الجهة الاولى: في أن التجري لا يختص بخصوص القطع المخالف بل يعم بقية الطرق و الامارات التعبدية اذ لا وجه للاختصاص بل الحق شموله لكل حكم ظاهري بل يعم كل منجز و لو لم يكن حكما كالشبهة قبل الفحص، فالميزان تحقق المنجز و انما يذكر خصوص القطع لكونه أظهر مصاديق المنجّز.
ان قلت: لا مجال للتجري في باب الامارات و الاصول العملية فان التجري متقوّم بانكشاف الخلاف و لا يتصور في موارد الامارات و الاصول فانه بعد كشف الواقع يتبدل الموضوع و بعبارة اخرى يكون مخالفة الامارة و الاصل عصيانا واقعيا لا تجريا. قلت: هذا البيان انما يتم على القول بالموضوعية و السببية و ان الاحكام مجعولة على طبق الامارات و الاصول و لا واقع في مواردها و الحال ان الامر ليس كذلك بل الاحكام محفوظة في الواقع و لا فرق فيما نقول بين القول بكون مفاد دليل الامارة جعل الطريقية و بين القول بأن مفاده جعل الحكم، أما على الاول فظاهر و أما على الثاني فان الحكم المجعول حكم طريقي اما منجز للواقع و اما معذّر و على كل حال الواقع محفوظ بحاله و إلّا يلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور الباطل عقلا.
الجهة الثانية: ان صاحب الكفاية افاد بأنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة في صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الاصابة على التجري بمخالفته أو استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا؟. الحق انه يوجبه بشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمه على تجريه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان و صحة مثوبته و مدحه
على اقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته الى آخر كلامه.
أقول يقع الكلام في موضعين، الموضع الاول: في أنه هل يتغير حكم الفعل المتجرى به بالقطع بالخلاف أو يبقى حكمه على ما كان فاذا قطع المكلّف بأن المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء هل يحرم ام يبقى على حكمه الواقعي اي الحلية؟.
الموضع الثاني: في أنه على فرض بقاء الفعل المتجرى به على حكمه و عدم تغيره هل يوجب التجري استحقاق العقاب ام لا؟. أما المقام الاول: فيقع الكلام فيه من جهتين: الجهة الاولى: في أنه هل يحرم الفعل بالملاك الواقعي بعد الاعتقاد المتعلق به فان المكلف اذا اعتقد ان المائع الفلاني خمر فهل يشمله دليل حرمة الخمر أم لا؟
الجهة الثانية: في أنه اذا لم نقل بصيرورته حراما بالملاك الاولي فهل يحرم بالملاك الثانوي و هو التمرد و الطغيان ام لا؟
فنقول: ربما يقال ان الاطلاقات الاولية شاملة لموارد القطع بالخلاف فلو قال المولى يحرم الخمر يشمل ما لو قطع المكلّف ان المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء و استدل لاثبات الدعوى بثلاث مقدمات:
المقدمة الاولى: انه لا اشكال في اشتراط التكليف بالقدرة و ما لا يكون مقدورا لا يتعلق به التكليف.
المقدمة الثانية: ان المحرك للانسان بالنسبة الى العمل قطعه و أما كونه مطابقا للواقع و عدمه فهو اجنبي عن المحركية و الزاجرية و لذا نرى انه لو قطع شخص بوجود سبع مفترس يفر و ان كان قطعه مخالفا مع الواقع و مع القطع بالخلاف لا يفر و لو مع وجود السبع في الخارج.
المقدمة الثالثة: ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا للمكلّف فالنتيجة ان التكليف يتعلق بما تعلق به القطع اذ ثبت بالمقدمة الاولى ان التكليف لا يتعلق إلّا بالحصة المقدورة و ثبت بالمقدمة الثانية ان المقطوع اختياري للمكلّف و ثبت بالمقدمة الثالثة ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا فالنتيجة ان تعلق التكليف هو الذي تعلق به القطع.
و يرد عليه اولا: انه يلزم تحقق الامتثال بما أمر به المولى كالصلاة في الوقت فلو قطع المكلف بالوقت و صلى يلزم الاجزاء و لو كانت الصلاة واقعة في خارج الوقت واقعا و هل يمكن الالتزام به و بعبارة اخرى: على هذا القول لا فرق في الواجبات و المحرمات أي كما ان المحرمات تتغير بالقطع تتغير الواجبات به و هل يمكن الالتزام به.
و ثانيا: نجيب بالحل و هو ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و لا دخل للقطع و عدمه فيها و التكاليف متعلقة بالعمل و الاختيار طريق الى تحصيله في الخارج و بعبارة واضحة: جميع المكلفين مشتركون في تعلق التكاليف بهم و لا يختص التكليف بالقاطع مضافا الى أن الالتزام بالتقريب المذكور يستلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور المحال. و صفوة القول: ان العمل المقطوع به لو صادف الحكم الواقعي يصح العقاب عليه لو كان عصيانا و يصح الثواب عليه لو كان اطاعة و على كلا التقديرين يكون الفعل اختياريا و بعبارة واضحة: يلزم أن يكون العقاب على الفعل الصادر عن الاختيار و مع القطع بالمصادفة للواقع يصدق انه فعل اختياري.
نعم اذا كان قطعه على الخلاف كما لو شرب مائعا مقطوع الحرمة و الحال انه حلال واقعا فانه ترك الخمر و ترك شرب الحرام و لكن
هذا الترك ترك غير اختياري فاذا لم يعاقبه المولى لعدم شربه المحرم لا يكون فيه محذور اذ المحذور في العقاب على أمر غير اختياري و أما عدم العقاب لعدم العصيان فلا يكون فيه محذور و ان كان عدم العصيان بدون الاختيار فتحصل ان القطع بكون المائع الفلاني خمرا لا يوجب حرمته بعنوان انه خمر، هذا تمام الكلام في الجهة الاولى.
و أما الجهة الثانية: فربما يقال بأن القطع بكون شيء حراما يوجب حرمته بالعنوان الثانوي و ذكر في تقريبه وجوه: الوجه الاول: ان القطع بالمفسدة في شيء يوجب حرمته و كذلك القطع بوجود المصلحة في شيء يوجب وجوبه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و القطع بالمفسدة يوجبها كما ان القطع بالمصلحة كذلك.
فيه: انه لا دليل على هذا المدعى بل الدليل على خلافه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها و المصالح و المفاسد امور واقعية لا دخل للقطع و عدمه في ثبوتها و عدمها. ان قلت:
يمكن التأثير و يحتمل تحقق الملاك في المتعلق بالقطع. قلت:
نفرض امكانه و لكن مجرد الامكان لا يقتضي الحكم على طبقه مضافا الى أن استصحاب العدم يقتضي عدمه فان استصحاب عدم تحقق الملاك يقتضي عدم تحققه كما ان مقتضى استصحاب عدم حدوث الحكم عدم تحقق الحرمة و الوجوب بل مقتضى اطلاق حلية ذلك الشيء بقاء حليته حتى في حال القطع بحرمته إلّا أن يقال انه مع القطع بالحرمة لا مجال لبقاء الحلية لعدم ترتب أثر عليه، اضف الى ذلك ان لازم القول المذكور انه لو قطع المكلف بحرمة شيء و كان حراما واقعا تكون حرمته متضاعفة اذ المفروض كونه حراما في حد نفسه و من ناحية اخرى فرض ان المكلف قطع بحرمته و هل يمكن
الالتزام بهذا اللازم.
الوجه الثاني: ان التجري كاشف عن سوء سريرة العبد و خبث باطنه و هذا يوجب قبح الفعل فاذا كان قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة و انه كلما حكم به العقل حكم به الشرع.
و فيه: ان قبح المنكشف لا يسري الى الكاشف كما ان حسنه لا يسري اليه مضافا الى أن قاعدة الملازمة مخدوشة و لا يمكن الالتزام بها كما اشرنا اليه مرارا.
الوجه الثالث: ان تعلق القطع بقبح فعل يوجب قبحه كما ان القطع بحسن فعل يوجب حسنه فيحكم بحرمته في الاول و وجوبه في الثاني لقاعدة الملازمة بين العقل و الشرع فهنا دعويان: الدعوى الاولى: ان القطع بحرمة شيء يوجب قبح ذلك الفعل. الدعوى الثانية:
انه لو صار قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة.
أما الدعوى الاولى: فقد اورد فيه ايرادان: الاول: ما افاده بعض و هو انا بالوجدان لا ندرك قبحا في الفعل في مورد التجري كما انه لا ندرك حسنا في الفعل في مورد الانقياد.
و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن خلافه وجداني، و استدل على مدعاه بأنهم قائلون بأن المستفاد من أخبار «من بلغه ثواب» ان الانقياد يوجب المثوبة و من ناحية اخرى ان التجري و الانقياد من واد واحد و بعبارة اخرى الفقهاء قائلون بأنه لا يستفاد من أخبار من بلغ استحباب الفعل بل المستفاد منها الارشاد الى حكم العقل بترتب الثواب على الانقياد و من ناحية اخرى الانقياد في قبال التجري فكما ان الانقياد حسن، يكون التجري قبيحا
و يرد على ما أفاده: بأن العبد اذا قطع بأن فلانا ابن المولى و الحال انه أعدى عدوه و تجرى فقتله، نسأل ان القتل المذكور محبوب
للمولى أو مبغوض أو انه لا مبغوض و لا محبوب أو انه محبوب و مبغوض لا سبيل الى الرابع لاجتماع الضدين و هو محال كما انه لا مجال للثالث اذ لا يمكن أن لا يتفاوت حاله بالنسبة اليه كما انه لا يمكن الثاني كما هو ظاهر فيكون المتعين هو الشق الاول أي يكون محبوبا ليس إلّا و هل يمكن أن يكون القبيح محبوبا كلا.
الايراد الثاني: ان القبيح يلزم أن يكون أمرا اختياريا للمكلف و بعبارة اخرى: العناوين المقبحة و المحسنة يلزم أن تكون متعلقة للارادة و القاطع لا يتوجه بقطعه بل ربما لا يصدر الفعل عن اختياره مثلا لو قطع بكون المائع الفلاني خمرا و كان في الواقع ماء فشربه لم يكن شربه اختياريا اذ ما قصده لم يقع لانه لم يكن خمرا و ما وقع لم يقصد لانه لم يقصد الشارب شرب الماء.
و أجاب عن الوجه المذكور سيدنا الاستاد انه يكفي لتعنون الفعل بالحسن و القبح التفات الفاعل بالعنوان العارض بالفعل و لا يلزم ان العنوان غرضا و غاية للفاعل و لذا نرى ان ضرب اليتيم أمر قبيح و ان لم يكن الغرض من الضرب ايلام الطفل و ايذائه و أما دعوى ان عنوان القطع غير ملتفت اليه فغير صحيح اذ العلم حاضر عند العالم بالعلم الحضوري و القاطع ملتفت الى قطعه غاية الامر توجهه اليه اجمالي و ارتكازي و هذا المقدار يكفي لكونه اختياريا و أما ما افيد في التقريب بأن ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع فلم يصدر عنه فعل اختياري. فيرد عليه: انه لا اشكال في أن مثله فعل اختيارى و لا يصح أن يقال انه شرب المائع بلا اختيار و العرف ببابك، هذا تمام الكلام في الدعوى الاولى.
و أما الدعوى الثانية فيرد عليها اولا، انه لا دليل على هذه الدعوى و بعبارة واضحة: ذكرنا مرارا انه لا طريق للعقل الى كشف الملاكات
الشرعية و القبح العقلى لا يستلزم الحكم الشرعي و لذا يمكن ان يكون الامر الفلاني قبيحا في نظر العقل و مع ذلك يتعلق به الامر الشرعي و لذا نرى ان ابراهيم النبى(عليه السلام)امر من قبل اللّه بذبح ولده اسماعيل و تصدى لامتثاله و لم يستشكل بأنه ظلم محرم هذا اولا.
و ثانيا: لو سلمنا الملازمة فانما تتم اذا كان حكم العقل بالقبح أو الحسن في سلسلة علل الاحكام، و أما اذا كان حكم العقل في سلسلة المعاليل فلا تتم الدعوى المذكورة اذ حكم العقل بقبح العصيان اذا كان كافيا في زجر المكلف عن الارتكاب فلا يحتاج الى حكم الشرع و ان لم يكن كافيا فلا أثر لحكم الشرع.
فتحصل ان القطع بحرمة ما لا يكون حراما لا يوجب حرمته كما ان القطع بوجوب ما لا يكون واجبا لا يوجب وجوبه، نعم العقل يرى ان المتجري مستحقا للعقاب كما انه يرى ان المنقاد مستحقا للمثوبة بل لو عزم احد على العصيان و أتى ببعض مقدماته كما لو عزم على شرب الخمر و أخذ الكأس لان يشرب منه الخمر يكون مستحقا للعقاب في نظر العقل بل يمكن أن يقال ان مجرد عزم المكلف على العصيان يوجب استحقاق العقاب كما انه لا يبعدان العزم على الاطاعة يوجب استحقاق الثواب الانقيادي بل لا يبعد أن الترديد في العصيان يوجب استحقاق العقوبة فان وظيفة العبد أن يكون عازما جازما على الاطاعة و الانقياد من المولى و أما الترديد في الاطاعة كما لو كان مرددا في اطاعة امر المولى اذا كان امرا استحبابيا لا يوجب استحقاق المثوبة و استدل على المدعى ببعض الآيات و الروايات، أما الآية فقوله تعالى«وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ»[1]بتقريب ان مجرّد النية في القلب توجب العقاب و المثوبة و الظاهر ان الآية
[1]البقرة/ 284.
غير قاصرة عن الدلالة على المدعى، و استدل ايضا بقوله تعالى«وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا»[1]بتقريب ان الامر القلبي يوجب السؤال و العقوبة، و فيه: ان الآية الشريفة لا تدل على المدعى بل تدل على أن كل عضو يصدر عنه العصيان يؤخذ به فان صدر العصيان عن العين أو السمع أو القلب يؤخذ و أما تعيين المصداق فلا تعرض له في الآية و بعبارة واضحة: ان المكلف يجب عليه أن يعمل بوظيفته مثلا وظيفة القلب الاعتقاد بالامور الاعتقادية فاذا لم يعتقد يوجب العقوبة و السؤال.
و استدل ايضا بقوله تعالى«لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ»[2]بتقريب ان المستفاد من الآية ان الامر القلبي يوجب المؤاخذة، و فيه: ان الظاهر من الآية الشريفة ان اليمين بلا قصد امر لغو و لا اثر له و أما اذا كان عن قصد فيترتب عليه الاثر فلا ترتبط بالمقام و استدل ايضا بقوله تعالى«وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً»[3]و قد ظهر مما ذكرنا تقريب الاستدلال بالآية على المدعى و الجواب عنه.
و أما من الاخبار فقد استدل على المدعى بجملة من النصوص:
و من تلك النصوص ما رواه السكونى عن أبى عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)): نيّة المؤمن خير من عمله، و نيّة الكافر شر من عمله، و كل عامل يعمل على نيّته.[4]
[1]الاسراء/ 36.
[2]البقرة/ 225.
[3]الاحزاب/ 5.
[4]الوسائل الباب 6، من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 3.