شاهد من الكتاب عموما أو خصوصا لا يبقى مجال لاستفادة المراد من الخبر و يضاف الى ذلك ان قوله(صلى اللّه عليه و آله و سلم): اني تارك فيكم الثقلين الخ يقتضي ان الشارح لكلامه تعالى كلام اهل البيت الذين هم أدرى بما في البيت.
و بعبارة واضحة: ان ما قاله المنحرفون من أنه يكفي كتاب اللّه غير تام و يلزم العمل بالكتاب بدلالة من اهل بيت الوحى و لا مجال للعمل بالكتاب وحده فكل ما ثبت انه كلام لهم(عليهم السلام)بالدليل المعتبر لا بد من الأخذ به، و صفوة القول:
ان المخالفة بالعموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد و الاجمال و البيان لا يكون مقصودا بالنصوص المشار اليها.
الفصل العاشر: [اذا دار الأمر بين التخصيص و النسخ]
انه اذا ورد عام و خاص و دار الأمر بين التخصيص و النسخ ففيه صور:الصورة الاولى:أن يكون الخاص متصلا بالعام فلا اشكال في كون الخاص مخصصا للعام كما لو قال المولى «اكرم العلماء الا الفساق منهم» و لا مجال لاحتمال النسخ في هذه الصورة اذ النسخ رفع الحكم الثابت و المفروض ان الذي خصص من اول الأمر لا يكون ثابتا كى يرتفع.
الصورة الثانية:أن يكون الخاص واردا بعد العام قبل حضور وقت العمل بالعام فائضا يكون الخاص مخصصا اذ المفروض وروده قبل حضور وقت العمل بالعام فلا مجال للنسخ، و الوجه فيه ان جعل الحكم مع العلم بعدم تحقق موضوعه لغو صرف لا يصدر عن المولى الحكيم الا في الاوامر الامتحانية.
الصورة الثالثة:أن يكون الخاص واردا بعد العام و بعد حضور وقت العمل به فيدور الأمر بين كون الخاص مخصصا و ناسخا ربما يقال انه ناسخ كى لا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لكن يتوجه اشكال آخر و هو انه يلزم نسخ كثير
من الاحكام الشرعية و ليس المراد من الاشكال المذكور انه لا نسخ بعد الرسول الاكرم فانه يمكن دفع الاشكال المذكور بأنه(صلى اللّه عليه و آله و سلم)جعل بيان الاحكام و أمدها وديعة عند اهل بيته و انهم(عليهم السلام)يبينون ما بينه(صلى اللّه عليه و آله و سلم)فلا اشكال من هذه الجهة بل الاشكال من جهة ان الشريعة الاسلامية شريعة خالدة و لا تناسب بين الخلود و النسخ بهذه الكثرة و لذا لا بد من دفع الاشكال فأفاد صاحب الكفاية بأن الاحكام المنسوخة احكام ظاهرية قد بينت لمصالح و المخصص الوارد بعد حضور وقت العمل ناسخ للحكم الظاهري و مخصص للحكم الواقعي.
و الظاهر ان ما أفاده تام، و صفوة القول ان الحكم الواقعي مخصص و لا يكون عاما لكن المصلحة تقتضي عدم البيان و الاظهار، و ببيان ظاهر ان الحكم الواقعي يختص بموضوع خاص غاية الأمر لا يكون واضحا الا بعد ورود المخصص، و الحق أن يقال في مقام دفع الاشكال ان ما ذكر من كون الشريعة خالدة لا ينافي النسخ فان المراد بالخلود ان الاحكام الشريعة لا تكون كبقية الاحكام التي تتغير بوقوف جاعلها على جهات و ببيان واضح ان الشارع الأقدس لكونه عالما بجميع الجهات لا مجال للتغير في أحكامه و مجعولاته أو ان المراد بالخلود ان الشريعة الاسلامية خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها كى تنسخ و لا تنافي بين عدم النسخ بهذا المعنى مع كون الحكم موقتا من اول الأمر اذا عرفت ما تقدم نقول الذي يخطر بالبال أن يقال: ان الظاهر من الادلة بيان الحكم من اول الامر و بعبارة اخرى الظاهر من التخصيصات الوارد بعد حضور وقت العمل بالعمومات بيان الاحكام الثابتة في الشريعة من اول الأمر فالخاص الوارد بعد حضور وقت العمل بالعام مخصص للعام لا ناسخ فلاحظ.
الصورة الرابعة:ان يرد العام بعد ورود الخاص قبل زمان العمل بالخاص و في هذه الصورة يكون الخاص مخصصا للعام اذ لا يعقل جعل الخاص قبل حضور
وقت العمل به منسوخا و يكون الجعل لغوا و لا يصدر عن الحكيم نعم بالنسبة الى المولى العرفي الذي يمكن في حقه الجهل و الندم لا يبعد أن يكون العام محكما بأن يقال الميزان بما صدر عن المولى مؤخرا لكن الجهل و الندم لا يجوز ان بالنسبة الى المولى الحكيم إلّا ان يكون انشاء الحكم الخاص امتحانيا.
الصورة الخامسة:ان يكون العام واردا بعد ورود الخاص و بعد حضور وقت العمل به فيدور الأمر بين كون الخاص مخصصا للعام و كون العام ناسخا له فربما يقال ان كثرة التخصيص توجب أقوائية ظهور الخاص في التخصيص و يكون أظهر في الدوام لندرة النسخ و لو كان ظهوره في الدوام بالاطلاق فيقدم على العموم و ان كان ظهوره فى العموم بالوضع.
اذا عرفت ما تقدم نقول يقع الكلام في أنه لو دار الأمر بين النسخ و التخصيص فهل يكون دليل على عدم النسخ و ترجيح التخصيص ربما يقال يمكن اثبات عدم النسخ بوجوه:
[ما ذكر لاثبات عدم النسخ و ترجيح التخصيص]
الوجه الاول:الاستصحاب، أي استصحاب بقاء الحكم و عدم كونه منسوخا.
و فيه: ان الاصل العملي لا مجال له مع وجود الأصل اللفظي، و بعبارة اخرى مع اصالة العموم في ناحية العام المقتضي لنسخ الخاص لا مجال لاستصحاب الحكم الخاص مضافا الى ان استصحاب الحكم الخاص معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.
الوجه الثاني:ان دليل كل حكم ظاهر في الاستمرار فدليل الحكم الخاص ايضا من الاصول اللفظية، و فيه: ان استمرار كل حكم فرع ثبوت ذلك الحكم و المفروض ان العام يعارض دليل الخاص و ان شئت قلت: استمرار الحكم أمر مترتب على وجود الحكم، و ببيان واضح ان استمرار الحكم موضوعه وجود الحكم و المفروض ان العام يعارض دليل الخاص في ثبوته، اللهم إلّا أن يقال انه لا اشكال في أن دليل
الخاص يقتضي ثبوت الحكم لأفراده و مقتضى الظهور بقائه، و بعبارة اخرى دليل العام لا يعارض اصل ثبوت الحكم بل يعارض استمراره فلا مجال لأن يقال ان الدليل الواحد لا يتكفل لكلا الامرين، و صفوة القول: انه لا ريب في أنه مع عدم العام يكون الحكم الثابت للخاص باقيا فالتعارض بين الأصلين اللذين كلاهما لفظيان، ان قلت ان دليل ثبوت الحكم لا يمكن أن يكون متعرضا لاستمراره و استمراره فرع وجوده فدليل أصل الحكم لا يكون دالا على استمراره.
قلت: انه اشبه بالسفسطة فان الدليل تارة يكون متعرضا للأفراد العرضية و اخرى يكون متعرضا للأفراد الطولية مثلا قول المولى يجب اكرام كل عالم متعرض لوجوب اكرام كل فرد من أفراد العلماء كما ان قول المولى «يستحب الغسل في يوم الجمعة» يدل على استحباب الغسل في كل جمعة و بعبارة واضحة: ليس هذا عبارة عن الاستمرار بل معناه جعل الحكم لكل فرد من الأفراد الطولية و دليل الاستمرار عبارة عن الدليل الدال على عدم نسخ الحكم و هو لا يرتبط بهذا الدليل و ببيان صريح جعل الحكم للافراد الطولية لا يرتبط باستمرار الحكم فلا تغفل.
الوجه الثالث:قوله(عليه السلام)«حلال محمد حلال الى يوم القيامة»[1]بتقريب ان كل حكم مجعول من قبل الشارع باق الى يوم القيامة فلا نسخ.
و فيه: ان المراد من الخبر ان شريعة محمد(صلى اللّه عليه و آله و سلم)شريعة خالدة باقية الى يوم القيامة و لا شريعة بعدها لا أن كل حكم شرعي مستمر، كيف و قد ورد في بعض النصوص ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن، و الذي يختلج بالبال أن يقال ان العام المتأخر عن الخاص تارة في مقام بيان الحكم في أصل الشريعة و من أول الأمر و اخرى في مقام بيان الحكم من زمان ورد العام فان كان من قبيل القسم الأول يكون الخاص مخصصا و بعبارة اخرى يكون مثل صورة تقارن العام و الخاص
[1]الاصول من الكافى، ج 2، ص 17، حديث: 2
و اذا كان من القسم الثاني يكون العام ناسخا للخاص بحسب الظهور العرفي و اذا فرض الشك و لم يعلم الحال تصل النوبة الى الأصل العملي و لا مجال لاستصحاب الحكم الخاص لمعارضته بعدم الجعل الزائد فالمرجع البراءة إلّا أن يكون الأمر دائرا بين المحذورين فيحكم العقل بكون الوظيفة التخيير.
بقى في المقام امران:
احدهما: ان النسخ هل يكون جائزا ام لا؟
ربما يقال بعدم جوازه لأن رفع الحكم بعد ثبوته اما ناش من الجهل و اما ناش عن عدم الحكمة و كلاهما غير معقول بالنسبة الى ساحته تعالى و تقدس بيان ذلك: ان بقاء الحكم و استمراره اما فيه الملاك و اما ليس فيه الملاك، أما على الاول فيلزم أن يكون باقيا فرفعه خلاف الحكمة مضافا الى أن جعله أولا مع علمه برفعه بعد حين لغو و أما على الثاني فيلزم كونه تعالى جاهلا تعالى اللّه عما يقولون.
و فيه: اولا ينقض بالعام الذي يخصص بالمخصص المنفصل فان الاشكال بعينه هو الاشكال و الجواب هو الجواب و أما الجواب الحلي ان الحكم الواقعي مختص بزمان خاص كما ان وجوب الاكرام مثلا يختص بخصوص العدول لكن المصلحة تقتضي عدم البيان فلا يلزم الجهل و لا يلزم خلاف الحكمة.
ثانيهما: ان البداء، هل يكون جائزا بالنسبة الى ذاته المقدسة أم لا؟
فان المعروف من مذهب الشيعة جواز البداء بالنسبة الى ذاته تعالى و ربما يقال ان الالتزام بالبداء يستلزم الجهل بالنسبة اليه تعالى و تقدس.
و الجواب عن هذه الشبهة ان جميع الأمور معلومة عند ذاته المقدسة و المعلوم عنده قسمان: قسم في اللوح المحفوظ، و قسم في لوح المحو و الاثبات و الذي يكون في اللوح المحفوظ لا يتغير و لا يتبدل، و أما القسم الثاني فهو قابل للتغير و التبدل و البداء في الحقيقة هو الابداء و اظهار ما كان مستورا مثلا قد قدر أن يعمر زيد خمسين سنة بشرط عدم صلته لرحمه و أما اذا وصل رحمه يزيد في عمره ثلاثون سنة، فمعنى البداء اظهار ما كان مجهولا، و ببيان واضح: كان المقدر أن يعمر خمسين ثم يبدو
و يظهر ان عمره ثمانون و بهذا المعنى لا يتوجه الاشكال، و الشيعة قائلون بالبداء بهذا المعنى و لا يلزم منه استناد الجهل الى ذاته المقدسة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
و ذكر المحدث الكبير المحقق المدقق المجلسي(قدس سره)نصوصا و أفاد في ذيل الروايات تحقيقا بليغا فراجع ما ذكره و ما أفاده[1].
المقصد الخامس: فى المطلق و المقيد و المجمل و المبين:
و فيه فصول:
فصل: [في تعريف المطلق]
قال في الكفاية عرف المطلق بأنه ما دل على شايع فى جنسه، و قد اشكل عليه بعض الاعلام بعدم الاطراد و الانعكاس الى آخر كلامه.
اقول: الظاهر انه ليس اصطلاح خاص عند الاصوليين في لفظي المطلق و المقيد فان الاطلاق عندهم عبارة عن الارسال و عدم القيد كما ان التقييد عندهم عبارة عن عدم الارسال، و بعبارة اخرى يقال زيد مطلق في مقابل بكر الذي قيد بقيد فالمناسب أن يتكلم في الالفاظ التى وقع الكلام فيها من حيث انها من مصاديق المطلق أم لا.
قال في الكفاية: من المطلق اسم الجنس، كانسان و رجل و فرس و حيوان و سواد و بياض الى غير ذلك من اسماء الكليات من الجواهر و الاعراض بل العرضيات الى آخر كلامه.
و يمكن أن يكون المراد بالعرضيات المشتقات و يمكن أن يكون المراد بها الامور غير المتأصلة كالملكية في مقابل الاعراض المتأصلة كالبياض و لتوضيح المدعى لا بد من بيان ما هو الموضوع له في اسماء الاجناس، فنقول قال سيدنا الاستاد:
الماهية تارة تلاحظ بما هي اي ان النظر مقصور الى ذاتها و ذاتياتها و لا يلاحظ معها
[1]بحار الانوار، ج 4، ص 92، باب البداء و النسخ
شيء آخر و تسمى هذه الماهية بالماهية المهملة اي اهمل فيها النظر الى غيرها من الخصوصيات، و اخرى ينظر اليها مع خصوصية من الخصوصيات فان كانت تلك الخصوصية كونها مقسما للاقسام تسمى باللابشرط المقسمي و في هذا الحال لا يطلق على الماهية الا الذات و الذاتيات، و ان كانت تلك الخصوصية كونها في وعاء العقل مجردة تسمى بالماهية المجردة و هي بهذا العنوان لا يعقل ان تحمل على الموجودات الخارجية للتنافي بين كونها مجردة و كونها متحدة مع الخصوصية الخارجية، و ان شئت قلت الماهية بشرط لا، لا تجتمع مع اية خصوصية و ان كانت تلك الخصوصية الملحوظة مع الماهية خصوصية خارجية تسمى بالماهية المخلوطة و تلك الخصوصية اما وجودية و اما عدمية فان كانت وجودية تسمى بشرط الشىء و ان كانت عدمية تسمى بشرط لا و ان كانت تلك الخصوصية الملحوظة الارسال و الاطلاق تسمى باللابشرط القسمي و المراد من الاطلاق و الارسال رفض القيود و الغائها و بعد ذلك نقول ان اسم الجنس موضوع للماهية المهملة الملغاة عنها جميع الخصوصيات حتى كونها مقسما للأقسام و السر فيه انه لو كان موضوعا لخصوصية من تلك الخصوصيات كان استعماله في غير تلك الخصوصية استعمالا في غير ما وضع له و الحال ان استعمال اسم الجنس في جميع الأقسام استعمالا في الموضوع له و لا مقتضي للالتزام بالمجاز، هذا محصل كلامه دام ظله و بقائه.
و يرد عليه: ان مرجع كلامه الى الخلف و التناقض اذ لا اشكال في أن وجود المقسم معتبر في جميع الاقسام فكيف يمكن الجمع بين كون اللابشرط المقسمي مقسما لجميع الأقسام و مع ذلك لا تكون تلك الخصوصية داخلة في الموضوع له، فالحق ان يقال ان اسم الجنس موضوع للماهية التى يعبر عنها باللابشرط المقسمي، و ان شئت قلت: الماهية من حيث هي جامعة بين جميع تلك الخصوصيات و موجودة مع جميع الأفراد و بعبارة واضحة: الحيثية اللابشرطية تنتزع من الماهية
بلا لحاظ لاحظ أي لا يحتاج الى اللحاظ بل بنفسها مقسما و جامعة للافراد و لذا لا يصح أن يقال انها مهملة فانها لا تكون مهملة بل مطلقة بالاطلاق الذاتي في قبال الاطلاق اللحاظي و أما قوله ان الماهية المهملة لا يطلق عليها الا ذاتها و ذاتياتها، فيرد عليه: ان الحمل في ذلك الوعاء حمل اولي و من الظاهر انه لا يحمل الذاتي على الماهية بالحمل الأولي فلا يصح أن يقال الانسان حيوان بالحمل الاولي بل الانسان حيوان ناطق فلاحظ.
ثم انه لا يخفى ان اللابشرط القسمي ما يكون قابلا للانطباق على الأفراد الخارجية اذ الاطلاق عبارة عن رفض القيود في مقام الحكم على الماهية فما أفاده في الكفاية بأن اللابشرط القسمي موطنه العقل و ما يكون موطنه العقل لا ينطبق على ما في الخارج غير تام، و السر فيه ان لحاظ الماهية على نحو الاطلاق ليس قيدا لها كى يتم المدعى بل اللحاظ طريق الى موضوع الحكم.
[الكلام في الكلي الطبيعي]
ثم انه وقع الكلام في أن الكلي الطبيعي عبارة عن اللابشرط القسمي او انه عبارة عن اللابشرط المقسمي فعن المحقق النائيني ان الكلي الطبيعي عبارة عن اللابشرط القسمي بتقريب ان اللابشرط المقسمي جامع بين الماهية بشرط شيء و الماهية بشرط لا و الماهية لا بشرط فالكلي الطبيعي الجامع للأفراد الخارجية قسيم للماهية بشرط لا و الماهية بشرط شيء و لا يعقل أن يكون قسيم الشيء مقسما لنفسه و قسيمه و الظاهر ان الكلي الطبيعي هو اللابشرط القسمي فان الكلي الطبيعي ما ينتزع عن الأفراد الخارجية فما أفاده الميرزا النائيني تام.
و من أقسام المطلق علم الجنس كاسامة و الحق انه لا فرق معنوي بين اسم الجنس و علمه و انما الفرق لفظي فانه يعامل مع علم الجنس معاملة المعرفة و مع اسم الجنس معاملة النكرة فلا تغفل.