائبين و المعدومين، و الحق انها موضوعة للخطاب الانشائي و الدليل عليه استعمالها في غير الحقيقي بلا رعاية علاقة.
ان قلت: لعل الرعاية ارتكازية، قلت: بعد الفحص و التأمل لا نجد رعاية علاقة في انفسنا مضافا الى أنه لو لم يشمل الغائبين و المعدومين لا يشمل إلّا من كان حاضرا في مجلس الخطاب كمسجد النبي و كان ذاكرا و ملتفتا و هل يمكن الالتزام به فعلى كل تقدير لا يمكن الالتزام بكون الخطاب حقيقيا بل انشائي و لو بالعناية.
ان قلت: ان اللّه تعالى محيط و مع كونه محيطا لا مانع من الخطاب الحقيقي.
قلت: القصور في ناحية المخاطب لا في جانبه تعالى و عدم القابلية الناشئة من المخاطب لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى و تقدس.
و قد ذكرت ثمرتان للنزاع المذكور:
الثمرة الاولى: ان الظواهر حجة للغائبين بل المعدومين بالخصوص حيث ان المفروض شمول الخطاب لهم و أما على القول بعدم وضعها للخطاب الانشائي فلا يشملهم.
و أورد على هذه الثمرة صاحب الكفاية: بأن اثباتها يتوقف على امرين:
احدهما اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه، ثانيهما: ان المشافهين هم المقصودون بالافهام دون غيرهم و كلا الأمرين فاسدان أما الاول: فقد حقق في محله عدم اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه.
و أما الثاني، فلعدم كونهم مقصودين بالافهام فقط اذ القرآن كتاب الهداية لجميع البشر و لا يختص بفرد دون فرد و طائفة دون طائفة اخرى.
الثمرة الثانية: انه على القول بالشمول يجوز الأخذ باطلاق الخطابات الواردة في الكتاب للغائبين و المعدومين حيث ان المفروض شمول الخطاب لهم و أما على القول بعدم الشمول فلا يجوز لهم الأخذ بالاطلاق حيث ان المفروض اختصاص الخطاب بالحاضرين.
ان قلت: دليل اشتراك التكليف يقتضي العموم فلا فرق في النتيجة قلت: قاعدة الاشتراك تؤثر فيما يكون الاتحاد في الصنف محفوظا و المفروض انه يمكن اختصاص الحكم بالحاضرين فلا مجال للتسرية مع عدم الاتحاد، و بعبارة اخرى دليل الاشتراك هو الاجماع و القدر المعلوم منه مورد اشتراك الجميع في الأوصاف و المفروض ان المشافهين مدركين لزمان الامام(عليه السلام)و من الممكن دخل درك زمانه في الحكم و غير المشافه الذي لا يكون مدركا لزمانه خارج.
و أورد عليه صاحب الكفاية: بأن جريان الاطلاق في حق المشافهين يكفي لاثبات الحكم لغيرهم بدليل الاشتراك، مثلا يحتمل دخل حضور الامام(عليه السلام)في الحكم و عليه يجوز لغير المشافهين الأخذ باطلاق الخطاب لاثبات عدم دخل الحضور و بعد اثبات الحكم للمشافهين على الاطلاق يثبت لغيرهم اذ المفروض كونهم مقصودين بالافهام و عدم كون الخطاب مختصا بالمشافهين.
و صفوة القول:انه على فرض الاطلاق ينفى القيد المحتمل كونه دخيلا فيتحد الصنف و المفروض اشتراك التكليف و على فرض عدم الاطلاق لا اثر لدليل الاشتراك
فلا ثمرة للبحث الا على القول باختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه و ان الغائبين و المعدومين لا يكونون مقصودين بالافهام و قد مر خلافه.
و يمكن أن يرد عليه: انه يمكن ان درك زمان الحضور دخيلا في الحكم فلا مجال للاطلاق و من ناحية اخرى دليل الاشتراك انما يفيد فيما يكون الاتحاد في الصنف محفوظا و مع احتمال دخل درك زمان الحضور في الموضوع لا يحرز الاتحاد فترتب هذه الثمرة على البحث تام.
و فصل الميرزا النائيني بين القضايا الخارجية و الحقيقية بأنه لو كان الخطاب من القسم الأول لا يشمل الغائبين و المعدومين إلّا بالعناية و أما لو كان من القسم الثاني فلا فرق بين المشافهين و غيرهم و الظاهر ان ما أفاده تام اذ لو كان الخطاب على نحو القضية الحقيقية يكون تحقق الخطاب متوقفا على قابلية المكلف للخطاب فيشمل جميع انحاء المكلفين و لا يختص بالمشافهين.
و لا يرد عليه ما أورده عليه سيدنا الاستاد بأن مجرد وجود الموضوع لا يكفي في صحة الخطاب بل يلزم فرض وجوده في مجلس التخاطب، فانه يرد عليه ان التخاطب و تحققه يتوقف على وجود الموضوع و ان شئت قلت بناء على كون القضية حقيقية لا يكون مجلس التخاطب له خصوصية بل التخاطب يحصل مع كل مكلف قابل لأن يتوجه اليه الخطاب و لا يبعد أن يكون ادوات الخطاب موضوعة لمطلق الخطاب و لكن مقتضى الاطلاق استفادة الخطاب الحقيقي و بعبارة اخرى: الاصل الاولي كون الداعي للخطاب التفهيم.
الفصل السادس: [اذا تعقب العام ضمير يرجع الى بعض افراده]
اذا تعقب العام ضميرا يرجع الى بعض أفراده كما في قوله تعالى«وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ»الى قوله«وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ»فهل مقتضى القاعدة تخصيص العام