الامر الثانى فى الوضع:
يقع الكلام في الوضع من جهات:
الجهة الاولى: [في أنه لا اشكال في أن دلالة الالفاظ الموضوعة على معانيها دلالة جعلية لا دلالة ذاتية ..]
في أنه لا اشكال في أن دلالة الالفاظ الموضوعة على معانيها دلالة جعلية لا دلالة ذاتية و لو كانت ذاتية لكان اللازم أن يعرف كل واحد من الأفراد جميع اللغات اذ الدلالة الذاتية لا فرق فيها بين الأفراد و الحال ان الأمر ليس كذلك.
ان قلت لا بد من وجود خصوصية بين كل لفظ و معناه و إلّا يلزم الترجيح بلا مرجح.
قلت اولا: المحال الترجح بلا مرجح أي المعلول بلا علة و أما الترجيح بلا مرجح فليس محالا و إلّا يلزم أن يبقى العطشان عطشانا الى أن يموت و لا يختار احد مصاديق الماء للشرب اذا لم يكن مرجح في بعض الأفراد على الآخر و هذا من الاباطيل.
و ثانيا: ان المرجح لا يلزم أن يكون امرا ذاتيا و مناسبة ذاتية بين اللفظ و المعنى و إلّا كان اللازم أن يختار كل واضع اللفظ الذي اختاره الآخر فيكون اللغة واحدة في جميع انحاء العالم و بطلانه أوضح من أن يخفى.
فيمكن ان يكون المرجح امرا آخر و يختلف باختلاف الاشخاص كما نرى انه كذلك. فربما يختار شخص لفظا و يضعه للمعنى الفلاني تبركا كما هو ديدن الشيعة في اختيار اسماء المعصومين(ع)لأن يتقربوا بهذه الوسيلة الى ساحتهم المقدسة و ارواحنا فداهم.
و قس عليه بقية الاغراض و الدواعي المختلفة باختلاف الأديان و غيرها فانقدح ان الارتباط الحاصل بين الالفاظ الموضوعة و معانيها ليس ربطا ذاتيا بل يكون جعليا.
الجهة الثانية في تعيين الواضع:
ربما يقال ان الواضع هو اللّه تبارك و تعالى بتقريب ان الوضع أمر متوسط بين الأمور التكوينية و الأمور التشريعية فان الامور التكوينية امور خارجية لا تنالها يد التشريع كالجوع و العطش و الالم و اللذة و الامور التشريعية امور مجعولة شرعية لا تنالها يد التكوين كالوجوب و الحرمة و الاباحة و الوضع لا تكويني محض و لا تشريعي كذلك فانه يلهم الانسان فهم الالفاظ و قوة التلفظ بها و قال في كتابه الكريم«خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ»[1]و يرد على هذا التقريب انه لا واسطة بين الأمرين فان الامور اما تكوينية كالجواهر و الأعراض و اما تشريعية كالاحكام التكليفية و الوضعية و الامور التكوينية كلها بيده تعالى و نعم ما قال الحكيم السبزواري.
ازمة الامور طرا بيده * * * و الكل مستمدة من مدده
فكل صنعة قائمة بالمكلف و كل فعل صادر منه بارادته و مشيته التكوينية و لا نلتزم بالجبر بل نقول جميع الامور تنتهى اليه فلا فرق بين فهم المعاني و وضع الالفاظ و التلفظ بها و بقية الامور كالجوع و العطش و الأكل و الشرب فان كلها بالهامه و احاطته و ارادته كما قال اللّه تعالى«وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً»[2].
و أما قوله تعالى«الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ»[3]لا يدل على مدعى الخصم بل يدل على أن الخلق و النطق كبقية الامور تحت قدرته و منه و اليه فلا يكون الواضع هو اللّه تبارك و تعالى و يتوقف معرفة الواضع على معرفة الوضع اذ لو اتضح معنى الوضع يتضح انه من الواضع فان الواضع مشتق
[1]الرحمن/ 3 و 4
[2]النحل/ 68
[3]الرحمن/ 1 الى 4
و اسم للفاعل و يكون المراد منه ذات ثبت له المبدأ أي ثبت له الوضع فلا بد من بيان المراد من الوضع.
الجهة الثالثة في بيان الوضع:
قال في الكفاية «الوضع هو نحو اختصاص بين اللفظ و المعنى» الخ.
و يرد عليه ان الاختصاص بين اللفظ و المعنى أمر قائم بين اللفظ و معناه على حسب مرامه و الوضع مصدر قائم بالواضع فكيف يفسره بذلك الاختصاص المزعوم و ليس ذكر الاختصاص على فرض تسلمه بالنسبة الى الوضع نسبة الوجود الى الايجاد كي يقال: لا فرق بين الايجاد و الوجود إلّا بالاعتبار بل ذلك الاختصاص امر اعتباري سببه الاعتبار و الاعتبار من الموجودات الواقعية و كيف يعقل أن يتحد الامر الواقعي مع الامر الاعتباري.
و ان شئت قلت الامر الاعتباري لا حقيقة له فيكون مباينا مع الامر الواقعي التأصلى.
و استحالة اجتماع الامر الواقعي التأصلى مع ما لا واقع له أوضح من أن يخفى.
فالحق أن يقال ان الوضع عبارة عن تعهد المتكلم بأنه متى تلفظ بلفظ كذائي أراد ذلك المعنى الفلانى فالوضع عبارة عن التعهد و بعد وضوح هذا المعنى ينكشف أن الواضع ليس شخصا خاصا بل الواضع كل واحد من الأفراد الذين يستعملون هذا اللفظ و عليه لا يبقى مجال لأن يقال لا بد من الالتزام بكون الواضع هو اللّه تبارك و تعالى، اذ البشر لا يمكنه وضع الألفاظ الكثيرة لمعانيها و ليس تحت قدرته بل يلزم أن يكون الواضع هو اللّه تعالى اذ انه قادر على كل شيء فالنتيجة: ان الواضع كل واحد من الافراد المستعملين الالفاظ في معانيها و لا يخفى ان الحق ان الوضع ينحصر في الوضع التعييني و لا ينقسم اليه و التعيني فان
الواضع ربما يضع لفظا فلانيا لمعنى فلاني و اخرى بعد كثرة الاستعمال يتعهد انه متى تلفظ باللفظ الكذائي يريد منه المعنى الفلاني فالوضع منحصر في التعهد و هو الوضع التعيينى.
الجهة الرابعة في اقسام الوضع:
فنقول ان الواضع تارة يتصور في مقام الوضع معنى عاما و يضع اللفظ بازائه كما انه لو تصور الجسم السيال بما له من السعة و العموم و يضع بازائه لفظ الماء و هذا القسم يسمى بالوضع العام و الموضوع له العام و اخرى يتصور معنى خاصا و جزئيا خارجيا و يضع اللفظ بازائه كوضع الأعلام الشخصية فان من يتولد له مولود مثلا يتصور مولوده و يضع بازائه لفظ زيد مثلا و هذا يسمى بالوضع الخاص و الموضوع له الخاص.
و ثالثة يتصور معنى عاما و يضع اللفظ بازاء مصاديق ذلك المعنى و هذا يسمى بالوضع العام و الموضوع له الخاص.
و أما كون الوضع خاصا بأن يتصور المعنى الجزئي و الموضع له عاما بأن يوضع اللفظ لكلي ذلك المتصور الخاص فالظاهر عدم امكانه اذ الخاص بما هو خاص لا يعقل أن يكون عنوانا و مرآة للعام و ربما يقال بأن ادل الدلائل على امكان الشيء وقوعه و المقام كذلك مثلا لو رأى شخص شبحا من بعيد لا يدري انه حجر أو حيوان أو نبات أو انسان يجوز أن يضع اللفظ لكلي ذلك الشبح فيكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما.
و يرد عليه انه اشتباه اذ الواضع من حيث لا يشعر يتصور الكلي و يضع اللفظ بازائه فان كلي هذا الفرد مفهوم كلي و عنوان جامع فحين الوضع يتصور هذا المفهوم و يضع اللفظ بازائه فيكون الوضع عاما و الموضوع له عاما أيضا و على الجملة لا يمكن و لا يعقل ان يكون الجزئي عنوانا للكلي و هذا ظاهر.
ان قلت الامر في طرف العكس أيضا كذلك اذ لا يمكن ان يكون الكلي بما
هو كلي عنوانا للافراد الخارجية فلا بد من حصر الوضع في قسمين فقط.
قلت الأمر كما بينت لكن يمكن أن ينتزع عنوانا انتزاعيا من الأفراد كما لو تصور الواضع عنوان الانسان و يتصور افراد الانسان و يرى ان عنوان الانسان ينطبق على زيد و بكر و خالد و غيرها فينتزع من الأفراد عنوان جامع و هو عنوان ما ينطبق عليه الانسان و يتصور هذا المفهوم الجامع بين الأفراد و يضع اللفظ بازاء مصاديقه و ان شئت قلت العنوان المتأصل كالجواهر و الأعراض لا يمكن أن يكون مرآتا للافراد لكن العنوان الانتزاعي كعنوان ما ينطبق عليه كلي الانسان عنوان منتزع من الجزئيات و هذا العنوان مرآة للجزئيات الخارجية و الوجدان أصدق شاهد على ما ذكرنا فتحصل أن الأقسام الممكنة في الوضع ثلاثة.
اذا عرفت ما تقدم فلا اشكال في القسمين منها و تحققها فان الوضع العام و الموضوع له العام أسماء الاجناس فان لفظ الماء مثلا وضع للجسم السيال و قس عليه بقية اسماء الاجناس و الاعلام الشخصية يكون الوضع فيها خاصا و الموضوع له خاصا.
و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص فأفاد صاحب الكفاية بأنه توهم ان وضع الحروف و ما يلحق بها من الأسماء من قبيل كون الوضع عاما و الموضوع له خاصا كما انه توهم ان الموضوع له كالوضع عام و المستعمل فيه فيها خاص و قال انه ليس كذلك انتهى.
[المعاني الحرفية]
و قد اختلفت الاقوال في المعاني الحرفية فنقول:
القول الاول: ما نسب الى المحقق الرضي و اختاره صاحب الكفاية
و قال:
«ان الحق انه لا فرق بين الاسم و الحرف من حيث الموضوع له و المستعمل فيه فان الخصوصية المدعاة اما خصوصية خارجية و اما خصوصية ذهنية و بعبارة اخرى المراد بالخاص اما جزئي خارجي و اما جزئي ذهني فان كان المراد كونه جزئيا خارجيا فنرى في كثير من الموارد أن يستعمل الحرف في المفهوم الكلي
و ان كان المراد الجزئي الذهني حيث ان المعنى الحرفي ملحوظ في الغير و لذا يقال الحرف ما يدل على معنى في غيره و ان شئت قلت المعنى الحرفي كالعرض قائم بالغير.
فيرد عليه ان هذا اللحاظ لا يكون داخلا في المعنى و مقوما له كما لا يكون لحاظ الاستقلال داخلا في المعنى الاسمي و إلّا يلزم أن يلحظ الملحوظ ثانيا لأن اللحاظ الاول مقوم للمعنى و كل معنى لا بد من لحاظه عند استعمال اللفظ فيه و هذا اللحاظ اما جزء للمعنى و اما غيره أما على الاول فيلزم تقدم الشيء على نفسه اذ المفروض ان اللحاظ جزء المعنى مضافا الى أن المعنى لم يلحظ بل لوحظ جزء المعنى و أما ان كان غيره فهو كما ترى خلاف الوجدان مضافا الى أن الموجود لم يقبل أن يوجد ثانيا و بعبارة واضحة الذي يكون قابلا لأن يلحظ نفس المعنى لا المعنى الملحوظ اضف الى ذلك انه لا يعقل أن ينطبق على ما في الخارج إلّا أن يجرد من اللحاظ اذ الامر الذهني العقلي لا ينطبق على ما في الخارج و إلّا يلزم الخلف.
و على الجملة لا فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي في الوضع و الموضوع له و انما الفرق بينهما من ناحية الاستعمال فان الاسم وضع ليلاحظ مستقلا و الحرف ليلاحظ آلة. ان قلت فلا فرق بين الاسم و الحرف و النتيجة كونهما مترادفين.
قلت الفرق بينهما من ناحية الاستعمال فانه وضع الاسم ليلاحظ مستقلا و الحرف ليلاحظ آلة و ان شئت قلت ان الواضع شرط في الوضع هكذا فلا يجوز التخطى.
ان قلت اولا: لا يصدق الشرط فان الشرط ارتباط احد الأمرين بالآخر كالشريط و لذا لا يكون الشرط الابتدائي شرطا و ثانيا لا يلزم اتباع شرط الواضع و لا دليل عليه.
قلت ليس الامر كما توهمت فان المراد من الشرط فى المقام جعل العلاقة الوضعية و الاختصاص في الإطار الخاص و الدائرة المقصورة كما لو وضع لفظا
لمعنى مخصوص في زمان خاص و على الجملة لا بد من رعاية جميع الخصوصيات التي يراعيها الواضع في العلاقة الوضعية و الموضوع له.
و يرد عليه اولا انه على هذا لو استعمل كل من الاسم و الحرف مكان الآخر يلزم أن يكون صحيحا اذ العلاقة الوضعية توجب صحة الاستعمال غاية الامر يكون الاستعمال مجازيا بالعلاقة الكذائية.
و بعبارة اخرى مع العلاقة المجازية يصح الاستعمال فكيف بالعلاقة الذاتية و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم أو يكون استعمال احدهما مكان الآخر من الاغلاط و الظاهر انه لا اشكال في أن الاستعمال المشار اليه يعد من الاغلاط الظاهرة. و ثانيا يلزم أن يكون جملة من المعاني الاسمية حرفية كالتبين مثلا فانه اخذ آلة الى العلم بطلوع الفجر مثلا و هل يكون الأمر كذلك.
و ثالثا لو كان الفرق بين المقامين بما ذكر يلزم كون المعاني الحرفية في كثير من الموارد اسمية اذ في موارد كثيرة يكون النظر الى المعاني الحرفية نظرا استقلاليا كما لو سئل عن مكان زيد و زمانه و كيفية حاله و من معه و نسبته مع بكر الى غيرها من الخصوصيات المستفادة من الحروف و هو كما ترى.
و رابعا انه قد جمع في كلامه بين الالية و الحالية و الحال انه لا يمكن الجمع بين الامرين فان الالية تعاند الاستقلالية كالنظر في المرآة فان الناظر في المرآة لملاحظة وجهه يكون نظره الى المرآة آليا و الى الوجه استقلاليا و أما النظر الحالي يكون استقلاليا كما لو سأل احد آخر عن حال فرد ثالث فانه ينظر اليه بالنظر الاستقلالي فالجمع بين الأمرين في كلامه جمع بين الضدين.
و خامسا يلزم أن يكون الاعراض معاني حرفية فان العرض عبارة عن الماهية التي يكون وجودها في نفسها لغيرها فتارة يلاحظ العرض كالبياض مستقلا و اخرى يلاحظ حالة للغير و عارضا للجوهر فعلى ما رامه يكون معنى حرفيا و هل يمكن
الالتزام بهذا اللازم.
و سادسا انه لو كان الفرق باللحاظ يلزم أن لا يكون فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي من حيث الذات فيمكن أن يكون جميع المعاني الاسمية حرفية و بالعكس و هو كما ترى.
فانقدح ان القول الاول المنسوب الى المحقق الرضي و تبعه صاحب الكفاية غير تام.
القول الثاني: ما نسب الى المحقق الرضى ايضا على ما في بعض الكلمات[1]
و هو انه لا معنى للحروف و انما شأنها شأن الاعراب و بعبارة اخرى ان الحرف علامة لارادة المعنى الفلاني من مدخوله فكما ان الرفع علامة كون المرفوع فاعلا كذلك يكون الحرف الفلاني علامة لكون المراد من مدخوله كذا مثلا لفظ الدار من الأسماء و له المعنى الاسمي فان الدار من الجواهر و لها حيثيات و تلاحظ تلك الحيثيات.
فتارة يلاحظ كونها مصداقا للجوهر و يقال الدار جوهر من الجواهر و اخرى تلاحظ من حيث كونها عينا لزيد و ثالثة تلاحظ من حيث كونها مبدءا للسير و رابعة تلاحظ من حيث كونها منتهى السير و هكذا و هكذا.
فاذا قلنا: الدار جوهر اريد من اللفظ المعنى الاسمي و اذا قيل سرت من الدار الى السوق اريد من اللفظ الابتداء و يكون لفظ (من) علامة للمراد. و القول الثاني في طرف التفريط كما أن القول الاول في طرف الافراط.
و يرد عليه ان المعاني المستفادة من هذه الحروف لا تستفاد من الأسماء بل تستفاد من نفس الحروف فتلك المعاني معانى تلك الحروف و الحروف وضعت بازائها و بعبارة واضحة الخصوصيات المستفادة من هذه الحروف لم توضع لها
[1]مصابيح الاصول للسيد علاء آل بحر العلوم: ص 44