سيدنا الاستاد جواز الأخذ باطلاق الكتاب فان مقتضى اطلاق قوله«كُلُوا وَ اشْرَبُوا»*عدم وجوب شيء آخر و قس على ما ذكرنا لفظ الحج فانه لا اشكال في كون الحج موضوعا كلفظ الصلاة للمعنى الشرعي و ايضا لا اشكال في جواز الأخذ بالاطلاقات المقامية المنعقدة في جملة من النصوص الواردة في احكام الحج.
و اما لفظ الزكاة فالظاهر انه ايضا اسم في الشرع للمعنى الشرعي و الكلام فيه من حيث الاخذ بالاطلاق هو الكلام.
و اما لفظ الخمس فالظاهر انه باق على معناه اللغوى غاية الامر قد رتب عليه الحكم الشرعي يفسره من الموضوعات العرفية و بعبارة اخرى الخمس من الكسور و قد تعلق به احكام من قبل الشارع فهو خارج عن محل النزاع و المتحصل مما تقدم انه لا ثمرة لهذا البحث و مما يترتب على هذا البحث انه لو صلى رجل و تصلي امرأة بحياله صلاة فاسدة فعلى القول بالأعم تفسد صلاة الرجل و على القول بالصحيح تصح هذا تمام الكلام في العبادات.
و أما الكلام فى المعاملات و هو المقام الثاني:
فالظاهر انه لا مجال لهذا البحث اذ على كلا القولين يجوز الأخذ باطلاق ادلتها و لا يختص بخصوص القول بالاعم و الوجه فيه انه لا اشكال ان الفاظ المعاملات لا تكون لها حقيقة شرعية بل هي للمعاني اللغوية العرفية فعلى هذا الاساس يجوز الأخذ باطلاقها على كلا القولين.
أما على القول بالاعم فظاهر و أما على القول بالصحيح فلأنه لو احرز عنوان البيع أو الصلح أو الإجارة أو غيرها و صدق ذلك العنوان و شك في اعتبار قيد زائد يدفع بالاطلاق كما هو ديدن الاصحاب في هذه الابواب فلاحظ.
الامر السادس فى المشتق:
وقع الخلاف بين القوم في أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدإ بالفعل أو حقيقة في الاعم منه و ممن قضى عنه المبدأ بعد الاتفاق على كونه مجازا فيما يتلبس به في المستقبل قال في الكفاية انه لا اصل في هذه المسألة يعول عليه عند الشك فان اصالة عدم لحاظ الاطلاق واسعة لا تثبت كون اللفظ موضوعا لخصوص المتلبس الا على القول بالاثبات مضافا الى أن الاصل المذكور يعارضه اصل عدم لحاظ التلبس.
و أما ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة و المجاز اذا دار الامر بينهما لاجل الغلبة فممنوع اولا: بعدم تسلم الغلبة المذكورة و ثانيا لا دليل على الترجيح بها فعلى هذا تصل النوبة الى الأصل العملى الحكمى و مقتضاه يختلف إذ لو تعلق الوجوب بعد انقضاء المبدأ يكون مقتضى اصل البراءة عدم الوجوب فلو قال المولى «اكرم كل عالم» و زيد كان عالما ثم زال عنه العلم فان كان الشك في تعلق الوجوب باكرام العالم بعد انقضاء العلم عن زيد يكون مقتضى البراءة عدم الوجوب.
و أما لو كان الانقضاء بعد تعلق الوجوب يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب فيجب اكرامه.
و اورد عليه سيدنا الاستاد بأنه على القول بعدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلي و معارضته باصالة عدم الجعل الزائد فعدم الجريان ظاهر.
و أما على القول بالجريان فأيضا يشكل جريانه اذ الاستصحاب اما يجري في الحكم أو الموضوع أما في الحكم فكيف يجري فيه مع الشك في بقاء الموضوع و أما استصحاب بقاء الموضوع فيشكل بعدم جريان الاصل في موارد الشبهة
المفهومية و يمكن أن يقال انه لا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية كما قلنا انه يجري في عدم حصول المغرب اذا شك في أنه يحصل بسقوط القرص او بذهاب الحمرة المشرقية و قلنا في تقريب جريانه انه قبل سقوط القرص نقطع بعدم تحققه و بعد السقوط نشك في تحققه فنحكم بعدمه باستصحاب عدمه بما له من المفهوم عند العرف و لا نرى مانعا من جريانه.
و على هذا الاساس لا مانع من بقاء صدق العالم بما له من المفهوم على زيد العالم الذي انقضى عنه المبدأ فتكون النتيجة وجوب الاكرام بلا فرق و تفصيل و لا تصل النوبة الى الاصل الحكمي مع الشك في الموضوع اذ الأصل الجاري في الموضوع حاكم على الاصل الحكمى و مع جريان الأصل الحاكم لا مجال لجريان الاصل المحكوم.
اذا عرفت ما تقدم نقول الحق ان لفظ المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدإ و يدل عليه امور:
الاول:التبادر فانه يتبادر من لفظ المشتق في كل لغة خصوص المتلبس بالمبدإ فاطلاقه على المنقضى عنه المبدأ يكون مجازا و لا يختص التبادر المدعى بالجمل التامة، كى يقال: ان التبادر المذكور ببركة الحمل و لا يكون من حاق اللفظ بل الامر كذلك في غيرها فان المتبادر من لفظ (ضارب) في لغة العرب و من لفظ (زننده) في لغة الفرس الذات المتلبس بالضرب فعلا لا الأعم و ان شئت قلت المتبادر من المشتقات في الجمل الناقصة ما هو المتبادر منها في الجمل التامة و هي الاضافات و التقييدات و التبادر آية الحقيقة.
الثانى:صحة السلب فانه يصح سلب عنوان الضارب عمن انقضى عنه المبدأ ان قلت مطلق صحة السلب لا يدل على المدعى و بعبارة اخرى صحة السلب مقيدا لا يدل على المجاز اذ لا تنافي بين صحة السلب كذلك و كون اللفظ حقيقة في الأعم
و ان شئت قلت صحة سلب الحصة الخاصة لا تدل على صحته على الاطلاق و الدليل على المدعى هو الثاني.
قلت يصح السلب اى يصح سلب العنوان بما له من المفهوم فيدل على كون اللفظ بما له من المفهوم مجاز فى المنقضى عنه المبدأ و لا يخفى ان الذي ذكرنا من كون صحة السلب تدل على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس لا يرتبط بكون المتبادر من اللفظ خصوص المتلبس بل يدل على المدعى بالاستقلال بتقريب ان عنوان المشتق بما هو المرتكز من معناه في الذهن يصح سلبه عن الذات المنقضى عنه المبدأ فلا تغفل.
الثالث:انه لا ريب في تضاد مبادي جملة من المشتقات كالسواد و البياض و الحلاوة و الحموضة و هكذا و لا يعقل اجتماع الضدين فلو كان المشتق موضوعا للاعم يلزم جواز اجتماع الضدين اذ لو صح أن يقال زيد عالم و جاهل في زمان واحد يلزم اجتماع الضدين و هو محال.
و هذا التقريب فاسد اذ لا منافاة بين التضاد بين السواد و البياض و بين عدم اجتماع الضدين لو قلنا هذا الجسم ابيض اسود اذ معنى كون المشتق موضوعا للاعم انه موضوع للاعم من المتلبس فلا تنافي بين كونه اسود و بين كونه ابيض فالحق ان يقرب الدليل بتقريب آخر و هو انا نرى التضاد و التنافي بين عنواني الجاهل و العالم و الحال ان المشتق لو كان موضوعا للاعم لم يكن وجه للتضاد فلاحظ.
و استدل على القول بأنه موضوع للاعم من المتلبس بأن استعمال المشتق في المنقضى عنه المبدأ اكثر و استعمال اللفظ استعمالا مجازيا اكثر من الاستعمال الحقيقي بعيد و ينافي حكمة الوضع فنعلم بأنه موضوع للاعم.
و الجواب عن الاستدلال المذكور انه مجرد استبعاد و الحال انه لا مانع منه
فان باب المجاز واسع و استعمال اللفظ في المعنى المجازي مع القرينة القائمة و مع المجوز للاستعمال امر جائز مضافا الى أن الاستعمال يمكن أن يكون بلحاظ حال التلبس فلا يكون استعمالا مجازيا.
ثم ان سيدنا الاستاد أفاد بأن استعمال المشتق بلحاظ حال الانقضاء و ان كان امرا ممكنا و محتملا في القضايا الخارجية و أما استعماله في القضايا الحقيقية فأمر غير معقول لاحظ قوله تعالى«الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي»و قوله تعالى«السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ»و أمثالهما فان المراد ان كل من تلبس بالزنا و كل من تلبس بالسرقة يجب ضربه أو يجب قطع يده و هكذا و هذا العنوان لا يعقل و لا يتصور فيه الانقضاء فان الشيء لا ينقلب عما هو عليه كما هو ظاهر فلا مجال للاستدلال بالآيتين على كون المشتق موضوعا للاعم كما انه لا مجال لما أفاده صاحب الكفاية بأن الاستعمال في الآيتين بلحاظ حال التلبس لا حال الانقضاء لأن الانقضاء لا يتصور و لا يعقل هذا حاصل كلامه.
و فيه انه من اظهر مصاديق المغالطة اذ الكلام في عنوان المشتق و الحال ان سيدنا الاستاد في مقام بيان مدعاه غير العبارة و انتج من هذا التغيير مراده فان قوله تعالى«السَّارِقُ»يجب قطع يده مرجعه الى أن من صدق عليه عنوان السارق يجب قطع يده و ان شئت فقل بأن مرجعه الى قوله كل مكلف ان صار سارقا و ان صدق عليه هذا العنوان يجب قطع يده فعلى القول بكونه موضوعا للاعم يصدق عليه انه سارق بالفعل و إلّا لا يصدق بل يصدق انه كان سارقا و بعبارة واضحة الموضوع للحكم في الآيتين و أمثالهما ليس ما ذكره من قوله من زنا او سرق او قذف او اجنب او حاض بل الموضوع عنوان الزاني و السارق و القاذف و الحائض فما أفاده غير صحيح و الحق في الجواب أن يقال كما في عبارة الكفاية و يصح سلب عنوان المشتق عن المنقضى عنه المبدأ كما تقدم و صحة السلب آية المجاز و صفوة
القول ان الأدلّة قائمة على كون المشتق موضوعا لخصوص المتلبس و معه لا مجال للاستدلال على كونه موضوعا للأعم فلاحظ.
و استدل ايضا على كونه موضوعا للأعم باستدلال الامام(عليه السلام)على عدم لياقة العابد للصنم أو الوثن للخلافة الالهية بقوله تعالى«لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[1]فلا يكون الثلاثة قابلين لهذا المنصب الإلهي بتقريب انهم في زمان دعواهم الخلافة كانوا مشرفين بالاسلام فيكون المشتق حقيقة في الاعم و إلّا لا يتم الاستدلال.
و فيه اولا: قد ورد في النص انهما لم يؤمنا باللّه طرفة عين فدعوى الاسلام منهما جزافية و كذب محض و انما كانت مقدمة للنيل الى حطام الدنيا و زخرفها و لذا يعبر عنهم و عن اتباعهم بكفار الآخرة.
و ثانيا: المذكور في الآية عنوان الظالم و أي ظلم اعظم من ضرب الصديقة الطاهرة و هتكها و الهجوم على دار النبوة و الرسالة و احراق باب الوحي و اخافة اولاد الرسول و اخذ الوصي و اخ الرسول و زوج البتول كالاسير و سوقه كأحد المجرمين الى الجامع.
أو أى ظلم اعظم من هتك الرسول الاكرام و النبي المعظم و حين وفاته طلب ما يكتب ليكون هداية بعده فقال الملعون ان الرجل ليهجر فما زالوا ظالمين كافرين.
فالنتيجة ان الآية الشريفة لا تدل على مدعى الخصم مضافا الى أنه يمكن أن يكون بعض الاوصاف منافيا مع بعض المناصب و لو مع زوال تلك الصفة مثلا نرى انه لو حد احد يسقط عن كونه قابلا لامامة الجماعة و لا يكون قابلا للامامة شرعا فبطريق اولى لا يكون من عبد الوثن في زمان أن يصير خليفة اللّه في ارضه و يتصدى الزعامة العامة فالنتيجة ان المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدإ.
[1]البقرة/ 124
و أما نتيجة البحث: فقد ذكر من نتائجه انه يكره البول تحت الشجرة اليابسة اذا كانت مثمرة سابقا لاحظ ما رواه عاصم بن حميد عن أبى عبد اللّه(عليه السلام)قال:
قال رجل لعلي بن الحسين(عليه السلام): أين يتوضأ الغرباء؟ قال: يتقي شطوط الانهار، و الطرق النافذة، و تحت الاشجار المثمرة[1]فعلى تقدير كون المشتق موضوعا للاعم يكون البول تحت الشجرة التي اثمرت في زمان سابق مكروها و ان لم تكن فعلا ذات ثمرة.
و أما على القول بكونه موضوعا لخصوص المتلبس بالمبدإ بالفعل فلا يكون مكروها الا في حال تلبسها بالثمرة.
و من تلك الثمرات التي ذكروها كراهة الوضوء بالماء المشمس فانه على القول بالوضع للاعم تكون الكراهة باقية بعد برده لاحظ ما رواه اسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضئوا به و لا تغتسلوا به[2]و لكن المذكور في الرواية ليس عنوان المشمس كى يجري فيه هذا النزاع.
و منها كراهة غسل الميت بالماء الذي كان حارا سابقا لا بالفعل لاحظ مرسل ابن المغيرة عن رجل، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه(عليهما السلام)قالا: لا يقرب الميت ماء حميما[3]و منها وجوب ترتيب الاثر على الحيوان الجلال و لو بعد ارتفاع جلله فانه من آثار وضع المشتق للاعم لكن يقتضى النص انه يرتفع الحكم بعد ارتفاع جلله.
[1]الوسائل، الباب 15، من ابواب احكام الخلوة، الحديث: 1
[2]الوسائل، الباب 6، من ابواب الماء المضاف، الحديث: 2
[3]الوسائل، الباب، 10 من ابواب غسل الميت، الحديث: 2
[المقاصد]
المقصد الاول «فى الاوامر» و فيه فصول:
الفصل الاول: فيما يتعلق بمادة الامر و فيه جهات من البحث.
الجهة الاولى: انه قد ذكر لمادة الامر معان عديدة
قال في الكفاية منها الطلب و الظاهر ان تفسير الامر بالطلب من مصاديق تفسير الاخص بالاعم و بعبارة اخرى الامر من مصاديق الطلب لا ان مفهوم الامر مساوق مع مفهوم الطلب و ان شئت قلت الامر ليس مساويا للطلب مفهوما فانه يصدق في كثير من الموارد و لا يصدق عليها الأمر مثلا طلب الغريم ليس امرا و كذلك طلب العلم و طلب الضالة فلا اشكال في أن الأمر بما له من المفهوم يقع مصداقا للطلب كما انه لا اشكال في ظهور المادة في الطلب في المشتقات التى تشتق منها فاذا قيل أمره بكذا أو آمرك او يأمره أو فلان أمر و الشيء الفلانى مأمور به و أمرتك بكذا الى غيرها من الأمثلة يفهم منه الطلب و بعبارة واضحة ان الظاهر من المشتقات التي تشتق من مادة الأمر هو الطلب.
الجهة الثانية: [الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر]
قال في الكفاية الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي امرا و لو اطلق عليه كان بنحو من المسامحة و الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء في تحقق معناه فيكون الطلب من العالى امرا و لو كان مستخفضا لجناحه و أما احتمال اعتبار احد الأمرين فضعيف و توبيخ الداني السافل الطالب من العالي المستعلى عليه انما هو لاستعلائه عليه لا لامره بعد استعلاءه و كيف كان ففي صحة سلب الامر عن طلب السافل و لو كان مستعليا كفاية.
و الذي يختلج بالبال ان يقال انه لا يشترط في صدق اللفظ بما له من المفهوم الشرط المذكور و لذا يصح أن يقال ان العبد أمر مولاه بكذا و كذا يصح أن يقال ان الفلان خادم زيد أمر مخدومه بكذا و صحة الحمل آية الحقيقة و يصح أن