به و عدم مطابقته و اما أمران متأصلان أما على الأول فلا بد من كونهما غير اختياريين فان منشأ انتزاعهما غير اختيارى.
و أما على الثاني فاما يكونان غير اختياريين و اما يكونان اختياريين أما على الأول فيعود المحذور و أما على الثانى فهو الحق و لا نزاع.
الثالث: انه لا طريق الى تحسين المولى و تقبيحه فان كل فعل صدر منه لا يكون ظلما لأن التصرف في ملك الغير ظلم و جميع الأشياء مملوكة له تعالى، فيكون كل تصرف له في مملوكه مضافا الى أنه ليس محكوما بحكم احد كى يمكن أن يحكم عليه بكونه ظالما و فعله قبيحا و نفي الظلم عن نفسه بقوله:«أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ»[1]من باب عدم امكانه.
و فيه: ان الظلم عبارة عن جعل الشيء في غير موضعه و لا يختص بكونه تصرفا في ملك الغير نعم الغصب التصرف في ملك الغير و أما الظلم فهو أعم و لذا يصح أن يقال فلان ظلم نفسه فعليه لا مجال لأن يقال التصرف في المملوك لا يكون ظلما مهما كان التصرف.
و أما الآيات التي تنفي الظلم عن اللّه تعالى فظاهرها نفيه عنه مع امكانه و ان اللّه يمن على العباد و يلطف عليهم بهذا البيان و أما حكم العقل بالقبح فليس من باب الحكم عليه سبحانه بل من باب الادراك و بعبارة اخرى: لا اشكال في عدم كون العقل حاكما بل العقل يدرك الامور و يدرك الحسن و القبح و يضاف الى جميع ذلك انه لو لا حسن العدل و قبح الظلم لا اثر لا نزال الكتب و ارسال الرسل اذ لا وثوق بناحيته المقدسة فانه يمكن أن يعاقب أبا ذر و يثيب الأول و الثاني فلا داعي للعبد لأن يطيعه و لا يعصيه.
و ان شئت قلت كما انه يحتمل الثواب يحتمل العقاب و بعبارة واضحة ينسد
[1]الحج/ 10
باب دفع الضرر المحتمل.
الخامس: ان العقاب و الثواب من باب تجسم الاعمال فالعمل الحسن تكون نتيجته حسنا و العمل القبيح تكون نتيجته قبيحا «گندم از گندم برويد جو ز جو».
و فيه: اولا على القول بالجبر لا مجال للحسن و القبح و ثانيا: انه على هذا المسلك لا مجال للعفو و لا مجال لخلق الجنة و النار و لا موضوع للشفاعة و الالتزام بهذه اللوازم الفاسدة مخالف للضرورة و ينافي الآيات و الروايات و الاجماع مضافا الى أن اشكال لغوية ارسال الرسل و انزال الكتب بحاله فلاحظ، و يضاف الى جميع ذلك كله انه على القول بكون الارادة من الصفات الذاتية حتى بالنسبة الى ساحته المقدسة لا تصل النوبة الى اقامه الدليل على دفع الاشكال عن عقاب العاصي اذ على هذا المسلك الفاسد لا يكون قادرا مختارا فعالا لما يشاء اعاذنا اللّه من الزلل و العثرة بحق محمد و آله الطاهرين.
فالحق: ان الارادة من صفات الفعل بلا فرق بين الواجب و الممكن فانه تعالى و تقدس فاعل مختار يفعل ما يشاء و يذل من يشاء بيده الخير و هو على كل شيء قدير.
و ايضا: العباد في افعالهم مختارون و باختيارهم يصدر منهم الافعال و عليه لا يتوجه، اشكال لا من ناحية المبدأ و لا من ناحية المنتهى.
ثم ان القائلين بالجبر استدلوا على مذهبهم الفاسد بوجوه:
الوجه الاول: ان كل فعل ما لم يجب لم يوجد، استنادا الى القاعدة المشهورة المسلمة «ان الشيء ما لم يجب لم يوجد» و حيث ان فعل العبد امر ممكن يحتاج الى العلة و علته الارادة فالفعل اما معلول للارادة الذاتية و اما معلول للارادة الازلية، فعلى كلا التقديرين يكون الفعل خارجا عن تحت اختيار العبد فيصح أن يقال ان افعال العباد جبرية.
و يمكن أن يجاب عن الدليل المذكور، بأن التقريب المشار اليه جار في الممكنات الخارجة عن تحت اختيار الانسان و أما الفعل الاختياري فانما يوجد بالاختيار و بالارادة المتعلقة به.
و بعبارة اخرى: الفعل الاختياري لا يتوقف على وجود العلة الخارجية بل يحتاج الى الفاعل المختار المريد و ان ابيت و قلت: لا بد في تحقق الفعل من تحقق علته و إلّا لا يوجد قلت: العلة لوجوده الاختيار فوجود الفعل في الخارج بلحاظ تعلق الاختيار به و هذا بنفسه يؤكد و يدل على عدم الجبر اذ قد فرض انه بالاختيار و الاختيار عبارة عن طلب الخير و ان شئت قلت: ان العبد قادر على ايجاد الفعل في الخارج بالارادة و الاختيار فاذا أراد و اختار يتحقق الفعل و لا ينفك الفعل عن الارادة و الاختيار فتكون ضرورة الفعل ضرورة بشرط الاختيار و هذه الضرورة بهذا الوصف تؤكد الاختيار.
الوجه الثاني: ان الارادة الازلية اذا تعلقت بوجود فعل عبد او بعدمه فاما يكون المتعلق تابعا لتلك الإرادة و اما يكون تابعا لارادة العبد.
اما على الاول فيلزم الجبر و هو المدعى، و أما على الثاني فيلزم كون ارادة العبد غالبا على ارادته تعالى.
و الجواب: ان الارادة الالهية لا تتعلق بفعل العبد بل العبد مختار في فعله نعم ارادة اللّه متعلقة بامور خارجية و اما بفعل العبد فلا.
و لا يخفى ان توصيف الارادة بالازلية غير صحيح فان ارادته فعله و لا تكون من صفاته و لذا يصح أن يقال اراد ذلك الامر و لم يرد ذلك الشيء و قد مر بعض النصوص الدالة على كون الارادة فعله لا صفته.
و صفوة القول: ان صريح بعض النصوص ان الارادة امر محدث لاحظ
حديث محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: المشيئة محدثة[1]و لاحظ ما رواه عمر بن أذينة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال خلق اللّه المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيئة[2]. فالنتيجة انه لا يكون فعل العبد معلولا لارادته تعالى كى يلزم المحذور المذكور.
الوجه الثالث: ان علم اللّه الازلي تعلق بافعال العباد و باطاعة المطيعين و عصيان العاصين فالمطيع اذا لم يطع أو العاصي اذا لم يعص يكون علمه الازلي جهلا كما قيل في الشعر الفارسى:
مى خوردن من حق ز ازل مىدانست * * * گر مى نخورم علم خدا جهل بود
و الجواب عن هذا الدليل ان العلم الازلي الالهي لا يكون علة لافعال العباد و ليست الافعال الصادرة عن العباد تابعة لعلمه الازلي بل علمه الازلي تابع لافعال العباد، و بعبارة اخرى حيث ان افعال العباد تصدر منهم بالاختيار تعلق العلم الازلي بها على ما هي عليه فلا تغفل.
مضافا الى أنه ننقل الكلام الى علمه بافعال نفسه مثلا لو علم اللّه أن اليوم الفلاني ظرف لفعله الكذائي و يعلم انه يهب لزيد فيما يأتي من الزمان ذكرانا و يهب للبكر اناثا يلزم انه يكون مجبورا على ذلك الفعل المعلوم و لا يكون له الاختيار و إلّا يكون علمه جهلا فكل جواب يصح بالنسبة الى ذاته يصح بالنسبة الى افعال العباد بلا فرق من هذه الجهة.
الوجه الرابع: ما نسب الى أبي الحسن الاشعري، و هو ان افعال العباد معلولة لقدرته تعالى و عادة اللّه جرت على وقوع الأفعال منهم مقارنة لقدرتهم و لا مدخلية لقدرتهم فيها.
[1]الاصول من الكافى، ج 1، ص 110، حديث: 7
[2]نفس المصدر، الحديث: 4
و فيه: اولا انه لا دليل على هذه الدعوى و هي أن الامور الواقعة فى الخارج بعادته تعالى و ثانيا: ان الامور الواقعة في الخارج اما امور تكوينية كاحتراق الخشب بالنار و أمثاله، و اما افعال اختيارية للعباد، أما القسم الاول، فهو من باب السنخية بين العلل و المعاليل، و أما القسم الثاني، فمن باب كون العبد مختارا في فعله و المؤثر في تحقق الفعل اختياره و أرادته، مضافا الى أنه ينقل الكلام الى اول ما وجد في العالم من المعاليل و من افعال العباد اذا لعادة تحصل بالتكرر، و في اول الأمر لا تحصل العادة و عليه، نسأل ما هو المؤثر في الامر؟ و هل يمكن أن يقال في اول الأمر يكون المعلول حصوله بالعلة من باب السنخية و اما بعد تحقق العادة فلا، و هل يمكن أن يقال: اول فعل اختياري يكون صادرا من فاعله بتأثير الاختيار و الارادة و أما بعد تحقق العادة فلا و هل يمكن التفكيك بين المعاليل و الأفعال في علل وجودها بأن يقال: المؤثر في تحققها قبل تحقق العادة عللها التكوينية و الاختيار و اما بعد حصول العادة المؤثر ارادة اللّه.
و اضف الى ذلك: انه هل يعقل تحقق العادة في ساحته المقدسة و هل يكون ذاته الاقدس موضوعا و معرضا لهذه العوارض، و يضاف الى جميع ذلك كله:
انا نسأل و ننقل الكلام فى هذه العادة المشار اليها فان هذه العادة من الأمور الموجودة او من الامور المعدومة.
أما على الثانى فكيف يكون المعدوم مؤثرا في الايجاد، و أما على الاول فتلك العادة المذكورة، هل تكون مستندة الى غير ذاته الأقدس أو تكون مستندة اليه؟ أما على الاول فيلزم الشرك و الكفر و تعدد المؤثر في العالم الى اللّه و الى رسوله، و الى اوليائه المشتكى من هذه الاباطيل.
و أما على الثاني فهل توجد تلك العادة بدون اختياره و بعبارة اخرى هي معلولة لذاته أو تكون من افعاله الاختيارية أما على الاول فيلزم قدمها لامتناع
انفكاك المعلول عن العلة. و أما على الثاني فهل يحتاج في الخلق الى العادة المذكورة أو لا يحتاج اليها أما على الاول فيلزم عجزه و يلزم الالتزام بخلاف صريح الكتاب«إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[1].
و أما على الثاني: فيلزم العبث اعاذنا اللّه من الخرافات و الترهات و حيث ذكرنا ان صاحب الكفاية و تلميذه الشيخ الاصفهاني قائلان بالجبر نذكر عبارتهما كى يعلم مرامهما من عبارتهما.
قال في الكفاية: «ان قلت: اذا كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان بارادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.
قلت: انما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الارادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، و إلّا فلا بد من صدورها بالاختيار، و إلّا لزم تخلف ارادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
ان قلت: ان الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بارادتهما إلّا أنهما منتهيان الى ما لا بالاختيار، كيف؟ و قد سبقهما الارادة الازلية و المشية الالهية، و معه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
ت: العقاب انما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فان (السعيد سعيد في بطن أمه و الشقي شقي في بطن أمه)[2]و (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة)، كما في الخبر[3]، و الذاتي لا يعلل، فانقطع سؤال أنه لم جعل السعيد سعيدا و الشقي شقيا؟ فان السعيد سعيد بنفسه و الشقي شقي كذلك، و انما أوجدهما
[1]يس/ 82
[2]ورد بهذا المضمون فى توحيد الصدوق، ص 356 الباب 58، الحديث: 3
[3]الروضة من الكافى، ج 8 ص 177، الحديث: 197
اللّه تعالى (قلم اينجا رسيد سر بشكست)[1]انتهى موضع الحاجة من كلامه.
و هذه العبارة كما ترى صريحة في كون أفعال العباد لا تكون اختيارية لهم بل يكونون مجبورين و في عين الحال مختلفة و مضطربة فتارة: يرى ان المؤثر في افعالهم الارادة الازلية، و اخرى يرى ان المؤثر الشقاوة الذاتية و السعادة الذاتية و يعترف صريحا بأن القدرة الالهية لا تتعلق بالذاتيّات و يشير بهذا البيان الى قولهم ما جعل اللّه المشمشة مشمشة بل أوجدها.
و بعبارة واضحة: ان اللّه خلق السعيد و الشقي و المؤثر في الفعل الحسن و القبيح السعادة الذاتية و الشقاوة كذلك.
و في آخر الكلام يعجز عن حل الاشكال و يتوسل الى قوله (قلم اينجا رسيد سر بشكست). و يرد على ما أفاده: ان الاشكال ناش من الالتزام بكون الارادة أمرا غير اختياري و كونها من صفات الذات و أما لو قلنا ان الارادة من الافعال بلا فرق بين ذات الواجب و الممكن و ان الافعال الاختيارية كلها تنتهي الى الارادة و الارادة بنفسها تحت القدرة، لا يتوجه الاشكال.
نعم يبقى في المقام شيء و هو ان صاحب الكفاية افاد: بأن القبيح الذي يصدر من الانسان يكون ناشيا من سوء السريرة و سوء السريرة أمر ذاتي و الذاتي لا يعلل و استشهد بما ورد عنهم(عليهم السلام)بأن (السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقي شقي في بطن أمه)[2]و (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة)[3]فكل فعل حسن صادر من المكلف منشؤه سعادته و كل قبيح يصدر منه منشؤه شقاوته، فلا مجال للسؤال فان اللّه لم يجعل المشمش مشمشا بل أوجدها.
و في مقام الجواب عن هذه الشبهة يقع الكلام تارة فيما يقتضيه البرهان،
[1]كفاية الاصول، ج 1 ص 52
[2]سفينة البحار للقمى، ج 1 ص 709
[3]الروضة من الكافى، ج 8 ص 177، الحديث: 197
و اخرى فيما يرجع بالمروي عنهم(عليهم السلام)، فيقع الكلام فى مقامين:
فنقول: اما المقام الاول فالذاتي، اما ذاتي باب الايساغوجي، و اما ذاتي باب البرهان اما ذاتي باب الايساغوجي أي الكليات الخمس، فلا تكون السعادة و الشقاوة منها، اذ لا اشكال انهما لا تكونان ذاتيا بهذا المعنى للانسان، فان السعادة و الشقاوة لا تكونان جنسا و لا فصلا و لا نوعا للانسان.
و أما ذاتي باب البرهان فهو عبارة عما ينتزع عن مقام الذات بلا ضم ضميمة على الذات كالزوجية بالنسبة الى الأربعة و كالامكان بالنسبة الى الممكن و الوجوب بالنسبة الى الواجب و هكذا، و السعادة و الشقاوة لا تكونان ذاتيين للانسان بهذا المعنى بل السعادة تنزع عن الانسان بلحاظ عروضها على الانسان.
و بعبارة اخرى: انما تنزع عن الانسان في الزمان الذي يكون سعيدا، و الشقاوة تنزع عنه في الزمان الذي يكون شقيا و الحال ان ذاتي باب البرهان لا تنفك عن الذات، و لا يفرق فيه بين الازمنة المتعددة و الحالات المختلفة و يدل على ما ذكرنا بعض النصوص ففي الخبر المروى عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه «(عليه السلام)» قال: من قرأ(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)في فريضة من الفرائض غفر اللّه له و لوالديه و ما ولدا و ان كان شقيا محي من ديوان الأشقياء و أثبت في ديوان السعداء، و أحياه اللّه سعيدا و أماته شهيدا و بعثه شهيدا[1].
و مثله: في المعنى، خبر آخر في نفس المصدر فان المستفاد من الخبرين ان السعادة و الشقاوة قابلتان للارتفاع بعد العروض، و بعبارة اخرى: يستفاد من الخبرين بالصراحة انهما لا تكونان من الذاتي في باب البرهان.
و أما المقام الثانى فقد روى المحدث القمي في المجلد الاول من سفينة البحار ص 709 «الشقي من شقي في بطن أمه» و قد روى الصدوق باسناده
[1]الوسائل، الباب 34، من ابواب القراءة فى الصلاة، الحديث: 5