و اخرى فيما يرجع بالمروي عنهم(عليهم السلام)، فيقع الكلام فى مقامين:
فنقول: اما المقام الاول فالذاتي، اما ذاتي باب الايساغوجي، و اما ذاتي باب البرهان اما ذاتي باب الايساغوجي أي الكليات الخمس، فلا تكون السعادة و الشقاوة منها، اذ لا اشكال انهما لا تكونان ذاتيا بهذا المعنى للانسان، فان السعادة و الشقاوة لا تكونان جنسا و لا فصلا و لا نوعا للانسان.
و أما ذاتي باب البرهان فهو عبارة عما ينتزع عن مقام الذات بلا ضم ضميمة على الذات كالزوجية بالنسبة الى الأربعة و كالامكان بالنسبة الى الممكن و الوجوب بالنسبة الى الواجب و هكذا، و السعادة و الشقاوة لا تكونان ذاتيين للانسان بهذا المعنى بل السعادة تنزع عن الانسان بلحاظ عروضها على الانسان.
و بعبارة اخرى: انما تنزع عن الانسان في الزمان الذي يكون سعيدا، و الشقاوة تنزع عنه في الزمان الذي يكون شقيا و الحال ان ذاتي باب البرهان لا تنفك عن الذات، و لا يفرق فيه بين الازمنة المتعددة و الحالات المختلفة و يدل على ما ذكرنا بعض النصوص ففي الخبر المروى عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه «(عليه السلام)» قال: من قرأ(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)في فريضة من الفرائض غفر اللّه له و لوالديه و ما ولدا و ان كان شقيا محي من ديوان الأشقياء و أثبت في ديوان السعداء، و أحياه اللّه سعيدا و أماته شهيدا و بعثه شهيدا[1].
و مثله: في المعنى، خبر آخر في نفس المصدر فان المستفاد من الخبرين ان السعادة و الشقاوة قابلتان للارتفاع بعد العروض، و بعبارة اخرى: يستفاد من الخبرين بالصراحة انهما لا تكونان من الذاتي في باب البرهان.
و أما المقام الثانى فقد روى المحدث القمي في المجلد الاول من سفينة البحار ص 709 «الشقي من شقي في بطن أمه» و قد روى الصدوق باسناده
[1]الوسائل، الباب 34، من ابواب القراءة فى الصلاة، الحديث: 5
الى محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام)، عن معنى قول رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)«الشقي شقي في بطن أمه و السعيد سعيد في بطن أمه» فقال: الشقي من علم اللّه عزّ و جل و هو في بطن أمه انه سيعمل أعمال الاشقياء و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمه انه سيعمل اعمال السعداء، قلت فما معنى قوله(صلى اللّه عليه و آله)اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فقال: ان اللّه عزّ و جل خلق الجن و الانس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه و ذلك قوله عزّ و جل«وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»فيسر كلا لما خلق له فالويل لمن استحب العمى[1]و في هذه الرواية بين الامام(عليه السلام)المراد بالسعادة و الشقاوة في بطن الأمّ بان اللّه ان علم انه سيعمل عملا حسنا يكون سعيدا في بطن أمه و ان علم اللّه انه سيعمل عملا قبيحا يكون شقيا في بطن أمه فالرواية لا يستفاد منها ما رامه صاحب الكفاية.
نعم يستفاد من حديث منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
ان اللّه خلق السعادة و الشقاء قبل ان يخلق خلقه فمن خلقه اللّه سعيدا لم يبغضه ابدا و ان عمل شرا ابغض عمله و لم يبغضه و ان كان شقيا لم يحبه ابدا و ان عمل صالحا احب عمله و ابغضه لما يصير اليه، فاذا احب اللّه شيئا لم يبغضه ابدا و اذا ابغض شيئا لم يحبه ابدا[2]، ان اللّه يخلق السعيد سعيدا و الشقي شقيا، لكن لا يستفاد من الحديث مدعى صاحب الكفاية، و هو ان السعادة و الشقاوة ذاتيان للانسان، مضافا الى أنه لو دل حديث على الجبر نرد علمه الى اهله لأنه مخالف للوجدان و مخالف للكتاب و السنة القطعية.
[1]معالم الزلفى، ص 361
[2]الاصول من الكافى، ج 1 ص 152، باب السعادة و الشقاوة، الحديث: 1
و أما حديث الناس معادن كمعادن الذهبة و الفضة، فقد نقله المحدث القمى في المجلد الثاني من سفينة البحار (ص) 168 و يقول راوي الحديث ابو هريرة و هذا الحديث اولا ضعيف سندا، و ثانيا: لا يستفاد منه ان الناس مجبورون في أفعالهم بل يدل على أن المعادن كما انها تختلف من حيث الجودة و الرداءة كذلك نفوس الناس مختلفة، من حيث الغرائز المستودعة فيهم و لا يرتبط الحديث بما نحن بصدده، هذا ما يرجع الى كلام صاحب الكفاية.
و اما تلميذه المحقق الاصفهانى فقال: لا ريب عند اهل النظران مفاهيم الصفات ...
الخ[1].
فان المستفاد من كلامه ان الارادة أمر غير اختياري بلا فرق بين ارادته تعالى و ارادة العباد و بلا فرق بين الارادة الذاتية أو الفعلية من هذه الجهة و من اراد الوقوف على على ما أفاده على نحو التفصيل فليراجع كلامه في الموضع الذي اشرنا اليه.
و الجواب: ان الارادة كما تقدم منا امر اختيارى، فان الوجدان اصدق شاهد على المدعى، كما ان المستفاد من اللغة و الاخبار كذلك.
و صفوة القول: ان الالتزام بالجبر يستلزم الالتزام بما ينافي الوجدان كما انه ينافى الآيات القرآنية، و الاحاديث الشريفة و ما يستفاد من اللغة كما انه يستلزم الالتزام بكون ارسال الرسل و انزال الكتب عبثا و لغوا و ان خلق الجنة و النار خلاف الحكمة و ان العقاب بلا وجه و انه مصداق للظلم، إلّا أن يقال ان القائل بالجبر قائل بأن جميع الموجودات دنيوية و اخروية كلها امور خارجة عن الاختيار فلا مجال للبحث و لا مجال لبيان التوالى الفاسدة و قد قيل ان حمار الاشعري اشعر و أعقل منه لأن حماره حين يصل في الطريق الى نهر الماء يدرك انه يمكنه أن تقف و لا يديم في المشي و لا يقع في الماء و أما الاشعري فلا يدرك هذا المقدار.
[1]نهاية الدراية فى شرح الكفاية، ج 1 ص 164 الى 173
بقى شيء فى المقام و هو ان ظاهر كلام سيدنا الاستاد، ان الارادة تكون من الصفات لا من الأفعال و لا تكون الارادة علة لتحقق الافعال الاختيارية، قال في جملة كلام له[1]اما النقطة الاولى فلا ريب فى ان كل واحد الى ان قال و قد تحصل من مجموع ما ذكرنا امران، الاول: ان الفعل الاختياري انما يصدر باعمال قدرته لا بالارادة و من أراد الوقوف على تفصيل ما أفاده فليراجع كلامه في الموضع الذي اشرنا اليه.
و يرد عليه: ان الارادة كما سبق من الافعال لا من الصفات، و قد ذكرنا ان كون الارادة من الافعال مضافا الى الوجدان يدل عليه النص الوارد عن الأئمة(عليهم السلام)و صراحة كلام اهل اللغة هذا اولا.
و ثانيا: سلمنا ان الارادة من الصفات و أن الفعل الخارجي لا يتحقق بعد الارادة بل قلنا ان المؤثر فى صدور الفعل الاختيار و فرضنا ان الاختيار غير الارادة لكن ننقل الكلام الى الاختيار و نسأل هل الفعل بعد تحقق الاختيار اختياري و يمكن ان لا يتحقق ام لا يكون اختياريا و يجب تحققه؟
أما على الاول، فكيف يتحقق مع كونه تحت الاختيار بعد و بعبارة اخرى:
بعد تحقق الاختيار ما الوجه في عدم تحققه و ما السبب في حالة الانتظار و أما على الثاني فاللازم كون الفعل واجب الوجود بعد الاختيار و ينسد باب العدم فاى فرق بين القول بأن المؤثر هي الارادة كما نقول و بين قوله ان المؤثر هو الاختيار غير تغيير العبارة، و الحال ان وجوب الفعل بهذا النحو لا يخرجه عن الاختيارية، و بعبارة اخرى: المناط في الاختيارية ان زمام الفعل بيد النفس و هذا المناط و الملاك باق بحاله و لا ينافي وجوب الفعل بعد الارادة كما نقول او بعد الاختيار كما يقول.
[1]محاضرات فى اصول الفقه، ج 1 ص 53 الى 60
و ثالثا: ان قولهم ان الشيء ما لم يجب لم يوجد لا يختص بالمعاليل التكوينية بل يعم الافعال الاختيارية و السر في العموم ان الممكن من قبل نفسه لا يصير واجبا و لا يصير موجودا فلا بد في وجوده من مؤثر فيه، فاذا فرض تحقق ذلك المؤثر يجب وجوده و ان فرض عدم تحققه يجب عدمه، و قلنا ان الوجوب بهذا التقريب لا ينافي الاختيارية، هذا تمام الكلام فيما يرجع الى الجبر.
و في قبال هذا المسلك، مسلك المعتزلة، فانهم قالوا بأن اللّه تبارك و تعالى، فوض الامر الى العباد و انهم مختارون في أفعالهم و لا مؤثر في أفعالهم غيرهم و هم يفعلون ما يشاءون و يعملون ما يريدون من دون استعانة بقدرة اخرى، و لا يخفى انهم و ان احتفظوا بعدالة الباري و ان الكفار و العصاة مختارون في افعالهم و اعمالهم لكن وقعوا في محذور آخر و هو الافراط في نفي السلطنة عن اللّه و اثبات الشريك له تعالى في امر الخلق و لذا وردت نصوص في ذمهم و انهم مجوس هذه الامة فان المجوس قائلون بتعدد الإله و ذهبوا أن المؤثر في العالم يزدان و اهريمن، و قالوا خالق النور يزدان فان يزدان خالق الخير و النور و اهريمن خالق الشر و الظلمة، و بعبارة واضحة:
انهم قائلون بأن كل واحد من آحاد البشر موجد لافعاله و لا يحتاج في خلقه الى غيره.
و الدليل على هذه المقالة ان احتياج الممكن الى المؤثر حدوثه و اما بعد حدوثه فلا يحتاج في بقائه الى العلة و المؤثر، و على هذا الاساس الانسان اذا وجد في الخارج لا يكون بقائه محتاجا الى الغير فيكون تمام التأثير و تمام المؤثر في افعاله و اعماله.
و يرد عليه: ان الممكن بعد وجوده و بعد حدوثه هل ينقلب الى الواجب أو يكون باقيا على ما هو عليه من الامكان أما على الاول فكيف ينقلب الممكن الى الواجب؟ فانه امر مستحيل. و بعبارة اخرى: يلزم أن يكون الواجب حادثا و هذا خلف.
مضافا الى أنه يلزم ان كل ممكن وجد في الخارج يبقى الى الابد لعدم احتياجه في البقاء الى المؤثر على الفرض و هذا خلاف الوجدان و البداهة و أما على الثانى فكيف لا يكون محتاجا في البقاء الى المؤثر مع كون المناط واحدا، اضف الى ذلك أن وجود كل ممكن في كل آن غير وجوده في الآن السابق، و بعبارة اخرى:
يحدث فيه الوجود من قبل المؤثر فيه.
فالحق ان مناط الاحتياج امكانه و لا فرق في هذا المناط بين ما قبل حدوثه و بين ما بعد حدوثه و بلا فرق بين الامور التكوينية الخارجية و الأفعال الاختيارية فكما ان الامور الخارجية في كل آن محتاجة الى المؤثر في بقائها كذلك الافعال الخارجية تحتاج الى اعمال القدرة و فعل النفس، و على هذا الاساس كل ممكن في حدوثه و بقاء محتاج الى العلة و المؤثر.
ان قلت: انا نرى ان كثيرا من الامور الخارجية تبقى مع انفصال المؤثر عنها مثلا البناء يبقى سنين مع ان البناء مات و انعدم و قس عليه بقية الامور الباقية بعد حدوثها و انفصال العامل و المؤثر في حدوثها.
قلت: ان بقاء تلك الامور الخارجية لا يكون بدون المؤثر بل المؤثر في بقائها العلل الموجودة في هذا العالم كالجذب و امثاله من الخصائص الموجودة في الاشياء بارادة خالقها، و بعبارة اخرى: المعلول للعوامل الاولية جملة من الحركات الخاصة الحاصلة بارادة فنانين و تلك الحركات تنتهي بانتهاء ارادة الفاعلين و المريدين لتلك الحركات الخاصة، و أما بقاء الهيئات الخاصة على ما هي عليها فهي معلولة لعلل اخرى.
و الذي يدل على هذه الدعوى ان الامور المشار اليها تنهدم بعوامل اخرى، تؤثر في هدمها بل تنهدم بمرور الزمان كما هو المشاهد بالوجدان فلو كان الممكن لا يحتاج في بقائه الى المؤثر لم يكن وجه لفنائها و زوالها و هذا واضح فالنتيجة
بطلان القول بالتفويض كبطلان القول بالجبر.
و في قبال هذين القولين، قول ثالث و هو الالتزام بكون الامر بين الامرين، و هذا القول مختار للامامية و هو خير الاقوال لا افراط فيه و لا تفريط و قد وردت في المقام نصوص كثيرة و روايات عديدة منها ما رواه محمد بن يحيى عمن حدثه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: لا جبر و لا تفويض و لكن امر بين امرين، قال: قلت: و ما امر بين امرين؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت انت الذي امرته بالمعصية[1].
يستفاد من مجموع هذه النصوص بطلان الجبر و التفويض، و ان الحق الأمر بين الامرين، و بعبارة واضحة: ان القول بالجبر و التفويض باطل بالبرهان بل بالوجدان و لو في الجملة، مضافا الى قيام الدليل النقلي عليه فعلى فرض الاغماض عن البرهان القائم على بطلان كلا القولين، لا بد من الالتزام بالبطلان بمقتضى الدليل النقلي القطعي، فعلى فرض وجود رواية دالة على الجبر أو التفويض يضرب به عرض الجدار و لا يعتنى بها، حيث انها مخالفة مع السنة القطعية.
فالمتحصل مما تقدم ان الحق هو الامر بين الأمرين و يظهر المراد من الامر بين الامرين بايراد امثلة في المقام الاول: انه لو ربط احد آلة قتالة بيد المرتعش الذي لا تكون حركة يده تحت قدرته فان الآلة القتالة التى ربطت بيده لو اصابت انسانا فقتل لا يكون الشخص المرتعش مذموما في نظر العقلاء اذ لا يكون مختارا و لا تكون حركة يده باختياره و ارادته بل المذموم في نظرهم الرابط و ذلك الشخص الآخر، و القائل بالجبر يرى المكلف كذلك و يدعي ان الفعل الصادر من العباد
[1]باب الجبر و القدر و الامر بين الامرين من أبواب كتاب التوحيد من اصول الكافى، ج 1 حديث 13 و الباب 1 من ابواب العدل من البحار، ج 5، حديث: 1
بارادته تعالى.
الثاني: ان يعطي شخص آلة قتالة شخصا آخر و الحال انه يعلم ان المعطى له يقتل بها الثالث و مع ذلك يعطي فان المعطى له لو قتل شخصا يكون القتل بفعله و بارادته و لا يرتبط بالمعطى و هذا مذهب المفوضة اذ هم قائلون بأن الافعال الصادرة عن العباد باختيارهم و ارادتهم و لا يرتبط بساحة قدسه.
الثالث: أن يعطي شخص شخصا آخر آلة قتالة و يقدره على القتل بالقوة الكهربائية مثلا بحيث يمكن للشخص الاول أن يقطع القدرة عنه و يعجزه عن الفعل فان هذا مسلك الامامية الشيعة حيث ذهبوا الى الأمر بين الأمرين فان القتل الصادر عن المعطى له باختياره و ارادته بلا اشكال، و اما أصل قدرته على القتل فهو من المعطي اذ ببركته يقدر على القتل.
اذا عرفت ما تقدم نقول لا اشكال في أن الممكن كما مر محتاج الى الواجب بل عين الاحتياج فاذا لم يفض عليه الفيض من المفيض المطلق لا يقدر على اي فعل من الافعال، فمن هذه الناحية لا تفويض بل في كل آن يفاض عليه الفيض و لكن مع ذلك كله يكون العبد مختارا فباختياره و ارادته يرتكب المعاصي و يأتي بالافعال و بهذا الاعتبار لا جبر بل الامر مفوض اليه و يشير الى هذه الحقيقة قوله تعالى«وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»[1]أي لا بد في مشيئة العبد من مشيئة اللّه بأن يفيض اليه الحياة و القدرة و جميع المقدمات اللازمة للعمل كى يفعل العبد فعلا اختياريا و لا تكون الآية دالة على الجبر بل دالة على القول الحق و هو الأمر بين الامرين كما انه تدل عليه الآية الشريفة ايضا و هي قوله تعالى«وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»[2]فان اللّه سبحانه ينهى أن يقول العبد اني
[1]الانسان/ 30
[2]الكهف/ 23 و 24