الوجه الخامس:
ما أفاده سيدنا الاستاد و هو ان دليل وجوب الفحص عن الحكم الالزامي و عدم جواز العمل بالاصل العملي بعينه دليل وجوب الفحص عن المخصص و دليل وجوب الفحص عن الدليل أمر ان:
الامر الاول: حكم العقل بلزوم الفحص عن الدليل و عدم وجوب ايصال الحكم الى العبد على المولى، و بعبارة اخرى الواجب على المولى بيان الاحكام بالطرق العادية المتعارفة و لا يجب على المولى ايصال أحكامه و الزاماته الى العبد بالطرق غير المتعارفة و انه لو كان جائزا اجراء الأصل و عدم الفحص يلزم كون بعث الرسل و انزال الكتب لغوا و ببيان أوضح: يجب على العبد النظر في المعجزة و إلّا يلزم افحام الانبياء و بطلان الشرائع و هذا الدليل بعينه يقتضي الفحص عن المخصص و إلّا يلزم الوقوع في خلاف الواقع و بعبارة واضحة: كما انه لا يجوز الرجوع الى البراءة و الاستصحاب قبل الفحص عن الدليل كذلك لا يجوز الأخذ بالعموم قبل الفحص عن المخصص مع امكان وجوده فى الكتب المعتمدة و امكان الرجوع اليها و الظفر به.
الامر الثاني: الدليل النقلي من الكتاب و السنة أما من الكتاب فقوله تعالي«فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌالخ[1]و قوله تعالى«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِالخ[2]» و اما من السنة فما رواه مسعدة بن زياد[3].
و يرد عليه: انه لا وجه لقياس احد المقامين بالآخر و الوجهان المذكوران في كلامه لا يفي باثبات مدعاه أما الوجه الاول: ففيه ان بيان الحكم بالعموم من الطرق العقلائية و استفادة الوظيفة من الادلة العامة و المطلقة أمر متداول بين أبناء المحاورة و العقلاء و أما اشكال كون الرجوع الى العموم قبل الفحص يوجب الوقوع في
(1 و 2) التوبة/ 122، النحل 43.
[3]تفسير البرهان، ج 1، ص 560، حديث 2.
خلاف الواقع للعلم بأن المولى يبين مقاصده بالادلة المنفصلة فهو رجوع الى الوجه الآخر و هو العلم الاجمالي و خلط بين الأمرين فالوجه العقلى المذكور في كلامه غير سديد.
و أما الوجه الثاني: فأما قوله تعالى«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»فهو راجع الى امر الرسالة حيث يأمر اللّه أن يسأل الجاهل العالم كى يحصل له العلم مضافا الى أن العمل بالعموم عمل بالطريق العلمي و القانون العقلائي بعد فرض كون العموم حجة و توقف كونه حجة بعد الفحص عن المخصص يحتاج الى اقامة الدليل، و أما قوله تعالى في آية النفر فلا يرتبط بالمقام اصلا فان المستفاد من الآية وجوب تعلم الأحكام الشرعية ثم الانذار.
و أما الرواية فائضا لا تدل على المدعى فان المفروض ان العمل بالعموم عمل بالدليل الشرعي و لا يصدق على العامل به انه لم يتعلم الحكم فلا يتوجه اليه خطاب هلا تعلمت، فالنتيجة ان الوجه المذكور ايضا غير واف بالمقصود.
الوجه السادس:
ان العمل بالعموم يتوقف على السيرة العقلائية و المفروض ان العام الذي يكون في معرض التخصيص لا يعمل به العقلاء و ببيان واضح ما دام كون العام مورد احتمال التخصيص لا يجوز العمل به لما علم من أن العقلاء لا يعملون به مع الاحتمال المذكور بل لا يجوز العمل به حتى مع عدم العلم بالطريقة العقلائية اي يكفي في عدم جواز العمل احتمال عدم رجوعهم مع احتمال التخصيص و الظاهر ان هذا الوجه تام و لا يرد عليه ايراد.
و صفوة القول:انه مع الاحتمال العقلائي و امكان الظفر بالمخصص امكانا عقلائيا بالمراجعة الى الكتب المعتمدة لا مجال للأخذ بالعموم لما ثبت و علم من ديدن العقلاء من عدم الأخذ بالعموم و الحال هذه بل الشك في السيرة العقلائية يكفي لعدم جواز الأخذ بالعموم، و ببيان واضح: لا بد في الأخذ بالعموم من الوثوق
بعدم المخصص و على هذا الاساس لا بد من الفحص و المراجعة بمقدار يخرج العام عن المعرضية اي بمقدار يثق المستنبط بعدم المخصص و المقيد فلا يلزم القطع بالعدم فان القطع لا يحصل إلّا بمراجعة جميع الكتب و كيف يمكن للمجتهد مراجعة جميع الكتب بل يكفي مراجعة الكتب المعتمدة في الأبواب المناسبة لذكر المخصص ان كان، فان المحدثين العظام كالكليني(قدس سره)و أضرابه رتبوا الأبواب و ذكروا كل حديث في الباب المناسب، فالنتيجة انه لا يجب القطع بالعدم لعدم الدليل عليه و لا يكفي الظن فان الظن لا يغني من الحق شيئا، بل يلزم الوثوق و الاطمينان بالعدم فانه حجة عقلائية فيكفى للفقيه في مقام الاستنباط.
الفصل الخامس: [هل الخطابات الشفاهية مخصوصة بالحاضرين]
هل الخطابات الشفاهية مثل«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»*تختص بالحاضرين مجلس الخطاب أو يعم غيرهم من الغائبين بل المعدومين؟ فيه خلاف قال صاحب الكفاية يتصور النزاع المذكور على وجوه:
الوجه الاول:انه هل يمكن تكليف المعدوم أو الغائب أو يختص التكليف بالحاضر و البحث بهذا النحو بحث عقلي و لا اشكال في عدم امكان تعلق التكليف بالمعدوم اذ يشترط في تعلق التكليف امكان الداعوية و امكان الانبعاث و المعدوم غير قابل للانبعاث و أما الغائب فلا فرق بينه و بين الحاضر اذ مع الغفلة لا يمكن أن يكلف و لو كان حاضرا و أما مع عدم الغفلة و امكان الانبعاث فلا مانع من تعلق التكليف بالغائب، و بعبارة واضحة لا فرق بين الحاضر و الغائب اذ مع التذكر و امكان الانبعاث يجوز تعلق التكليف بهما و مع عدم امكانه لا يجوز و لا يمكن و لا خصوصية للحضور و عدمه.
الوجه الثاني:انه هل يمكن المخاطبة مع المعدومين أو الغائبين أم لا؟ و الحق
هو التفصيل فان الخطاب اذا كان حقيقيا اريد به افهام المخاطب لا يجوز أن يكون المخاطب معدوما أو غائبا بل لا يجوز مع الحاضر اذا كان غافلا و أما الخطاب اذا كان انشائيا يمكن أن يخاطب به المعدوم أو الغائب بل يجوز التخاطب مع الحيوان و النبات و الجماد كقول الشاعر، «يا كوكبا ما كان أقصر عمره الخ».
الوجه الثالث:ان ادوات الخطاب، هل وضعت للخطاب الحقيقي أم وضعت للخطاب الانشائي، و بهذا الاعتبار يمكن أن يقع المقام مورد البحث فان قلنا انها موضوعة للخطاب الحقيقي لا يمكن شمولها للمعدومين و لا الغائبين بل لا تشمل الحاضرين الغافلين و ان قلنا انها موضوعة للخطاب الانشائي فهي قابلة لأن تشمل الغائبين و المعدومين، و الحق انها موضوعة للخطاب الانشائي و الدليل عليه استعمالها في غير الحقيقي بلا رعاية علاقة.
ان قلت: لعل الرعاية ارتكازية، قلت: بعد الفحص و التأمل لا نجد رعاية علاقة في انفسنا مضافا الى أنه لو لم يشمل الغائبين و المعدومين لا يشمل إلّا من كان حاضرا في مجلس الخطاب كمسجد النبي و كان ذاكرا و ملتفتا و هل يمكن الالتزام به فعلى كل تقدير لا يمكن الالتزام بكون الخطاب حقيقيا بل انشائي و لو بالعناية.
ان قلت: ان اللّه تعالى محيط و مع كونه محيطا لا مانع من الخطاب الحقيقي.
قلت: القصور في ناحية المخاطب لا في جانبه تعالى و عدم القابلية الناشئة من المخاطب لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى و تقدس.
و قد ذكرت ثمرتان للنزاع المذكور:
الثمرة الاولى: ان الظواهر حجة للغائبين بل المعدومين بالخصوص حيث ان المفروض شمول الخطاب لهم و أما على القول بعدم وضعها للخطاب الانشائي فلا يشملهم.
و أورد على هذه الثمرة صاحب الكفاية: بأن اثباتها يتوقف على امرين:
احدهما اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه، ثانيهما: ان المشافهين هم المقصودون بالافهام دون غيرهم و كلا الأمرين فاسدان أما الاول: فقد حقق في محله عدم اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه.
و أما الثاني، فلعدم كونهم مقصودين بالافهام فقط اذ القرآن كتاب الهداية لجميع البشر و لا يختص بفرد دون فرد و طائفة دون طائفة اخرى.
الثمرة الثانية: انه على القول بالشمول يجوز الأخذ باطلاق الخطابات الواردة في الكتاب للغائبين و المعدومين حيث ان المفروض شمول الخطاب لهم و أما على القول بعدم الشمول فلا يجوز لهم الأخذ بالاطلاق حيث ان المفروض اختصاص الخطاب بالحاضرين.
ان قلت: دليل اشتراك التكليف يقتضي العموم فلا فرق في النتيجة قلت: قاعدة الاشتراك تؤثر فيما يكون الاتحاد في الصنف محفوظا و المفروض انه يمكن اختصاص الحكم بالحاضرين فلا مجال للتسرية مع عدم الاتحاد، و بعبارة اخرى دليل الاشتراك هو الاجماع و القدر المعلوم منه مورد اشتراك الجميع في الأوصاف و المفروض ان المشافهين مدركين لزمان الامام(عليه السلام)و من الممكن دخل درك زمانه في الحكم و غير المشافه الذي لا يكون مدركا لزمانه خارج.
و أورد عليه صاحب الكفاية: بأن جريان الاطلاق في حق المشافهين يكفي لاثبات الحكم لغيرهم بدليل الاشتراك، مثلا يحتمل دخل حضور الامام(عليه السلام)في الحكم و عليه يجوز لغير المشافهين الأخذ باطلاق الخطاب لاثبات عدم دخل الحضور و بعد اثبات الحكم للمشافهين على الاطلاق يثبت لغيرهم اذ المفروض كونهم مقصودين بالافهام و عدم كون الخطاب مختصا بالمشافهين.
و صفوة القول:انه على فرض الاطلاق ينفى القيد المحتمل كونه دخيلا فيتحد الصنف و المفروض اشتراك التكليف و على فرض عدم الاطلاق لا اثر لدليل الاشتراك
فلا ثمرة للبحث الا على القول باختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه و ان الغائبين و المعدومين لا يكونون مقصودين بالافهام و قد مر خلافه.
و يمكن أن يرد عليه: انه يمكن ان درك زمان الحضور دخيلا في الحكم فلا مجال للاطلاق و من ناحية اخرى دليل الاشتراك انما يفيد فيما يكون الاتحاد في الصنف محفوظا و مع احتمال دخل درك زمان الحضور في الموضوع لا يحرز الاتحاد فترتب هذه الثمرة على البحث تام.
و فصل الميرزا النائيني بين القضايا الخارجية و الحقيقية بأنه لو كان الخطاب من القسم الأول لا يشمل الغائبين و المعدومين إلّا بالعناية و أما لو كان من القسم الثاني فلا فرق بين المشافهين و غيرهم و الظاهر ان ما أفاده تام اذ لو كان الخطاب على نحو القضية الحقيقية يكون تحقق الخطاب متوقفا على قابلية المكلف للخطاب فيشمل جميع انحاء المكلفين و لا يختص بالمشافهين.
و لا يرد عليه ما أورده عليه سيدنا الاستاد بأن مجرد وجود الموضوع لا يكفي في صحة الخطاب بل يلزم فرض وجوده في مجلس التخاطب، فانه يرد عليه ان التخاطب و تحققه يتوقف على وجود الموضوع و ان شئت قلت بناء على كون القضية حقيقية لا يكون مجلس التخاطب له خصوصية بل التخاطب يحصل مع كل مكلف قابل لأن يتوجه اليه الخطاب و لا يبعد أن يكون ادوات الخطاب موضوعة لمطلق الخطاب و لكن مقتضى الاطلاق استفادة الخطاب الحقيقي و بعبارة اخرى: الاصل الاولي كون الداعي للخطاب التفهيم.
الفصل السادس: [اذا تعقب العام ضمير يرجع الى بعض افراده]
اذا تعقب العام ضميرا يرجع الى بعض أفراده كما في قوله تعالى«وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ»الى قوله«وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ»فهل مقتضى القاعدة تخصيص العام
أو مقتضاها الالتزام بالاستخدام بأن لا يخصص العام و يلتزم بالاستخدام أو لا هذا و لا ذاك بل مقتضى القاعدة الرجوع الى الأصول العلمية و يكون محل الكلام ما اذا فرض وقوع كل من الأمرين في كلام مستقل كالآية الشريفة أو في كلام واحد مع استقلال العام كما لو قال «اكرم العلماء و أصدقائهم» و قد علم من الخارج ان وجوب اكرام الصديق منوط بعدالته و أما مع عدم استقلال العام كما لو قال «و المطلقات ازواجهن أحق بردهن» فلا اشكال في التخصيص، أفاد صاحب الكفاية لا مجال للأخذ بالعام لاحتفافه بما يصلح للقرينية و أيضا لا مجال للأخذ بعدم الاستخدام اذا الأخذ بالظهور فيما يشك في المراد و أما مع العلم به و الشك في أنه على اي نحو فلا مجال للأخذ بالظهور.
و عن الميرزا النائيني: تقديم اصالة العموم و عدم جريان اصالة عدم الاستخدام و ذكر في تقريب مدعاه وجوها:الوجه الاول:ان الاستخدام في الآية الشريفة انما يلزم لو اريد بالمطلقات المعنى العام و اريد بالضمير خصوص الرجعيات و هذا يتوقف على أن العام بعد التخصيص يكون مجازا فللعام معنيان حقيقي و مجازي فاذا اريد بالعام معناه الحقيقي و بالضمير معناه المجازي يلزم الاستخدام و أما لو لم نقل بكونه مجازا كما هو الحق لا يلزم الاستخدام لعدم تعدد معنى العام.
و يرد عليه: ان الظاهر من العموم جميع الأفراد و من ناحية اخرى المراد من الضمير بعض الأفراد فيلزم الاستخدام بلا اشكال، و بعبارة واضحة: لزوم الاستخدام لا يتوقف على القول بالمجاز فان المراد بالاستخدام ارادة معنى من المرجع و ارادة معنى آخر من الضمير الراجع اليه و في المقام كذلك.
الوجه الثاني:ان اصالة عدم الاستخدام غير جارية في حد نفسها فلا مجال للتعارض و ذلك لأن المراد بالضمير معلوم و مع احراز المراد من اللفظ لا مجال لجريان الأصل.
و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن ما أفاده و ان كان تاما لكن مقتضى الظهور السياقي ان المراد بالضمير و المرجع الذي يرجع اليه الضمير واحد و هذا الظهور يعارض ظهور لفظ العموم في معناه بل مقتضى الظاهر ان العرف يقدم الظهور السياقي على الظهور اللفظي في الدوران المذكور بل العرف يقدم الظهور السياقي على اصالة الحقيقة ايضا فلو قال المتكلم «رأيت اسدا و ضربته» و علم ان مراده من المضروب الرجل الشجاع يفهم ان مراده من لفظ الاسد الرجل الشجاع فالظهور السياقي في أمثال ما ذكر مقدم على اصالة الحقيقة ايضا فالنتيجة ان اصالة عدم الاستخدام تتقدم على اصالة العموم لو دار الامر بينهما.
الوجه الثالث:انا سلمنا تقديم اصالة عدم الاستخدام على اصالة العموم لكن نقول انما يختص هذا بما يكون الاستخدام من جهة عقد الوضع كما لو قال المتكلم «رأيت اسدا و ضربته» و علمنا ان المضروب الرجل الشجاع و أما اذا كان من جهة عقد الحمل فلا مجال لهذا المدعى اذ الضمير استعمل فيما اريد من المرجع و لا استخدام في الضمير في الآية الشريفة فان المراد من المطلقات جميع أنواعها و المراد من الضمير ايضا كذلك غاية الأمر الحكم المستفاد من المحمول و هو جواز الرجوع يختص بنوع خاص من المطلقة اي الرجعية هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان ما أفاده في الكفاية من أن احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية مانع عن انعقاد الظهور، انما يتم فيما لو قال المولى «اكرم العلماء الا الفساق منهم» و دار الأمر بين كون المراد من الفسق الكبيرة فقط أو الأعم منها و من الصغيرة و أما في المقام فلا مجال له اذ المفروض ان الآية تعرضت لحكمين احدهما وجوب العدة ثانيهما جواز الرجوع في الطلاق الرجعي و لا يرتبط احد الأمرين بالآخر كى يكون احدهما قابلا للمنع عن الظهور في الطرف الآخر.
و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن ما أفاده من أن الاستخدام من جهة عقد الحمل