الاحتياط فقد تقدم جوابه ايضا و قلنا ان مقتضى القاعدة تخصيص تلك الاخبار بدليل البراءة و ان استند الى قاعدة دفع الضرر المحتمل فقد تقدم جوابه و قلنا ان المراد من الضرر ان كان العقاب الاخروي فهو غير محتمل و ان كان المراد الضرر الدنيوي فهو منفي بالاصل و ان كان المراد المفسدة فهو ايضا منفي بالاصل و ان استند الى كون الاصل في الاشياء الحظر ففيه اولا معارض بما قيل من أن الاصل الاباحة فان الصدوق على ما نقل عنه جعل كون الاشياء على الاباحة حتى يثبت الحظر من دين الامامية و ثانيا انه لا دليل عليه و ثالثا على فرض تماميته يكفي للقول بالجواز و الاباحة ادلة البراءة.
التقريب الثالث:
ان في ارتكاب المشتبه احتمال الضرر و هو لازم الاجتناب و قد تقدم الجواب عن الاستدلال المذكور فلا وجه للاعادة هذا تمام الكلام في أصل البراءة.
و ينبغى التنبيه على امور
التنبيه الاول:
ان موضوع البراءة العقلية عدم البيان و موضوع البراءة الشرعية الشك في الحكم الواقعي فكل ما يكون قابلا للبيان و رافعا للشك و لو تعبدا يتقدم على البراءة بلا فرق بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية مثلا لو كان مائع خمرا و بعد زمان شك في بقائه على الخمرية يجري استصحاب بقائه على ما كان فلا تصل النوبة الى اجراء اصالة البراءة عن الحرمة كما انه لو شك في بقاء وجوب صلاة الجمعة بعد زمان الحضور يحكم ببقاء وجوبها بالاستصحاب فلا مجال لاصالة البراءة عن وجوبها نعم جريان الاستصحاب في امثال المقام يتوقف على جريان الاستصحاب في الحكم الكلي. و على الجملة لا مجال لجريان البراءة لا عقلا و لا شرعا و بلا فرق بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية و الوجه فيه ان جريان البراءة عقلا يتوقف على عنوان عدم
البيان و جريان الاصل في الرتبة السابقة يكون بيانا فلا تصل النوبة الى جريان البراءة العقلية كما أنه لا مجال لجريان البراءة الشرعية لحكومة الاصل السببي على الاصل المسبّبي.
ان قلت ما الوجه في تقدم الاصل السببي على الاصل المسبّبي مثلا لو غسل ثوب نجس بماء يحكم عليه بالطهارة بالقاعدة أو باستصحابها يحكم بطهارة الثوب مع ان مقتضى استصحاب النجاسة في الثوب الحكم عليه بالنجاسة فما وجه ترجيح استصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب على استصحاب نجاسة الثوب المغسول؟
قلت اولا: يستفاد من ادلة الاستصحاب تقدم الاصل السببي على الاصل المسببي اذ مقتضى استصحاب بقاء الوضوء بعد الخفقة بقاء المكلف على الطهارة لكن لو صلى معه صلاة الظهر مثلا يكون مقتضى استصحاب عدم تحقق الصلاة مع الطهارة فساد الصلاة و المستفاد من أحاديث الباب جريان الاستصحاب في الوضوء بلا اشكال. و ثانيا الاصل الجاري في السبب على القاعدة لتمامية موضوعه و أما الاصل الجاري في المسبب كاستصحاب نجاسة الثوب مثلا يتوقف على عدم جريان الاصل في السبب و عدم جريانه فيه يتوقف على جريانه في المسبب فجريان الاصل في المسبب يتوقف على الدور الباطل و أما جريان الاصل في السبب فلا مانع منه فانقدح بما ذكرنا ان مقتضى القاعدة جريان الاصل في السبب دون المسبب ففي كل مورد وقع التعارض بين الاصل السببي و الاصل المسببي يكون الترجيح مع الاصل السببي فلاحظ.
فالنتيجة انه مع الاصل الموضوعي لا تصل النوبة الى الاصل الحكمي و يترتب على ما ذكر انه لو شك في حلية لحم من جهة الشك
في التذكية و عدمها لا تصل النوبة الى جريان اصالة حلية اللحم بل المرجع اصالة عدم التذكية فنقول الشك في حرمة اللحم تارة يكون ناشيا من الشبهة الموضوعية و اخرى يكون ناشيا عن الشبهة الحكمية و كل واحد منهما على أقسام فالقسم الاول من الشبهة الموضوعية ما يشك في حرمته و حليته من جهة الشك في كونه من محلل الاكل أو من محرمه مع العلم بقابليته للتذكية و العلم بوقوعها عليه كما لو شك في كونه لحم شاة أو لحم ارنب و الظاهر انه لا مانع عن جريان اصالة الحلية فيه و الحكم بكونه حلالا.
ان قلت: مقتضى الاستصحاب عدم كونه من القسم الحلال فان اصالة العدم الازلي تقتضي عدم كونه من الحلال. قلت: يرد عليه اولا ان اصالة عدم كونه من الحلال لا تقتضي الحرمة الا على القول بالمثبت الذي لا نقول به و ثانيا يعارضه اصل عدم كونه من القسم الحرام و بعد التعارض و التساقط تصل النوبة الى استصحاب عدم تعلق النهي به و اصالة البراءة عن حرمته ان قلت: انه نقل عن الشهيد(قدس سره)ان الاصل الاولي في اللحوم الحرمة قلت: هذا الاصل لا أصل له بل لا بد من التفصيل كما نفصل إن شاء اللّه تعالى.
ان قلت الحيوان قبل موته يكون محرم الاكل و مقتضى الاستصحاب بقائه على الحرمة قلت: يرد عليه اولا ان الامر ليس كذلك و لذا جوزوا بلع السمك الحي و الحال انه لم يذك بعد و ثانيا انه على تقدير تمامية المدعى يكون موضوع الحرمة الحيوان الحي و الكلام في اللحم و يشترط في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع و ثالثا قد ذكرنا مرارا ان الاستصحاب الجاري في الحكم الكلى معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.
القسم الثاني: ما يشك في حليته من جهة احتمال طرو مانع عليه
كالجلل أو صيرورته موطوءا للانسان مثلا و مقتضى القاعدة الحلية ايضا اذ مقتضى الاصل عدم طرو المانع فاذا ذبح على طبق المقرر الشرعي و ذكي فلا مقتضي لحرمة اكله.
القسم الثالث: ما لو شك في كون الحيوان المذبوح قابلا ذاتا للتذكية و عدمها كما لو شك في كون المذبوح كلبا أو شاة فان قلنا ان الاستصحاب يجري في العنوان الذاتي و ينفي بالاصل ما يشك فيه و ايضا قلنا بأن المستفاد من الدليل ان كل حيوان قابل للتذكية نلتزم بجواز الاكل فيما لو شك في كون الحيوان المذبوح شاة أو كلبا فان مقتضى الاستصحاب عدم كون الحيوان كلبا و مقتضى عموم التذكية تحققها لكن هل يكفي هذا المقدار في جواز الاكل أو يتوقف على جريان اصالة البراءة؟ الظاهر هو الثاني اذ مجرّد عدم كون الحيوان كلبا و تحقق التذكية فيه لا يكفي في حليته فان المذكى اعم من الحيوان الذي يحل اكله فيحتاج الى اصالة الحل.
لكن في المقام شبهة و هي ان جواز الاكل اما مترتب في الادلة على العناوين الخاصة كالشاة و نحوها و الباقي حرام و اما يكون الجواز مترتبا على غير العناوين المحرمة و على كلا التقديرين لا تصل النوبة الى اصالة الحل أما على الاول فمقتضى الاستصحاب عدم كون الحيوان داخلا في العناوين المحللة فتكون النتيجة حرمة الأكل و أما على الثاني فيكون مقتضى الاستصحاب عدم كون الحيوان داخلا في العناوين المحرمة فتكون النتيجة جواز الأكل و على كلا التقديرين لا تصل النوبة الى اصالة الحل و السر فيما ذكر ان الاصل السببي مقدم على الاصل المسببي و أما ان قلنا ان الاستصحاب لا يجري في نفى العناوين الذاتية فلا طريق الى احراز جواز الأكل اذ يمكن أن يكون الحيوان المذبوح كلبا أو خنزيرا و يلزم احراز تذكية الحيوان
و لا طريق الى احرازها و أما ان قلنا بجريان الاصل في العناوين الذاتية لكن منعنا عن دلالة الدليل على وقوع التذكية في كل حيوان فأفاد سيدنا الاستاد بأنه ان قلنا ان التذكية أمر وجودي مسبب عن فعل الذابح يكون مقتضى الاصل عدم تحققها و أما ان قلنا بأن التذكية عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع شرائطه فلا مجال لاصالة عدمها اذ المفروض تحققه بماله من الشرائط فالمرجع اصالة الحل.
و الذي يختلج بالبال أن يقال ان المفروض الشك في كون الحيوان قابلا للتذكية و مقتضى الاصل عدم كون الحيوان قابلا لها و يمكن تقريب الاصل بانحاء: الاول: أن يقال ان الحيوان المذبوح قبل وجوده لم يكن قابلا للتذكية و الاصل بقائه على ما كان.
الثاني: أن يقال الحيوان المذكور قبل وجوده لم يكن داخلا في العناوين القابلة للتذكية و الآن كما كان.
الثالث: ان يقال ان الحيوان المذكور قبل صيرورته مذبوحا لم يقع عليه التذكية و الاصل عدم وقوعها عليه حين الذبح لكن يشكل التقريب المذكور بأن المفروض تحقق التذكية فلا مجال لاصالة عدمها نعم الظاهر انه لا تصل النوبة الى اصالة الحل لان الشك في الحلية ناش من كونه كلبا أو شاة و مقتضى الاصل عدم كونه كلبا و بعبارة اخرى: وقوع التذكية عليه وجداني و عدم الكلبية محرز بالاصل فيتركب الموضوع من الوجدان و الاصل اللهم إلّا أن يقال ان مجرد كون الحيوان مذكى لا يقتضي الجواز اذ يمكن أن يكون مذكى و مع ذلك يكون حراما كالارنب و قد مرّ الاشكال في انه لا تصل النوبة الى اصالة الحل بل المرجع اما الى استصحاب عدم كونه من العناوين المحرمة و اما استصحاب عدم كونه من العناوين المحللة و لا يخفى انه مع احتمال عدم كون الحيوان قابلا للتذكية و عدم الدليل على عدم
جريان التذكية و وقوعها على كل حيوان لا مجال لاحراز الحلية للشك في التذكية و مقتضى الاصل عدم قابلية الحيوان لها كما بنينا عليه في الدورة السابقة فلاحظ.
القسم الرابع: ما لو شك في تحقق التذكية على الحيوان خارجا بعد العلم بكونه قابلا لها كما لو شك في أنه ذبح على المقرر الشرعي أم لا فلو لم يكن دليل على التذكية يحكم بعدم تحققها بمقتضى الاستصحاب.
هذا كله في الشبهة الموضوعية و أما لو كان الشك ناشئا عن الشبهة في الحكم فائضا له صور: الصورة الاولى: ما لو شك في حلية حيوان و عدمها من جهة الشبهة الحكمية مع العلم بكون الحيوان قابلا للتذكية كما لو شك في حلية لحم الارنب فان مقتضى اصالة البراءة شرعا و مقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان عقلا جواز اكله و استصحاب الحرمة حال الحياة مدفوع بما تقدم نعم لو قلنا ان المستفاد من الادلة اختصاص الجواز بالعناوين الخاصة و حرمة غيرها يكون مقتضى القاعدة حرمته اذ المفروض ان الحيوان المذكور لا يكون داخلا تحت تلك العناوين كما انه لو قلنا ان المستفاد من الادلة جواز اكل كل حيوان الا ما خرج حليته بدليل لا مجال لاصالة الحل فعلى كلا التقديرين لا تصل النوبة الى اصالة الحل اذ قد فرض وجود دليل اجتهادي.
الصورة الثانية: أن يكون الشك في الحلية ناشئا عن قابلية الحيوان للتذكية كالحيوان المتولد من الشاة و الخنزير فان قلنا بأن المستفاد من الادلة قابلية كل حيوان للتذكية فلا مانع من اكله اذ المفروض امكان ايقاع التذكية عليه بمقتضى الدليل فيجوز اكله ببركة الاصل على ما تقدم و أما ان لم نقل بذلك فلا يجوز اكله على ما تقدم.
الصورة الثالثة: أن يكون الشك في التذكية ناشيا عن احتمال امر فيها كما لو شك في اعتبار كون آلة الذبح من الحديد فان كان لدليل التذكية اطلاق قابل لنفي ما يشك في الاعتبار يؤخذ به و إلّا يكون مقتضى القاعدة الحرمة لاصالة عدم التذكية فما أفاده سيدنا الاستاد في المقام من عدم امكان الاخذ بالاطلاق بتقريب ان التذكية امر شرعي لا عرفي فلا مجال للاخذ باطلاق الدليل، غير تام اذ لا تنافي بين الامرين.
ثم انه مع جريان اصالة عدم التذكية يحكم بحرمة اكل الحيوان و هل يثبت باصالة عدم التذكية عنوان الميتة كى يكون المذبوح نجسا أو لا يثبت و تكون النتيجة طهارة الحيوان فلا بد من ملاحظة ان المستفاد من كلمات القوم ان الميتة عبارة عن أمر وجودي أو انها عبارة عما لم يذك فعلى الاول يحكم بطهارته لعدم كون الاستصحاب مثبتا للوازمه العقلية و على الثاني يحكم بالنجاسة لتحقق الموضوع على الفرض فنقول قال الراغب في مفرداته «الميتة من الحيوان ما زال روحه بغير تذكية» فان المستفاد من العبارة المذكورة ان الميتة ما يستند زوال روحه الى سبب غير شرعي فعنوان الميتة عنوان في قبال المذكى لا أن الميتة عبارة عن غير المذكى فلا يمكن اثباته باصالة عدم التذكية الا على القول بالاثبات و عن الفيومي انه قال: «الميتة ما مات بسبب غير شرعي» و الكلام فيه هو الكلام و قال في مجمع البحرين: «الميتة بالكسر للحال و الهيئة» فعلى هذا الاساس ان المستفاد من الكلمات ان الميتة أمر وجودى فلا بد من التفكيك بين جواز الأكل و الحكم بالطهارة بأن نقول لا يجوز اكله لان مقتضى الاصل عدم كونه مذكى و أما بمقتضى قاعدة الطهارة فيحكم بكونه طاهرا و لا يلزم اشكال من التقريب المذكور اذ لا يلزم مخالفة عملية
بل يمكن أن يقال: انه لو لم يستفد من الدليل ان الميتة أمر وجودي أو عدمي تكون النتيجة طهارة المشكوك فيه لقاعدة الطهارة.
و المحقق الهمداني(قدس سره)استدل بحديث قاسم الصيقل قال:
كتبت الى الرضا(عليه السلام)اني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فأصلّي فيها؟ فكتب إليّ: اتخذ ثوبا لصلاتك. فكتبت الى أبي جعفر الثاني(عليه السلام): كنت كتبت الى أبيك(عليه السلام)بكذا و كذا فصعب علي ذلك فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكية فكتب إليّ كل أعمال البر بالصبر يرحمك اللّه فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس[1]، على نجاسة غير المذكى بتقريب ان الامام(عليه السلام)رتب عدم البأس على عنوان المذكى و مقتضى مفهوم الشرط ثبوت البأس اذا لم يكن الحيوان مذكى.
و فيه ان الحديث ضعيف سندا مضافا الى النقاش المذكور في كلام سيدنا الاستاد على ما في التقرير بالنسبة الى الدلالة و حيث ان السند ضعيف لا تصل النوبة الى ملاحظة دلالته و ملخص ما أفاده في المقام ان الحصر المذكور في الحديث اضافي فان السائل ذكر انه كان يباشر جلود الميتة و بعد ذلك كان يباشر جلود المذكى و الامام(عليه السلام)في هذا المقام يبين الحكم و الذي يدل على أنه(عليه السلام)في مقام الحصر الاضافي انه ذكر عنوان الوحش في كلامه و الحال انه لا دخل للوحش في ترتب الحكم كما هو ظاهر فلاحظ.
ثم انه نقل عن صاحب الحدائق انه تعجب عن الاصحاب حيث انهم قائلون بحرمة اللحم عند الشك في التذكية بالاستصحاب مع انهم قائلون بعدم جريان الاصل مع وجود الدليل و الدليل على الحلية
[1]الوسائل الباب 34 من ابواب النجاسات الحديث 4.