القول ان الأدلّة قائمة على كون المشتق موضوعا لخصوص المتلبس و معه لا مجال للاستدلال على كونه موضوعا للأعم فلاحظ.
و استدل ايضا على كونه موضوعا للأعم باستدلال الامام(عليه السلام)على عدم لياقة العابد للصنم أو الوثن للخلافة الالهية بقوله تعالى«لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[1]فلا يكون الثلاثة قابلين لهذا المنصب الإلهي بتقريب انهم في زمان دعواهم الخلافة كانوا مشرفين بالاسلام فيكون المشتق حقيقة في الاعم و إلّا لا يتم الاستدلال.
و فيه اولا: قد ورد في النص انهما لم يؤمنا باللّه طرفة عين فدعوى الاسلام منهما جزافية و كذب محض و انما كانت مقدمة للنيل الى حطام الدنيا و زخرفها و لذا يعبر عنهم و عن اتباعهم بكفار الآخرة.
و ثانيا: المذكور في الآية عنوان الظالم و أي ظلم اعظم من ضرب الصديقة الطاهرة و هتكها و الهجوم على دار النبوة و الرسالة و احراق باب الوحي و اخافة اولاد الرسول و اخذ الوصي و اخ الرسول و زوج البتول كالاسير و سوقه كأحد المجرمين الى الجامع.
أو أى ظلم اعظم من هتك الرسول الاكرام و النبي المعظم و حين وفاته طلب ما يكتب ليكون هداية بعده فقال الملعون ان الرجل ليهجر فما زالوا ظالمين كافرين.
فالنتيجة ان الآية الشريفة لا تدل على مدعى الخصم مضافا الى أنه يمكن أن يكون بعض الاوصاف منافيا مع بعض المناصب و لو مع زوال تلك الصفة مثلا نرى انه لو حد احد يسقط عن كونه قابلا لامامة الجماعة و لا يكون قابلا للامامة شرعا فبطريق اولى لا يكون من عبد الوثن في زمان أن يصير خليفة اللّه في ارضه و يتصدى الزعامة العامة فالنتيجة ان المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدإ.
[1]البقرة/ 124
و أما نتيجة البحث: فقد ذكر من نتائجه انه يكره البول تحت الشجرة اليابسة اذا كانت مثمرة سابقا لاحظ ما رواه عاصم بن حميد عن أبى عبد اللّه(عليه السلام)قال:
قال رجل لعلي بن الحسين(عليه السلام): أين يتوضأ الغرباء؟ قال: يتقي شطوط الانهار، و الطرق النافذة، و تحت الاشجار المثمرة[1]فعلى تقدير كون المشتق موضوعا للاعم يكون البول تحت الشجرة التي اثمرت في زمان سابق مكروها و ان لم تكن فعلا ذات ثمرة.
و أما على القول بكونه موضوعا لخصوص المتلبس بالمبدإ بالفعل فلا يكون مكروها الا في حال تلبسها بالثمرة.
و من تلك الثمرات التي ذكروها كراهة الوضوء بالماء المشمس فانه على القول بالوضع للاعم تكون الكراهة باقية بعد برده لاحظ ما رواه اسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضئوا به و لا تغتسلوا به[2]و لكن المذكور في الرواية ليس عنوان المشمس كى يجري فيه هذا النزاع.
و منها كراهة غسل الميت بالماء الذي كان حارا سابقا لا بالفعل لاحظ مرسل ابن المغيرة عن رجل، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه(عليهما السلام)قالا: لا يقرب الميت ماء حميما[3]و منها وجوب ترتيب الاثر على الحيوان الجلال و لو بعد ارتفاع جلله فانه من آثار وضع المشتق للاعم لكن يقتضى النص انه يرتفع الحكم بعد ارتفاع جلله.
[1]الوسائل، الباب 15، من ابواب احكام الخلوة، الحديث: 1
[2]الوسائل، الباب 6، من ابواب الماء المضاف، الحديث: 2
[3]الوسائل، الباب، 10 من ابواب غسل الميت، الحديث: 2
[المقاصد]
المقصد الاول «فى الاوامر» و فيه فصول:
الفصل الاول: فيما يتعلق بمادة الامر و فيه جهات من البحث.
الجهة الاولى: انه قد ذكر لمادة الامر معان عديدة
قال في الكفاية منها الطلب و الظاهر ان تفسير الامر بالطلب من مصاديق تفسير الاخص بالاعم و بعبارة اخرى الامر من مصاديق الطلب لا ان مفهوم الامر مساوق مع مفهوم الطلب و ان شئت قلت الامر ليس مساويا للطلب مفهوما فانه يصدق في كثير من الموارد و لا يصدق عليها الأمر مثلا طلب الغريم ليس امرا و كذلك طلب العلم و طلب الضالة فلا اشكال في أن الأمر بما له من المفهوم يقع مصداقا للطلب كما انه لا اشكال في ظهور المادة في الطلب في المشتقات التى تشتق منها فاذا قيل أمره بكذا أو آمرك او يأمره أو فلان أمر و الشيء الفلانى مأمور به و أمرتك بكذا الى غيرها من الأمثلة يفهم منه الطلب و بعبارة واضحة ان الظاهر من المشتقات التي تشتق من مادة الأمر هو الطلب.
الجهة الثانية: [الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر]
قال في الكفاية الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي امرا و لو اطلق عليه كان بنحو من المسامحة و الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء في تحقق معناه فيكون الطلب من العالى امرا و لو كان مستخفضا لجناحه و أما احتمال اعتبار احد الأمرين فضعيف و توبيخ الداني السافل الطالب من العالي المستعلى عليه انما هو لاستعلائه عليه لا لامره بعد استعلاءه و كيف كان ففي صحة سلب الامر عن طلب السافل و لو كان مستعليا كفاية.
و الذي يختلج بالبال ان يقال انه لا يشترط في صدق اللفظ بما له من المفهوم الشرط المذكور و لذا يصح أن يقال ان العبد أمر مولاه بكذا و كذا يصح أن يقال ان الفلان خادم زيد أمر مخدومه بكذا و صحة الحمل آية الحقيقة و يصح أن
يوبخ الداني على أمره العالي فالنتيجة عدم تقيد المادة بهذا القيد فلاحظ.
الجهة الثالثة: هل يكون لفظ الامر حقيقة في الوجوب او يكون حقيقة في الجامع بين الوجوب و الاستحباب
ربما يقال انه حقيقة في الوجوب و ذلك لوجوه:
الوجه الاول:التبادر و فيه ان التبادر علامة الحقيقة فيما يكون من حاق اللفظ و أما اذا كان ببركة القرينة فلا و يمكن أن يكون التبادر المدعى بلحاظ الاطلاق المقامي فلا يكون من حاق اللفظ.
الوجه الثاني:قوله تعالى«فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»بتقريب انه لا مقتضى للحذر إلّا أن يكون الأمر دالا على الوجوب و فيه انه يفهم من وجوب الحذر ان امره كان وجوبيا فيجب الحذر و بعبارة اخرى يعلم من السياق ان المراد من أمره القسم الخاص من الأمر فلا تكون الآية دليلا على المدعى.
الوجه الثالث:قوله تعالى«ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ»بتقريب ان التوبيخ على الترك و عدم امتثال الأمر يتوقف على كون الأمر للوجوب و إلّا فلا مقتضي للتوبيخ.
و الجواب عن هذا الوجه هو الجواب عن الوجه السابق و هو ان المراد من الأمر في الآية الأمر الوجوبي لكن لا دليل على كونه حقيقة في خصوص الوجوب.
الوجه الرابع:قوله(صلى اللّه عليه و آله): لو لا ان أشقّ على امتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة[1]بتقريب ان الأمر لو لم يكن حقيقة في الوجوب لم يكن وجه لوقوع الامة في المشقة اذ الامر الاستحبابى لا يجب امتثاله.
و فيه انه يفهم ان الأمر الالزامي بالسواك فيه ملاك الالزام لكن بلحاظ رفع الحرج و السهولة على الامة لم يأمر به فلا يدل على المدعى.
[1]الوسائل، الباب 3، من ابواب السواك، الحديث: 4
الوجه الخامس:ان بريرة قالت لرسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)بعد أمرها بالرجوع الى دار زوجها أ تأمرني يا رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)قال(صلى اللّه عليه و آله)لا بل أنا شافع. بتقريب ان الأمر لو لم يكن للوجوب لم يكن وجه لسؤال بريرة.
و الجواب ان هذه القضية لا تكون دليلا على المدعى اذ يستفاد الوجوب من القرينة و صفوة القول ان استفادة الوجوب من القرائن لا تكون دليلا على المدعى.
و الذي يختلج بالبال أن يقال ان لفظ الأمر ليس لخصوص الوجوب بل للجامع بينه و بين الاستحباب و لذا يصح ان يقال الأمر الفلاني استحبابي و ايضا لو أمر المولى بفعل امرا استحبابيا لا يصح أن يسلب عنه عنوان الأمر و يقال انه ليس امرا و عدم صحة السلب علامة الحقيقة.
نعم يمكن أن يقال ان المولى اذا طلب من عبده عملا بقوله آمرك بكذا و لم ينصب قرينة على الاستحباب يستفاد منه الوجوب بلحاظ الاطلاق المقامي بتقريب ان المولى في مقام البيان و لم ينصب قرينة على الاستحباب فطلبه الزامي و بعبارة اخرى الاستحباب يحتاج الى مئونة زائدة و أما الوجوب فلا و ان ابيت عن هذا التقريب و قلت لا نرى فرقا بين الوجوب و الاستحباب من هذه الجهة اذ الاستحباب كالوجوب بسيط نقول الظهور العرفي معتبر و الأمر بمادته ظاهر في الالزام إلّا أن يقوم دليل على خلافه.
و استدل سيدنا الاستاد على كون الوجوب مفاد مادة الأمر بمقتضى حكم العقل بتقريب ان المادة وضعت لابراز اعتبار المولى كون الفعل في ذمة المكلف فاذا احرز اشتغال الذمة بالعمل من قبل المولى و لم يرخص في الترك يحكم العقل بلزوم الامتثال على طبق الوظيفة العبودية في قبال المولى فالنتيجة ان دلالة المادة
على الوجوب ليس بالوضع و لا بالاطلاق بل بحكم العقل.
و يرد عليه اولا النقض بمورد اجمال النص بحيث لا يكون اللفظ ظاهرا في المعنى و يحتمل الوجوب و يحتمل الندب فهل يكون المورد موردا للاشتغال او البراءة الظاهر انه لا اشكال في كونه مورد البراءة فان اجمال النص كفقدانه و تعارضه مورد للبراءة و الحال ان مقتضى ما أفاده من حكم العقل بالوجوب لا بد من الالتزام بالوجوب و لزوم الامتثال و هل يرضى هو بهذا اللازم لا اظن و ان كان الظن لا يغني عن الحق شيئا.
و ثانيا نجيب عن دليله بالحل و هو انه دعوى بلا دليل فان مجرد العلم باشتغال الذمة من قبل المولى من دون دليل على الالزام لا يقتضي عقلا لزوم الامتثال بل مقتضى الحكم العقلي اجراء البراءة بمقتضى قبح العقاب بلا بيان.
فالوجه في الالتزام بالوجوب الظهور العرفي اذ نرى ان العرف و العقلاء يستفيدون من تحقق الأمر الالزام و لا يكون الاعتذار بعدم العلم بالوجوب مقبولا عندهم و هذا دليل على ان المادة مع قطع النظر عن القرينة ظاهرة في الوجوب فلاحظ.
الجهة الرابعة: في اتحاد الطلب و الإرادة و عدمه.
و يقع البحث في هذه الجهة في ضمن امور:
الأمر الأول: [قال في الكفاية: ان الطلب عين الارادة مفهوما و مصداقا]
قال في الكفاية «ان الطلب عين الارادة مفهوما و مصداقا غاية الأمر ينصرف الطلب عند الاطلاق الى الانشائي و الارادة تنصرف عند الاطلاق الى الارادة الحقيقية و ربما يقال ان الارادة و الطلب يتغايران مفهوما و يتحدان مصداقا كالانسان و الناطق». و أفاد سيدنا الاستاد ان الحق ما ذهب اليه الاشاعرة من مغايرة الطلب و الارادة مفهوما و مصداقا بتقريب ان الارادة هو الشوق الأكيد و من صفات النفس كالشجاعة و الفراسة و أما الطلب فهو من مقولة الافعال الخارجية
و بعبارة اخرى التصدي الخارجى نحو شيء عبارة عن الطلب بعد تحقق الشوق المؤكد الذي يكون مصداقا للارادة فالطلب متأخر رتبة عن الارادة و لذا لا يقال لمن يحب الدراسة و يشتاق اليها انه طالب للدراسة ما لم يتصد خارجا.
فالنتيجة ان الطلب مغاير للارادة مفهوما و مصداقا فالقول باتحادهما مفهوما و مصداقا أو اتحادهما مصداقا و تغايرهما مفهوما فاسد.
و الظاهر ان ما أفاده غير تام بل الحق ما أفاده في الكفاية من اتحادهما مفهوما و مصداقا غاية الامر انهما مختلفان في الانصراف عند الاطلاق.
و ما استشهد لمدعاه من عدم صدق الطلب على الشوق المؤكد غير تام، فان الطلب مثل الارادة عبارة عن التصدي نحو شيء و لذا لا يصدق عنوان الارادة على مجرد الشوق و الحب و الميل و انما يصدق عنوان الارادة عند التصدي و عنده يصدق كلا العنوانين.
و يدل على المدعى انه يصح أن يقال اريد منك كذا كما يصح ان يقال اطلب منك كذا فالارادة كالطلب تستعمل في الانشائي من الارادة و ان ابيت و قلت يصح اطلاق الارادة قبل التصدي فيقال فلان مريد للدراسة قبل التصدي الخارجي قلت يصح اطلاق الطلب ايضا فيصح أن يقال فلان طالب لأمر كذا و لا يبعد أن يكون استعمالهما قبل التصدي الخارجي استعمالا مجازيا و صفوة القول ان كلما يصدق احد العنوانين يصدق العنوان الآخر ايضا فالطلب الانشائي ارادة انشائية كما ان الارادة الحقيقية طلب حقيقي و يمكن الاستدلال على المدعى بأن الارادة إنشاء و حقيقة تستعمل في ذاته تعالى فيقال كما في كتابه المقدس«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»كما انه يقال كما في كتابه ايضا«إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»فالإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات و في
الخبر[1]قال عاصم بن حميد قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)لم يزل اللّه مريدا قال:
ان المريد لا يكون إلّا المراد معه لم يزل اللّه عالما قادرا ثم أراد فالمتحصل مما ذكرنا ان الطلب و الارادة متحدان مفهوما و مصداقا حقيقة و إنشاء.
و استدل الأشعري على التغاير بأن الطلب قد يتحقق بلا ارادة كما في الاوامر الامتحانية و العذرية بتقريب ان الارادة في هذه الموارد غير موجودة و أما الطلب فهو موجود و اجاب عنه في الكفاية بأن الموجود الطلب الانشائي و من الظاهر ان الطلب الانشائي ليس متحدا مع الارادة الحقيقية.
الأمر الثانى: [في الجمل الخبرية و الإنشائية]
في أنه ربما يقال بل لعله المشهور بين القوم بأن الجمل الخبرية تدل على ثبوت النسبة في الخارج او عدمها و الجمل الانشائية تدل على ايجاد المعنى في الخارج و الحق ان الأمر ليس كذلك بل الجمل الخبرية وضعت لابراز الحكاية عن الخارج و لذا لا يتصف الأخبار بالصدق و الكذب إلّا بلحاظ المطابقة و عدمها مع الخارج فالجملة الخبرية لا تدل على النسبة الخارجية و لذا كثيرا ما لا يتغير حال السامع بعد سماع الخبر من المخبر نعم يفهم من الأخبار ان المخبر في مقام الاخبار و ابراز الحكاية.
و اما الجمل الانشائية فهي موضوعة لابراز الاعتبار كما في الأوامر و النواهي او ابراز الترجي و التمني و الاستفهام و لذا لا مجال لتطرق الصدق و الكذب فيها و على فرض تسلم كلام القوم لا يكون كلامهم دليلا على كلام الاشاعرة حيث ذهبوا الى اثبات الكلام النفسي و ليس في النفس غير العلم و الترجي و غيرهما شيء يسمى بالكلام النفسي كما قيل:
ان الكلام لفي الفؤاد و انما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.
الأمر الثالث: في بيان الادلة التي ذكرت لاثبات الكلام النفسي و ردها
[1]مجمع البحرين مادة رود