و الموضوعي على نحو الطريقية.
ان قلت: كيف يمكن اعتبار مواردها علما مع أخذ الشك في موضوعها لاحظ قوله(عليه السلام)«لا تنقض اليقين بالشك» و بعبارة اخرى لا يمكن الجمع بين الشك و اليقين. قلت: التنافي بين اليقين الوجداني و الشك الوجداني و اما بين الشك الوجداني و العلم التعبدي فلا تنافي و ان فتح باب الاشكال المذكور ينسد باب الحكومة الظاهرية فان قوام الحكومة الظاهرية بالشك و جعل موردها علما مضافا الى أنه لو تم هذا الاشكال لا يمكن قيام الامارات مقام القطع اذ الامارة متقومة بالشك غاية الامران الشك مأخوذ في لسان الدليل في الاصول و الشك مأخوذ بحكم العقل في الامارات توضيح المدعى ان الاهمال غير معقول في الواقع و عليه نقول الامارة كقول العادل مثلا اما طريق و علم للعالم بمفادها و اما حجة للعالم بالخلاف و اما حجة للشاك لا سبيل الى الاول و الثاني فيكون الامر منحصرا في الثالث
ان قلت: على هذا فلا فرق بين الاصول و الامارات و لا وجه لتقدم الامارات على الاصول و الحال ان المسلم عندهم تقدم الامارات على الاصول.
قلت: الوجه في التقدم ان ادلة الامارات حاكمة على ادلة الاصول و ناظرة الى موضوعها، و بعبارة واضحة: ان المأخوذ في موضوع الاستصحاب الشك و مع وجود الامارة لا مجال للشك و ان شئت قلت مفاد الامارة يتصرف في موضوع الاصل و يرفعه مضافا الى أنه لو لم يقدم دليل الامارة على الاصل يلزم أن يكون جعل الامارة لغوا مثلا لو لم تكن الامارة مقدمة على الاستصحاب لا يبقى مجال لقول العادل فان العادل لو اخبر بوجوب صلاة الجمعة يكون مفاد الاستصحاب عدمه و ايضا لو كان مفاد الامارة حرمة شرب التتن يكون مقتضى
الاستصحاب عدم الحرمة و هكذا، فلا اشكال في تقدم الامارة على الاصل، فالنتيجة انه لا مانع عن قيام الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي و الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقية ثبوتا فلو تم الدليل في مقام الاثبات نلتزم بقيامها مقامه، فتحصل ان مقتضى القاعدة الاولية قيام الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي و المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية، نعم لو استلزم قيامها مقام القطع الطريقي المأخوذ في الموضوع محذورا نلتزم بعدم قيامها مقامه مثلا لو قلنا ان المستفاد من ادلة احكام الشكوك في ركعات الصلاة ان القطع بالركعتين الاولتين في الصلوات الرباعية و القطع بركعات المغرب و الصبح مأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية لا يمكن الالتزام بقيام الاستصحاب مقامه و إلّا يلزم كون اخذ القطع مأخوذا في الموضوع لغوا لان مقتضى استصحاب عدم الركعة المشكوك فيها احراز ان المأتي به متيقنا مثلا لو شك المصلي في أن ما بيده الاولى أو الثانية يكون مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بالثانية فيكون المأتي به ركعة واحدة فلا تصل النوبة الى القطع فاخذه في الموضوع لغو.
و أما الاصول غير المحرزة اي البراءة و الاشتغال عقلا و شرعا فلا مجال لقيامها مقام القطع فانها وظائف للجاهل و بعبارة اخرى قد فرض في موضوعها كون المكلف جاهلا بالواقع فلا يحتاج المدعى الى تطويل البحث، و يمكن أن يستدل عليه بأن كل تنزيل يحتاج الى امور ثلاثة: المنزل و المنزل عليه و وجه التنزيل مثلا جعل في الشريعة الفقاع منزلة الخمر فنقول الفقاع منزّل و الخمر منزل عليه و وجه التنزيل الحرمة، و أما في المقام فالاركان غير تامة اذ الاحتياط
العقلي عبارة عن تنجز الواقع كالشبهة قبل الفحص و البراءة العقلية عبارة عن التعذير و قس عليهما البراءة الشرعية و الاشتغال الشرعي فالبراءة عبارة عن التعذير و الاشتغال عبارة عن التنجيز و المفروض ان أثر القطع التنجز أو التعذر فلا بد في التنزيل أن يكون بلحاظهما و أما نفس التنجز و التعذر فلا مجال لقيامهما، و على الجملة احد الاركان الثلاثة مفقود في المقام فلا يتحقق ما يتقوم بالاركان فلاحظ.
ايقاظ: ان صاحب الكفاية بعد ما بنى على عدم امكان قيام الامارة و الاصول مقام القطع الموضوعي لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالى، أفاد ان الدليل الدال على قيام الامارة مقام القطع الطريقى يدل بالملازمة العرفية على قيامها مقام القطع الموضوعي فان الدليل المتعرض لقيام الامارة و الاصول مقام القطع الطريقى متعرض لجعل المؤدّى منزلة الواقع و بالملازمة العرفية يدل على ان القطع بالمؤدّى يكون بمنزلة القطع بالواقع و عليه نقول اذا كان الموضوع مركبا من الواقع و القطع به تقوم الامارة و الاصول المحرزة مقامه، بالتقريب المذكور و لكن عدل عن هذا الرأي و قال هذا التقريب دوري فلا يمكن الالتزام به بيانه: ان كل موضوع مركب لا بد في ترتيب الاثر عليه من احراز الجزءين الدخيلين في الموضوع اما بالوجدان أو احدهما بالوجدان و الآخر بالتعبد و اما كليهما بالتعبد بأن يشمل الدليل كلا الجزءين في عرض واحد، و أما اذا لم يشمل الدليل كلا الجزءين في عرض واحد كما في المقام لما مرّ من لزوم محذور الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالى فلا يكون الدليل شاملا لتنزيل كلا الجزءين اذ يلزم الدور فان المفروض ان احد التنزيلين في طول التنزيل الآخر فشمول الدليل للتنزيل الاول متوقف على شموله للتنزيل الثاني اذ بدونه لا يتم الامر و الحال ان التنزيل الثاني يتوقف
على شمول الدليل للتنزيل الاول و هذا دور صريح.
نعم اذا ورد دليل في خصوص مقام بحيث لو لم يشمل كلا التنزيلين تلزم اللغوية نلتزم بشمول الدليل لكلا التنزيلين بدليل الاقتضاء و أما لو لم يكن الامر كذلك بل كان الدليل عاما أو مطلقا لها مصاديق كما ان الامر كذلك في المقام فلا وجه للالتزام بشمول الدليل لتنزيل كلا الجزءين الا بالتقريب الدوري و بعبارة واضحة: التنزيل بلحاظ قيام الامارات و الاصول المحرزة مقام القطع الطريقي لا يستلزم التنزيل بلحاظ القطع الموضوعي و بعبارة اخرى: لا مجال للاخذ بدليل الاقتضاء فان التنزيل بلحاظ القيام مقام القطع الطريقى له مصاديق كثيرة كما هو واضح فلاحظ.
بقي شيء: و هو انه ان قلنا بأن المجعول في باب الامارات و الاصول المحرزة الحكم الطريقى الظاهري فهل يكون مجال لقيام الامارات و الاصول مقام القطع الطريقى أو الموضوعي أم لا؟
الظاهر هو الثاني فان المفروض ان المجعول من قبل المولى الحكم لا الطريقية و الكاشفية كى تقوم مقام القطع الذي هو طريق بالذات و لكن الظاهر ان النتيجة تظهر فيما يكون القطع موضوعا و أما في القطع الطريقي فلا نتيجة و لا فرق بين القولين اذ في القطع الطريقي يتنجز الواقع أو يكون العبد معذورا و الحكم المجعول من قبل الشرع ينتج هذه النتيجة ايضا اذ على تقدير الموافقة يكون الحكم الواقعي منجزا و على تقدير المخالفة يكون الحكم الطريقي معذرا و أما ان كان القطع جعل موضوعا لحكم من الاحكام فلا وجه لقيام الامارة و الاصل المحرز مقامه فلاحظ.
ثم ان صاحب الكفاية تعرض لجعل العلم بالحكم موضوعا لنفس ذلك الحكم أو لضده أو لمثله، فنقول لا اشكال في عدم امكان العلم
بالحكم موضوعا لنفس ذلك الحكم للزوم الدور فان العلم بالحكم متوقف على وجود الحكم و متأخر عنه و يتوقف على وجوده و الحال انه فرض ان تحقق الحكم متوقف على العلم به و هذا دور و محال، و ان شئت قلت: كل شرط من شروط الحكم في رتبة علل ذلك الحكم فكيف يجوز أن يكون ما هو مقدم في الرتبة متأخرا فالنتيجة انه لا يمكن اخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم و أما اخذ العلم بالحكم في موضوع ضده كما لو قال المولى «اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تحرم عليك صلاة الجمعة» فربما يقال بجوازه لاختلاف المتعلق و عدم اتحاده اذ الوجوب تعلق بالصلاة و الحرمة تعلقت بالصلاة بقيد كونها واجبة فمتعلق الوجوب مطلق و متعلق الحرمة مقيد نعم لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال اذ الانبعاث نحو عمل و الانزجار عنه في آن واحد غير ممكن.
و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن اجتماع الضدين لازم للقول المذكور فان الحرمة و ان كان مقيدة بصورة العلم بالوجوب لكن الوجوب مطلق و موجود في كلا الحالين فيلزم أن تكون الصلاة في حال العلم بوجوبها حراما فالصلاة واجبة و محرمة في زمان واحد فيلزم اجتماع الضدين.
و يرد عليه: ان الاحكام الشرعية امور اعتبارية و لا تضاد بينها و عليه لا مجال لهذا الاشكال و لكن مع ذلك لا يمكن أن يكون فعل واحد حراما و واجبا في زمان واحد و ذلك لتحقق المحذور في المبدأ و المنتهى أما في المبدا فللزوم اجتماع الضدين اي اجتماع الحب و البغض في نفس المولى و أما في المنتهى فلانه لا يمكن للعبد الجمع بين الوجود و العدم و الحال ان مقتضى وجوب الامتثال الاتيان بالعمل و مقتضى وجوب الانزجار تركه و لا يعقل أن يجمع بين الفعل و الترك،
و أما اخذ القطع بالحكم في موضوع مثل ذلك الحكم فربما يقال بأنه يستلزم اجتماع المثلين و اجتماعهما محال كاجتماع الضدين و الحق انه لا محذور فيه و السر فيه انه في مورد اجتماع الملاكين يتأكد الشوق من قبل المولى و يتأكد الحكم المولوي ايضا و لذا لو كان بين عنوانين عموم من وجه كالعالم و الهاشمي و ثبت وجوب اكرام كل من الفريقين بدليل كما لو قال المولى «اكرم كل عالم» و قال في دليل آخر «اكرم كل هاشمي» يكون وجوب اكرام العالم الهاشمي آكد من وجوب اكرام العالم غير الهاشمي و الهاشمي غير العالم فلو قال المولى اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك صلاة الجمعة لا يترتب عليه محذور اذ ربما لا يقطع المكلف بوجوبها و تكون واجبة عليه بالوجوب الاولي و اخرى يقطع بالوجوب و لا وجوب في الواقع فتجب بهذا العنوان و ثالثة تكون الصلاة واجبة و المكلف يقطع بوجوبها ففي هذه الصورة يتأكد الوجوب فلا اجتماع للمثلين مضافا الى أنه قد ذكرنا آنفا انه لا مجال للاجتماع بين الضدين أو المثلين في الاحكام فانها امور اعتبارية و لا مانع عن اجتماع أحكام عديدة في موضوع واحد و انما الاشكال على تقدير حدوثه اما في المبدا و اما في المنتهى و اما في كليهما فلاحظ.
ثم انه هل يمكن اخذ العلم ببعض مراتب الحكم موضوعا لبعض مراتبه ام لا، و لا بد من بيان مراتب الحكم كى يعلم و يتضح الحال:
فنقول يمكن أن تجعل للحكم مراتب: المرتبة الاولى، مرتبة الاقتضاء فان في الخمر مثلا ملاك الحرمة و لا مانع من أن يأخذ المولى العلم بهذه المرتبة موضوعا لتحريم الخمر أو لحليته و لا محذور فيه ثبوتا.
المرتبة الثانية: مرتبة الشوق و الانزجار و البغض فان المولى
بعد علمه بالملاك ربما يشتاق الى الفعل كما يشتاق الى أن المكلف يصلي، أو ينزجر عن الفعل كما ينزجر عن الافعال القبيحة أو فقل يبغض ارتكاب القبيح و لا مانع من جعل العلم بهذه المرتبة موضوعا للحكم و لا يترتب عليه اشكال و لا يلزم محذور الدور و لا محذور اجتماع الضدين و لا اجتماع المثلين.
المرتبة الثالثة: مرتبة الانشاء المولوي و هو الجعل الانشائي و نعبر عنه بالفعلية من قبل المولى و العلم بهذه المرتبة موضوع لحكم العقل بالتنجز الذي نعبّر عنه بالمرتبة الرابعة للحكم، هذا تمام الكلام في جعل العلم بالحكم موضوعا للحكم و قد عرفت ما هو الحق فيه.
و أما جعل الظن بالحكم موضوعا للحكم فله أقسام:القسم الاول:أن يكون الظن بحكم موضوعا لحكم آخر و يكون الظن تمام الموضوع كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك التصدق» و لا اشكال في امكان هذا القسم بلا ترتب اشكال عليه فاذا ظن المكلف بوجوب صلاة الجمعة يجب عليه التصدق.
القسم الثاني:عين القسم الاول و لكن يكون الظن جزءا للموضوع و الجزء الآخر هو الواقع فان كان الظن ظنا معتبرا يترتب عليه الحكم بلا حالة منتظرة لتمامية الموضوع بكلا جزئيه احد جزئيه بالوجدان و الجزء الآخر بالتعبد و ان كان ظنا غير معتبر لا يترتب عليه الحكم الا في ظرف احراز الواقع بدليل معتبر من امارة او أصل.
القسم الثالث:ان يؤخذ الظن بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم كما لو قال المولى اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك الدعاء عنده و هذا القسم غير معقول للزوم الدور فان ترتب الحكم المجعول متوقف على الظن بالحكم و الحال ان الظن
بالحكم يتوقف على ثبوت ذلك الحكم و بعبارة اخرى لا فرق بين القطع و الظن من هذه الجهة.
القسم الرابع:أن يجعل الظن بحكم موضوعا لحكم يضاده كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يحرم عليك الدعاء» و هذا القسم أمر غير ممكن اذ مرجعه الى الظن بأن المولى يجعل الوجوب و الحرمة لموضوع واحد في زمان واحد و الحال انه مقطوع الخلاف فلا يحتمل فكيف أن يظن به.
القسم الخامس:ان يجعل الظن بحكم موضوعا لحكم مثله كما لو قال المولى «اذا ظننت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك صلاة الجمعة» و هذا القسم لا مانع منه في مقام الثبوت فان غايته التأكد كما كان كذلك في جعل القطع بحكم موضوعا لمثله.
فصل: [في الموافقة الالتزامية]
وقع الكلام بين القوم في وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه، و لتوضيح المدعى قالوا لا اشكال في وجوب تصديق النبي(صلى اللّه عليه و آله و سلم)في كل ما جاء به من الاحكام الالزامية و غير الالزامية بل يجب تصديقه في كل ما اخبر به من الامور التكوينية من العلوية و السفلية من المتقدمة و المتأخرة من الدنيوية و الاخروية و لا يرتبط بهذا البحث فان تصديق النبي من اصول الدين و كلامنا في المقام في فروع الدين و ايضا لا يرتبط البحث في المقام بان الواجب في الواجبات التعبدية الاتيان بالواجب قربة الى اللّه فان قصد القربة وجوبه مختص بالتعبديات و البحث في المقام عبارة عن أن كل واجب ينحل الى وجوبين وجوب الاتيان بمتعلقه و وجوب عقد القلب بأن الامر الفلاني واجب.