لا يكون عدم وجوبه من آثار العلم فان العلم بنفسه تبين و لا يعقل أن يترتب عليه وجوب التبين فلا يعقل أن يكون عدم الوجوب من آثاره فلا يمكن جعل خبر العادل علما بلحاظ اثره الشرعي و لكن يمكن جعل الحكومة بلحاظ الاثر العقلي مضافا الى أنه لا نرى مانعا عن التخصيص كبقية موارد التخصيص فانه لو قال المولى لا تكرم الفلاسفة الا الفلان بن الفلان و بعبارة اخرى ان العموم المذكور ليس قابلا للتخصيص، لا يكون تاما فمرجع الكلام الى قوله تبينوا عن كل خبر إلّا اذا كان المخبر عادلا و بعبارة واضحة الشارع الاقدس يمكن أن يرى ان العمل بخبر العادل ليس فيه فساد و لا يوجب الندم و يمكن ان المصلحة تقتضي أن لا ينهى عنه و يتدارك الشارع الخسران المتوجه من هذه الناحية و لعمري ان الذي اقول حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه، و ببيان واضح يمكن ان العمل بقول الغير بلا تبين فيه مفاسد عظيمة فيكون الاقدام سفهائيا و لكن المخبر اذا كان عادلا لا تكون فيه تلك المفاسد أو على فرض وجودها مزاحمة بما هو أهم منها فلا يكون منهيا عنها و بعد فرض كونه مخصصا يكون مقدما على العموم فان ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة و لو مع أقوائية ظهور ذي القرينة.
ان قلت: ان دلالة الآية على المفهوم متفرعة على المنطوق اذ الدلالة الالتزامية فرع الدلالة المطابقية هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان المنطوق متأخر رتبة عن التعليل فالنتيجة ان المفهوم متأخر رتبة عن المنطوق و المنطوق متأخر عن العلة فكيف يمكن أن يكون المفهوم حاكما على العلة و الحال ان المتأخر لا يصلح لان يكون حاكما على المتقدم.
قلت: اولا ان المفهوم متأخر عن المنطوق في مقام الاثبات
و الدلالة أي دلالة اللفظ على المفهوم متأخرة رتبة عن دلالة اللفظ على المنطوق في مقام الاثبات و تابعة له و أما في مقام الثبوت فلا تكون كذلك بل كلاهما في عرض واحد و بعبارة واضحة: عدم وجوب التبين عن خبر العادل لا يكون متأخرا عن وجوب التبين عن خبر الفاسق و لا ملاك للتقدم و التأخر فيهما.
ان قلت: قد تقدم ان المنطوق متأخر عن التعليل لكونه معلولا فما يكون في رتبته ايضا متأخر عنه فالاشكال باق بحاله. قلت: اولا انه لا وجه لتأخر المنطوق عن التعليل فان الآية دالة على المنطوق اي على وجوب التبين عن خبر الفاسق و لو مع قطع النظر عن التعليل فلا دخل للتعليل في وجوب التبين.
و ثانيا: نفرض تأخر المنطوق عن التعليل بملاك العلية و المعلولية لكن قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان التقدم و التأخر بالرتبة يتوقف على الملاك و لذا نقول وجود المعلول متأخر رتبة عن العلة و أما عدم المعلول فليس كذلك مع ان عدم المعلول في رتبة وجود المعلول فاذا فرضنا كون المفهوم في رتبة المنطوق و فرضنا ايضا تأخر المنطوق عن التعليل لا يثبت تأخر المفهوم عن التعليل لعدم ملاك التقدم و التأخر فيهما.
و ثالثا: نفرض تأخر المنطوق عن التعليل و تأخر المفهوم عن المنطوق لكن نقول المستحيل جعل الحكومة بالمعنى الاول اي يكون الحاكم ناظرا الى دليل المحكوم بلحاظ الآثار الشرعية فانه على هذا التقدير يمكن أن يقال كيف يكون حاكما على العلة و أما الحكومة بالمعنى الثانى بأن يكون دليل الحاكم ناظرا الى دليل المحكوم بلحاظ الاثر العقلى فأمر ممكن اذ مفاد دليل الحاكم على هذا التقدير جعل قول العادل علما و مع كونه علما لا يشمله دليل المحكوم اي عموم
التعليل لا يشمل مورد تحقق التبين فان موضوعه مورد الجهل و قابلية المحل للتبين و أما مع العلم و حصول التبين فلا مجال له كما هو ظاهر لمن له الخبرة بالصناعة.
و رابعا: اغمضنا عن هذا ايضا لكن نقول الاشكال انما يتوجه اذا كان التعليل مولويا و أما ان كان ارشادا الى حكم العقل بأنه لا يجوز الاقتحام في أمر لا يؤمن من العقاب و سوء العاقبة و حصول الندم فلا اشكال اذ ليس اعمال للمولوية كى يقال كيف يكون المفهوم حاكما مع كونه معلولا، لكن الانصاف ان الجواب الاخير غير تام فان القانون العقلي غير قابل للتخصيص فان المعلول اذا لم يمكن أن يكون حاكما على العلة فلا فرق من هذه الجهة بين التقديرين فلاحظ و لا تغفل.
الاشكال الثاني:
الذي ذكر في مقام المانعية عن الاستدلال بالآية انه ما المراد من التبين فان كان المراد به العلم فالعمل يكون بالعلم لا بخبر الفاسق اذ مع العلم يكون ضم خبر الفاسق اليه من قبيل ضم الحجر الى جنب الانسان و حيث ان العمل بالعلم الوجداني أمر عقلي يكون الحكم الشرعي بالعمل به ارشاديا و اذا كان ارشاديا لا يكون له المفهوم و ان كان المراد به مجرد الوثوق يقع التنافي بين المفهوم و المنطوق فان مقتضى المفهوم اعتبار خبر العادل و لو لم يكن موثوقا به كما لو وقع مورد اعراض الاصحاب عنه و مقتضى المنطوق اعتبار الخبر الموثوق به و لو لم يكن المخبر عادلا و الاصحاب بين قائل باعتبار خبر العادل و لو مع عدم الوثوق و بين قائل بالخبر الموثوق به فالجمع بين الامرين احداث لقول ثالث فيدور الامر بين الاخذ بالمفهوم أو بالمنطوق و حيث لا موضوع للمفهوم مع فرض عدم المنطوق لا بد من رفع اليد عن المفهوم.
و أجاب عن الاشكال المذكور سيدنا الاستاد بأن المستفاد من الآية ليس ايجاب العمل بالعلم كي يكون ايجابه ارشاديا و لا يترتب عليه المفهوم بل المستفاد من المنطوق تحصيل العلم اي عند خبر الفاسق يجب تحصيل العلم و مفهومه عدم وجوب تحصيل العلم و مع عدم وجوب تحصيل العلم يكون قول العادل علما في اعتبار الشارع و هو المقصود.
و يرد عليه: ان وجوب تحصيل العلم ايضا حكم ارشادي اذ من الواضح ان تحصيل العلم ليس واجبا شرعيا على المكلف فيعود الاشكال و الذي يختلج بالبال في هذه العجالة انه لا وجه للالتزام بعدم المفهوم في فرض عدم كون الحكم مولويا و بعبارة اخرى القضية الشرطية ذات مفهوم بلا فرق بين كونها اخبارية أو انشائية مولوية أو ارشادية مثلا لو قال الطبيب للمريض الذي راجعه اذا كنت مستبردا فلا تأكل الحامض فما ذا يستفاد منه فان المريض يفهم ان اكل الحامض مع الاستبراد يضره و أما مع عدم الاستبراد فلا ففي المقام نقول يستفاد من المنطوق لزوم تحصيل العلم اذ مع عدم العلم لا حجة للمكلف و يكون مفهوم القضية عدم وجوب تحصيل العلم الوجداني لان قول العادل علم في وعاء الشرع و يعلم ان المستفاد من الآية وجوب التبين عند خبر الفاسق أي تحصيل العلم و مفهوم القضية عدم وجوبه لان خبر العادل بنفسه علم فيكون تحصيله تحصيلا للحاصل و لا وجه للقول بأن المراد بالتبين حصول الوثوق فانه لا دليل عليه و بعبارة واضحة ما دام لا يحصل العلم لا يتحقق التبين و فسر البيّن في اللغة بالواضح و المنكشف فلا اشكال في أن البيان مساوق مع العلم اذ مع عدم العلم لا يكون الشيء ظاهرا واضحا و يحتاج في الحكم بظهوره الى عناية و مئونة و بعبارة واضحة التبين تحصيل العلم
الوجداني كي يكون مورده و متعلقه واضحا و ظاهرا فلا وجه للقول بأن المراد الجامع بين العلم و الوثوق.
الاشكال الثالث:
انه لو كان الخبر الواحد حجة لزم من اعتباره عدم اعتباره و ذلك لان السيد المرتضى نقل الاجماع على عدم كون الخبر الواحد حجة.
و يرد عليه اولا: ان النقل المذكور معارض بنقل الطوسي(قدس سره)الاجماع على اعتباره فلا أثر لنقله و بعبارة اخرى حيث انه لا يعقل شمول دليل الحجية لكلا الخبرين فان التعبد بالمتناقضين غير معقول و ترجيح احدهما على الآخر بلا مرجح فيقع التعارض بينهما و يتساقطان.
و ثانيا: انه قد تقدم في بحث الاجماع عدم اعتبار الاجماع لا المنقول منه و لا المحصل منه.
و ثالثا: انه يدور الامر بين الاخذ بخبر السيد و رفع اليد عما عداه و بين الاخذ بغيره و رفع اليد عنه و المتعين هو الثانى اذ الاخذ بخبر السيد يستلزم تخصيص الاكثر المستهجن الى غايته اذ لازمه انحصار اعتبار الخبر بخبر السيد.
ان قلت: لا يلزم تخصيص الاكثر اذ خبر السيد لا يشمل الاخبار الآحاد الصادرة قبل نقل الاجماع فهي تبقى على اعتبارها. قلت:
لا وجه لهذا التفصيل فان خبر السيد يشمل كل خبر واحد و لا يختص مفاده بمورد دون مورد و التقييد يحتاج الى الدليل مضافا الى القطع بعدم الفرق بين الاخبار الصادرة قبل خبر السيد و بعد خبره و حين خبره.
و رابعا: ان دليل اعتبار الخبر لا يعقل أن يشمل خبر السيد اذ يلزم من وجوده عدمه و ما يلزم من وجوده عدمه محال. توضيح
المدعى: انه لو شمل دليل الحجية خبر السيد يكون معناه ان خبر السيد لا يكون حجة لان مفاد خبر السيد عدم حجية الخبر الواحد على الاطلاق و من جملة الاخبار الآحاد خبر السيد فلا يكون حجة لكن يمكن دفع الاشكال بأن نقول الاجماع دليل لبي و القدر المتيقن من عدم الاعتبار خبر من لا يكون عادلا مضافا الى أنه نسلم ان مورد الاجماع مطلق الخبر بلا فرق بين كون المخبر عادلا او فاسقا لكن نقول مفهوم الآية يدل على اعتبار خبر العادل فبقانون تقديم الخاص على العام نخصص عموم مورد الاجماع أو نقيد اطلاقه فلاحظ.
و في المقام ايرادان لشمول دليل الاعتبار لخبري السيد و الشيخ الايراد الاول انه لا ريب في أن دليل الاعتبار لا يشمل الخبر الذي يعلم كونه مطابقا مع الواقع و ايضا لا يشمل الخبر الذي يعلم عدم كونه مطابقا مع الواقع بل دليل الاعتبار يختص بالخبر الذي يكون مطابقته مع الواقع مشكوكا فيها فعلى ذلك يكون الشك في الحجية متأخرا عن الحجية و من ناحية اخرى كل حكم متأخر عن موضوعه فيلزم أن تكون الحجية متقدمة و متأخرة اذ المفروض ان الموضوع الشك في حجية قول السيد أو الشيخ و المفروض ان الحكم عبارة عن الحكم بالحجية.
و يمكن ان يجاب عن الايراد المذكور: بان ما يكون متقدما الشك في الحجية و ما يكون متأخرا هو الحكم بالاعتبار فلا يكون المتقدم متأخرا مثلا لو شك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و قام دليل على وجوبه فهل يمكن أن يقال ان الوجوب متأخر و متقدم، و صفوة القول انه لا مانع من هذه الجهة.
لكن يمكن أن يجاب عنه بوجه آخر و هو ان مقتضى الاستصحاب كما ذكرنا عدم الالزام في الواقع و مع احراز عدم الوجوب أو الحرمة في الواقع لا وجه للاحتياط و ان شئت قلت: انه مع فرض قيام الدليل على عدم التكليف لا يكون ترك الواجب المحتمل أو فعل الحرام كذلك خلاف الاحتياط و بعبارة واضحة: المستفاد من حديث ابن الحجاج انه يجب الاحتياط في الشبهة قبل الفحص فلا دليل على وجوب الاحتياط في مطلق الشبهة.
و في المقام وجه آخر لتقديم ادلة البراءة على ادلة الاحتياط و هو ان اخبار الاحتياط على فرض تماميتها سندا و دلالة انما تدل على الوجوب الطريقي و ادلة البراءة تدل على عدم الوجوب و اخبار البراءة أخص من ادلة الاحتياط و بها تخصص اخبار الاحتياط و على فرض الاغماض و الالتزام بكون النسبة بين الطرفين التباين تصل النوبة بعد التعارض و التساقط الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان فالنتيجة في ختام البحث انه لا دليل على وجوب الاحتياط الا في الشبهة البدوية قبل الفحص و الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي لكن لا يبعد أن الفقيه يطمئن بل يقطع بحسن الاحتياط في مطلق الشبهة و اللّه العالم بحقائق الامور.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة