و على هذا الاساس نقول اذا ورد مطلق و مقيد و علمنا من الخارج وحدة التكليف فاما يكون المقيد متحدا مع المطلق في الاثبات و النفي و اما يكون مخالفا معه و على كلا التقديرين فاما يكون متعلق التكليف مركبا اعتباريا في اعتبار المولى و اما لا يكون كذلك فتتصور صور:
الصورة الاولى: أن يتعلق الأمر بفعل من أفعال المكلف كما لو قال «اعتق رقبة» و في دليل آخر قال «اعتق رقبة مؤمنة» يحمل المطلق على المقيد و يقال ان الواجب من قبل المولى على العبد عتق الرقبة المؤمنة.
الصورة الثانية: أن يتعلق التكليف بمركب اعتباري كما لو قال «صل» ثم في دليل آخر قال «صل الى القبلة» فأيضا يحمل المطلق على المقيد و يقال الواجب على المكلف الصلاة الى القبلة.
الصورة الثالثة: أن يتعلق الأمر بمركب اعتباري كما لو قال «صل» و في دليل آخر قال «لا تصل فيما لا يؤكل لحمه» و أيضا يحمل المطلق على المقيد و يلتزم باشتراط كون الصلاة في المأكول اذا كان من الحيوان و ذلك لأن النهي عن المركب الاعتباري ارشاد الى المانعية.
هذا تمام الكلام فيما احرز و علم ان التكليف واحد و أما لو قال المولى «اعتق رقبة» ثم قال «اعتق رقبة مؤمنة» و احتمل تعدد التكليف فيمكن أن يكون المراد من المطلق هو المقيد و يمكن أن يكون المراد من المقيد أفضل الافراد و يمكن أن يكون المراد من المقيد الواجب في واجب آخر نظير ما لو نذر أن يصلي صلاته في المسجد و يمكن أن يكون المراد من كل من المطلق و المقيد تكليف مستقل فهنا احتمالات أربعة:
فنقول تارة نعلم من الخارج تعدد التكليف و اخرى لا نعلم و نحتمل التعدد كما نحتمل وحدته، أما على الأول فنقول مقتضى الظاهر وجوب كل من المطلق
و المقيد فالعبد مكلف بتكليفين احدهما متعلق بعتق الرقبة المطلقة ثانيهما: متعلق بالرقبة المؤمنة فاذا ترك العتق رأسا يعاقب بعقابين و اذا اعتق رقبة كافرة ثم اعتق رقبة مؤمنة فقد امتثل كلا التكليفين كما انه يحصل كلاهما بعتق رقبة مؤمنة ابتداء و اذا أعتق رقبة كافرة فقط يعاقب على عصيان الامر بالمقيد.
و أما الصورة الثانية: و هي صورة الشك في تعدده و عدمه فربما يستفاد من دليل المقيد الارشاد كما لو قال المولى «صل» ثم قال «صل الى القبلة» فانه يفهم من كلامه الارشاد الى شرطية القبلة في الصلاة كما انه لو قال «لا تصل فيما لا يؤكل» يفهم الارشاد الى المانعية فلا يكون الأمر بالمقيد تكليفا مستقلا في قبال التكليف بالمطلق و أما لو لم يكن كذلك كما لو قال «اعتق رقبة» ثم قال «اعتق رقبة مؤمنة» فلا وجه لحمل الأمر بالمقيد على الارشاد بل اللازم حمل الأمر على ظاهره من المولوية، نعم ربما يكون الكلام مجملا فتصل النوبة الى الشك بأن نشك فى أن التكليف واحد أو متعدد فما الحيلة و ما الوسيلة؟ الذي يختلج بالبال أن أن يقال ان المكلف يعلم بكونه مكلفا بعتق الرقبة المؤمنة قطعا اذ على كلا التقديرين يكون عتق الرقبة المؤمنة واجبا عليه و يشك في وجوب عتق الرقبة غير المؤمنة و مقتضى البراءة عدم وجوبه و النتيجة تظهر فيما لا يكون قادرا على عتق المؤمنة فانه لا يجب عليه عتق الكافرة و ايضا مع الامكان و القدرة لا يجوز له عتق الكافرة بعنوان انه واجب للزوم التشريع المحرم نعم الاتيان به رجاء لا مانع منه فلاحظ.
هذا تمام الكلام في المورد الأول و هو أن يكون المطلوب صرف الوجود، و أما المورد الثاني: و هو ما كان المطلوب فيه مطلق الوجود كما في قوله تعالى«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»فتارة يكون المقيد مخالفا مع المطلق في الاثبات و النفي و اخرى يكون موافقا، أما على الأول فلا اشكال في رفع اليد عن المطلق و حمله على المقيد فلو قال المولى«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»ثم قال «نهي النبي عن بيع الغرر» يحكم
بفساد البيع الغرري و يحمل البيع الصحيح على البيع الذي لا يكون غرريا و ان شئت قلت: يفهم العرف من دليل المقيد الارشاد الى مانعية الغرر عن صحة البيع.
و أما على الثاني فوقع الكلام بين القوم في حمل المطلق على المقيد و عدمه فالمشهور فيما بين القوم انه لا وجه لحمل المطلق على المقيد لعدم التنافي بين المثبتين فلو قال المولى «خلق اللّه الماء طهورا» ثم قال «خلق اللّه ماء البحر طهورا» لا يحمل الدليل الأول على الثاني لعدم المقتضي لهذا الحمل.
و قد فصل سيدنا الاستاد في المقام و قال تارة يكون القيد في سؤال الراوي كما لو سئل عن طهارة ماء البحر فأجاب بأن ماء البحر طاهر و مثله ما لو كان القيد في كلام الامام(عليه السلام)ابتداء لكن لرفع توهم السائل فلا موجب لحمل المطلق على المقيد، و أما لو كان القيد في كلام الامام ابتداء بلا وجه ظاهر ففي مثله يكون الدليل دالا على المفهوم و يكون نافيا للحكم عن غير المقيد و إلّا يكون الاتيان به لغوا فصونا لكلام الحكيم عن اللغوية لا بد من حمل المطلق على المقيد اذ لو لم يكن دالا على المفهوم لكان ذكر القيد لغوا و المراد من المفهوم الذي نقول ان دليل المقيد ينفي الحكم عن غير مورد القيد و ان الحكم غير مطلق.
و لا يبعد أن يكون مراده من هذا الكلام ان دليل المقيد يدل على أن ما ذكر في دليل المقيد يدل على أنه ليس المراد من دليل المطلق الاطلاق الواقعي، و بعبارة اخرى دليل المقيد يدل على عدم عموم الحكم لا انه يدل على نفي الحكم كما هو كذلك في دليل الشرط.
و يرد عليه: ان ما أفاده بلا دليل و لا وجه لهذه الدعوى اذ يكفي لعدم اللغوية احتمال كون المولى مهتما ببيان حكم المقيد و لا وجه لرفع اليد عن الاطلاق المستفاد من دليل المطلق.
[حمل المطلق على المقيد في المستحبات]
بقي الكلام في الفرق بين الواجب و المستحب حيث انهم لا يحملون المطلق
على المقيد في باب المستحبات و يتوجه السؤل بأنه ما الفرق بين المقامين فان المقيد ان كان قرينة عرفية على المراد من المطلق فليكن الأمر كذلك في باب المستحبات ايضا و ان لم يكن كذلك فليكن الامر كذلك في الواجبات و قد ذكرت وجوه في مقام الفارق بين المقامين:
الوجه الاول: غلبة مراتب الاستحباب في باب المستحبات فانها تقتضي حمل المقيد فيها على المرتبة العالية و فيه: بعد تسليم المدعى انه لا وجه لهذا التقريب و مجرد الغلبة لا يقتضي رفع اليد عن قرينية القرينة.
الوجه الثاني: ان الاستحباب من ناحية التسامح في باب المستحبات و شمول قاعدة من بلغ دليل المطلق. و يرد عليه اولا: انه اذا كان دليل المقيد قرينة في نظر العقلاء لا يبقى مجال لاثبات الاستحباب المطلق بل مقتضى الصناعة اختصاص الاستحباب بالمقيد و بعبارة اخرى: لا يصدق عنوان البلوغ اذ يحمل المطلق على المقيد و ثانيا: على فرض تسليم المدعى لا وجه لكون المقيد أفضل من المطلق و ثالثا انه لا دليل على قاعدة التسامح.
الوجه الثالث: ما افاده سيدنا الاستاد و هو ان المقيد يتصور في باب المستحبات على أقسام القسم الاول: أن يكون دليل التقييد ذات مفهوم كما لو دل دليل على استحباب صلاة الليل و دل دليل آخر بأن استحبابها مشروط بوقوعها بعد نصف الليل فان الاستحباب يختص بالحصة الخاصة بلا اشكال.
القسم الثاني: ما يكون دليل المقيد مخالفا مع دليل المطلق بالاثبات و النفي كما لو دل دليل على استحباب الصلاة و دل دليل آخر على النهي عن الصلاة في حال الحدث فان المستفاد من الدليل الثاني الارشاد الى اشتراط الصلاة بالطهارة و لا تكون الصلاة مطلوبة بلا طهارة.
القسم الثالث: أن يكون دليل المقيد ناظرا الى تقييد دليل المطلق كما لو قال
المولى «صل» و في دليل آخر قال «و لتكن صلاتك مع الطهارة» فلا بد من التقييد بلا اشكال.
القسم الرابع: أن يتعلق الامر في دليل التقييد بالمقيد بما هو مقيد كما هو الغالب في باب المستحبات كما لو دل الدليل على استحباب زيارة الحسين(عليه السلام)بقوله(عليه السلام)زر الحسين و قال في دليل آخر زر الحسين(عليه السلام)مع الغسل ففي هذا القسم لا يحمل المطلق على المقيد بل يحمل المقيد على أفضل الافراد و السر في التفصيل بين الواجبات و المستحبات ان المستفاد من دليل الواجب لزوم الاتيان بالمقيد و المنع عن تركه و أما في باب المستحب فلا يكون المستفاد من دليل المقيد المنع عن الترك فلا وجه لرفع اليد عن دليل المطلق بل مقتضى القاعدة الأخذ بكلا الدليلين و حمل المقيد على الأفضلية.
و يرد عليه: ان الوجه في حمل المطلق على المقيد في باب الواجبات وحدة المطلوب و قلنا مع كون المطلوب واحدا يكون الوجه في الحمل ان العرف يرى كون المقيد قرينة على المراد من المطلق و ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة و هذا الوجه مشترك بين كلا البابين و على هذا الاساس لا فرق بين المقامين بل مقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيد في أبواب المستحبات كما هو كذلك في أبواب الواجبات.
و صفوة القول: انه تارة يعلم من الخارج أو من ظاهر الدليل كون المطلوب واحدا فلا بد من حمل المطلق على المقيد و أما مع عدم احراز وحدة المطلوب و عدم الدليل عليها و احتمال تعدده فلا وجه لحمل المطلق على المقيد بلا فرق بين المقامين، نعم اذا علم ان الأمر بالمطلق الزامي و الأمر المتعلق بالمقيد غير الزامي لا يحمل المطلق على المقيد بل الأمر بالمقيد يحمل على كون المقيد أفضل، هذا كله فيما يكون المطلق موافقا مع المقيد في الايجاب و أما لو كان كلاهما سلبا كما
لو قال «لا تعتق رقية» و في دليل آخر قال «لا تعتق رقبة كافرة» فانه لا وجه لحمل المطلق على المقيد بل مقتضى القاعدة الأخذ بكلا الدليلين و الالتزام بحرمة عتق الرقبة على الاطلاق.
[فصل:] فى المجمل و المبين:
فصل: قال في الكفاية المبين ما له ظاهر و ان اختل ظهوره بما يكون موجبا لاجماله و المجمل ما لا يكون له ظهور في حد نفسه و ان علم المراد منه بقرينة خارجية و أفاد في ذيل كلامه ان الاجمال و البيان أمران اضافيان فربما يكون لفظ مجملا عند شخص لعدم علمه بالوضع أو لتصادم ظهوره بما يوجب اجماله و مبينا عند الآخر لعلمه بالوضع و عدم التصادم عنده.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأن البيان و الاجمال أمران واقعيان و لا يتفاوتان بتفاوت الاشخاص و الأحوال و يكونان كالعلم و الشجاعة اذ من الظاهر ان علم زيد مثلا أمر واقعي غاية الأمر يمكن تعلق العلم به بالنسبة الى واحد دون الآخر.
و ربما يقال البيان و الاجمال على نحوين احدهما اصالي و ثانيهما عارضي أما الأول فيكون أمرا واقعيا و لا مجال لأن يقال انه يفرق بالنسبة الى الأشخاص و أما الثاني فهو أمر نسبي اذ ربما يكون اللفظ محفوفا بما يوجب اجماله عند شخص و لا يكون مجملا عند الآخر لعدم احتفافه بما يوجب اجماله و لكن هذا التقريب ايضا غير تام، اذ يكون اللفظ الكذائي مع احتفافه بما يوجب اجماله مجملا على الاطلاق و بلا احتفافه بما يوجب اجماله مبينا كذلك فلا وجه للتفصيل.
نعم يصح ان يقال ان الاجمال و البيان في حد نفسهما تارة اصالي و اخرى عارضي مثلا لفظ الأسد في حد نفسه من الالفاظ التي لا اجمال فيها اصالة و يمكن أن يعرضها الاجمال بلحاظ احتفافها بما يوجب اجمالها و لفظ العين من الألفاظ
التى تكون مجملة بالاصالة و لكن يمكن أن يعرضها البيان بالعرض بأن تحتف بما يوجب اتضاح معناها و المراد منها فكلاهما واقعي و الذي يهون الخطب انه لا يترتب على هذا المبحث اثر عملي، و اللّه المستعان.
هذا تمام الكلام في المطلق و المقيد و المجمل و المبين، و به تم الجزء الاول من هذا الكتاب و يتلوه الجزء الثاني من اول مباحث القطع ان شاء اللّه تعالى فانتظر.
و الحمد للّه اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و السلام على محمد و آله الأطهار.
فهرس الكتاب
كلمة المؤلف 3
المقدمة 4
تعريف الاصول 5
الوضع 7
المعاني الحرفية 11
وضع المركبات 25
علامة الحقيقة 27
الحقيقة الشرعية 28
الصحيح و الاعم 33
في المشتق 48
في الاوامر 54
في الطلب و الارادة 57
فى صيغة الامر 83
في التوصلى و التعبدى 85