الضرر الشخصي ففي كل مورد يتحقق الضرر يترتب عليه حكمه و اذا لم يتحقق لا يترتب الحكم و لذا يمكن ان شخصا واحدا في يوم السبت يكون الوضوء بالنسبة اليه ضرريا و يرتفع وجوبه بالقاعدة و في يوم الاحد لا يكون كذلك فلاحظ.
الامر الثالث: [ان حديث لا ضرر قد خصص بتخصيصات كثيرة ..]
انه ربما يقال كما عن الشيخ الانصاري(قدس سره)ان حديث لا ضرر قد خصص بتخصيصات كثيرة بحيث يدخل المقام في باب تخصيص الاكثر المستهجن فان باب الضمانات و الديات و القصاص و الخمس و الزكاة و الحج و الجهاد و الحدود و التعزيرات ضرري و ثابت في الشريعة فلا بد من حمل الحديث على ما لا يترتب عليه المحذور المذكور فيكون الحديث مجملا.
و قال سيدنا الاستاد(قدس سره)ان حديث لا ضرر لا يكون ناظرا الى موارد الاحكام الضررية التي ذكرت بل ناظر الى ادلة الاحكام التي باطلاقها أو عمومها شاملة لموارد الضرر فلم يخصص.
و ما افاده يعد من غرائب الكلام فانه دعوى بلا دليل اذ مقتضى الصناعة و الظهور العرفي الذي يكون مرجعا في فهم المرادات ان الحديث ناظر الى جميع الاحكام الضررية الواردة في الشريعة و لذا يكون المشهور بين القوم ان القاعدة قد خصصت بالموارد المذكورة التي يكون الضرر متحققا في مواردها و صفوة القول: ان ما أفاده سيدنا الاستاد لا يرجع الى محصل صحيح بل صرف ادعاء.
و الحق ان يقال ان دعوى التخصيص الاكثر المستهجن ايضا دعوى باطلة فان جميع الاحكام الشرعية من واجبها و حرامها مستحبها و مكروهها و مباحها مرفوعة عند الضرر الا ما ثبت في مورد الضرر فان الصوم الضرري غير مجعول و جملة من اعمال الحج
اذا كانت ضررية مرفوعة و تصل النوبة الى النيابة و كذلك في باب الصلاة مع انها أهم الواجبات و تصل النوبة فيها عند الضرر الى الابدال الاضطرارية و هكذا الوضوء و الغسل و ايضا جميع المحرمات الالهية ترفع حرمتها عند الضرر و هكذا و هكذا فاين يلزم التخصيص الاكثر.
الامر الرابع: [ان النسبة بين دليل لا ضرر و بقية الاحكام عموم من وجه]
ان النسبة بين دليل لا ضرر و بقية الاحكام عموم من وجه مثلا قاعدة لا ضرر تنفي الوضوء الضرري و الصوم الضرري الى بقية الاحكام الضررية و دليل وجوب الوضوء يشمل الوضوء غير الضرري و الوضوء الضرري فلكل من الدليلين مادة الافتراق و مادة الاجتماع الوضوء الضرري فيقع التعارض بين القاعدة و دليل وجوب الوضوء فما الوجه في تقديم لا ضرر و لم لا يكون الامر بالعكس.
أقول الظهورات العرفية حجة و قاعدة لا ضرر في نظر العرف تكون ناظرة الى ادلة الاحكام و مفسرة لها و من الظاهر ان دليل المحكوم لا يعارض دليل الحاكم و بعبارة واضحة: لا يرى العرف تنافيا بين الدليلين مضافا الى أنه لا بد من تقديم دليل لا ضرر على ادلة الاحكام اذ لو قدم دليل لا ضرر على دليل وجوب الوضوء مثلا يبقى لدليل الوضوء المورد و هو الوضوء غير الضرري و أما اذا قدم دليل الوضوء يخرج الوضوء الضرري عن تحت القاعدة و كذلك الغسل الضرري و كذلك بقية الموضوعات و المتعلقات الضررية فيصبح دليل القاعدة لغوا بلا مورد و هذا بنفسه من المرجحات في باب التعارض و لذا يقدم دليل طهارة بول الطائر على دليل نجاسة بول ما يحرم اكله و نلتزم بطهارة بول كل طاير و لو كان محرم الاكل كالغراب مع كون النسبة عموما من وجه و الوجه فيه ما ذكرنا فانه لو قدم دليل طهارة بول الطائر يبقى للدليل الآخر موارد كثيرة كبول السباع مثلا و أما لو عكس فلا يبقى
لدليل طهارة بول الطائر مورد أصلا اذ الطائر الذي يكون محلل الأكل يكون بوله طاهرا بلحاظ حلية اكله و أما خصوصية الطيران فتلغو فلاحظ.
الامر الخامس: [في تعارض ضررين]
في تعارض ضررين و مسائله ثلاثة المسألةالاولى:ما لو دار أمر المكلف بين ضررين بحيث يلزم الوقوع في احدهما و صورها ثلاثة الصورة الاولى: ما لو دار الامر بين الوقوع في احد الضررين مباحين و لا اشكال في التخيير في هذه الصورة نعم يمكن أن يقال انه لو كان احدهما اكثر أو اشد يلزم اختيار الاقل اذ قد تقدم ان القاعدة كما انها ترفع الاحكام الضررية كذلك ترفع الاحكام الترخيصية الضررية فلا بد من اختيار الاقل فلاحظ. و بعبارة اخرى:
على القول بشمول القاعدة للاحكام الترخيصية لا يتصور ضرر مباح بل كل حكم ضرري يرتفع فلا بد من اختيار ما يكون اقل محذورا.
الصورة الثانية: ما لو دار الامر بين الضرر المباح و الضرر الحرام كما لو دار الامر بين تلف النفس و تلف المال و لا اشكال في لزوم اختيار تلف المال و الاجتناب عن تلف النفس و الوجه فيه ظاهر و مما ذكر في الصورة الاولى ظهر انه لا يتصور مورد يكون الضرر مباحا بل الامر يدور بين الضررين المحرمين فلا بد من ملاحظة ما يكون اقل كالصورة الاولى.
الصورة الثالثة ما لو دار الامر بين ضررين محرمين و يقع المقام في باب التزاحم و لا بد من اعمال قانونه.
المسألة الثانية:ما لو دار الضرر بين شخصين و مثل له بما لو دخل رأس دابة شخص في قدر غيره و التخلص يتوقف على احد الامرين هما قطع رأس الدابة و كسر القدر و صوره ثلاثة الصورة
الاولى: أن يستند الامر الى احد المالكين و في هذه الصورة يجب على المرتكب أن يورد الضرر بنفسه و يخلص مال الغير و يرده اليه لانه ضامن.
الصورة الثانية: أن يكون بفعل ثالث و في هذه الصورة يتخير الثالث في اتلاف ايهما شاء فانه ضامن لكلا المالكين و لا يمكن ايصال المملوكين الى مالكيهما على الفرض فيكون مخيرا إلّا أن يكون احدهما اكثر و يدخل في باب الاسراف فلا بد من اختيار الاقل.
الصورة الثالثة: ما لو كان السبب من الاسباب التكوينية و في هذه الصورة اذا تصالح المالكان بنحو بينهما فهو فان الاختيار مفوض اليهما و إلّا يرجع الامر الى الحاكم الشرعي فان الامور الحسبية راجعة اليه و هو يختار اقل ضررا و يوزّع الخسارة عليهما من باب العدل و الانصاف و يؤيد المدعى ما رواه السكوني عن الصادق عن ابيه(عليهما السلام)في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها قال: يعطى صاحب الدينارين دينارا و يقسم الآخر بينهما نصفين[1]و الحديث ضعيف سندا و لكن يكون مؤيدا للمدعى.
المسألة الثالثة:ما اذا دار الامر بين تضرر شخص و الإضرار بالغير و للمسألة صور الصورة الاولى: أن يتصرف شخص في ملكه و غرضه من التصرف في ملكه الإضرار بجاره كما لو حفر بئرا في داره ليتضرر جاره به و لا اثر للحافر و في هذه الصورة لا اشكال في حرمة الحفر المذكور فان الإضرار بالغير حرام بلا اشكال و لا كلام.
الصورة الثانية: أن لا يكون غرضه من الحفر الإضرار بالغير
[1]الوسائل الباب 12 من ابواب الصلح.
لكن الجار يتضرر بالحفر المذكور و لا اثر للحافر و هذه الصورة كالصورة الاولى في حرمة الحفر و الإضرار.
الصورة الثالثة: أن يكون في ترك الحفر فقدان منفعة للحافر أو يكون موجبا للضرر عليه ففي مفروض الكلام يكون جواز التصرف ضرريا بالنسبة الى الجار كما ان حرمته ضررية بالنسبة الى الحافر فلا مجال للاخذ بحديث لا ضرر لا يقال اذا لم يتضرر الحافر من عدم الحفر بل مجرد عدم نفع بالنسبة اليه كيف يؤخذ بدليل لا ضرر فانه يقال ان حرمة الحفر ضررية بمعنى انه يحرم عن التصرف في سلطانه و لكن الانصاف انه يشكل شمول دليل لا ضرر مثله اذ المفروض عدم الضرر و اما مجرد محروميته عن التصرف في سلطانه فهي قدر مشترك بين هذه الصورة و الصورة الثانية فالاولى ان يقال لا يجوز له الحفر في هذه الصورة إلّا أن يكون عدم الحفر له حرجيا فيقع التعارض بين قاعدتي الحرج و الضرر فتصل النوبة الى الاصل العملي و مقتضاه الجواز.
و لما انجر الكلام الى هنا اقول: و في المقام شبهة سارية في جملة من الموارد و هي: انه لو وقع التعارض بين الآية و الرواية بالعموم من وجه يكون مقتضى القاعدة رفع اليد عن الرواية و الاخذ بالآية و ذلك لدلالة جملة من النصوص ان ما خالف القرآن باطل و زخرف و لم نقله لاحظ حديثي جميل و هشام. الوسائل الباب: 9 من أبواب صفات القاضي الحديث: 35 و 15 و غيرهما من الروايات الواردة في الباب المشار اليه فان مقتضاها عدم اعتبار الخبر المخالف مع القرآن هذا من ناحية و من ناحية اخرى التباين الجزئي يعد من المخالف اذ لا يمكن الجمع بين المتعارضين فاما لا بد من ترجيح احد الطرفين أو رفع اليد عن كلا الدليلين و مقتضى الروايات الواردة
لزوم رفع اليد عن الخبر المخالف ففي المقام لا بد من ترجيح دليل نفي الحرج اذ نفي الحرج يستفاد من قوله تعالى:«ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ»المائدة/ 6 و قوله تعالى:«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ». البقرة/ 185. و على هذا الاساس ففي كل مورد يقع التعارض بين الكتاب و السنة بالعموم من وجه لا بد من رفع اليد عن السنة و الاخذ بالكتاب فلاحظ و اغتنم.
هذا بالنسبة الى الحكم التكليفي و أما من حيث الحكم الوضعي فيكون الحافر ضامنا لاتلافه مال الغير على الفرض فلاحظ.
الامر السادس: [قاعدة لا ضرر مع الاحكام العدمية]
أن قاعدة لا ضرر هل تكون حاكمة على الاحكام العدمية كما انها حاكمة على الاحكام الوجودية ام مختص حكومتها على الاحكام الوجودية فلو لم ينفق الزوج على زوجته فهل يمكن اثبات جواز طلاق الزوجة بقاعدة لا ضرر أم لا قد ذكر لعدم حكومتها على الاحكام العدمية وجهان احدهما: ان حديث لا ضرر ناظر الى الاحكام الشرعية و يقيدها بصورة عدم الضرر و عدم الضرر و عدم الحكم ليس حكما و أورد على هذا الوجه سيدنا الاستاد(قدس سره)بأن عدم جعل الحكم في المورد القابل للجعل عبارة عن الحكم بالعدم فمثل المرأة المذكورة في المقام لا يجوز لها أن تطلق نفسها و حيث انه ضرري يرتفع بالحديث و نفي النفي اثبات و النتيجة انه يمكن و يجوز طلاقها ثانيهما: ان حديث لا ضرر ناظر الى الضرر الناشئ من الحكم الشرعي و بعبارة اخرى: كل حكم شرعي يترتب عليه الضرر يرفعه الحديث و أما الضرر الخارجي غير المرتبط بالشارع فلا يشمله الدليل اذ الحديث لا يكون في مقام جبران الضرر الواقع على المكلف و المفروض ان الضرر وارد على المرأة من زوجها.
و الأحسن في مقام رد الاستدلال ان يقال ان جملة من الاحكام
مخصصة للقاعدة و من تلك الاحكام جعل الشارع الطلاق بيد الزوج و من الظاهر ان كل حكم مجعول في مورد الضرر لا يرتفع بالحديث فان ادلة تلك الاحكام نسبتها الى دليل القاعدة نسبة الخاص الى العام و لا بد من تخصيص العام بالخاص و لو لا هذا البيان لا يتم الوجه السابق اذ لو صدق ان منع الشارع عن الطلاق ضرري لا بد من أن يرفع بالقاعدة فلاحظ.
الامر السابع: [لا فرق بين العلم و الجهل في قاعدة لا ضرر]
أن الالفاظ وضعت بازاء المعاني الواقعية و الاحكام مترتبة على موضوعاتها بلا فرق بين العلم و الجهل و عليه كل حكم ضرري يرتفع في الشريعة بلا فرق بين العلم و الجهل و على هذا الاساس قد وقع الاشكال في موردين المورد الاول: خيار الغبن و العيب فان الفقهاء التزموا بالخيار في صورتي جهل المكلف بالغبن و بالعيب ان قلت: مع العلم بالغبن أو العيب المكلف باختياره قد اقدم على الضرر فلا يشمله دليل نفي الضرر قلت اذا كان الموضوع تاما يترتب عليه حكمه بلا فرق بين علم المكلف و عدمه و بعبارة واضحة: بمقتضى حديث لا ضرر كل حكم ضرري مرتفع في الشريعة فلا وجه للتفصيل.
و أجاب سيدنا الاستاد عن الاشكال بأن الخيار في مورد الغبن ليس من باب الضرر بل من باب الاشتراط الضمني الارتكازي و معلوم ان الاشتراط الارتكازي فيما يكون الشارط جاهلا بالغبن و إلّا فمع العلم لا يشترط و أما في مورد خيار العيب فان كان المنشأ للخيار الاشتراط الارتكازي فالامر فيه كما في خيار الغبن و اما ان كان المنشأ للخيار الاخبار كما هو كذلك فان المستفاد منها اختصاص الخيار بصورة الجهل بالعيب هذا ملخص ما افاده الاستاد.
و لكن الحق ان يقال ان الحكم بالصحة ضرري بمقتضى القاعدة
و لا بد أن لا يكون العقد صحيحا و لكن مع العلم بالضرر هل يمكن القول بالفساد مع كون الناس مسلطون على اموالهم مضافا الى أنه يلزم أن يكون جملة كثيرة من التصرفات في الاموال ممنوعة و هو كما ترى.
المورد الثاني: ما لو كان الوضوء ضرريا و المكلف لا يعلم بالضرر فقالوا بأن الوضوء صحيح مع ان مقتضى القاعدة عدم صحته لان المفروض ان الوضوء ضرري و من ناحية اخرى دليل لا ضرر يرفع الحكم الضرري فلا يكون الوضوء الضرري مشروعا.
و الحق أن يقال انه لا وجه للصحة بلا فرق بين كون الإضرار بالنفس حراما أو حلالا فان مقتضى قاعدة لا ضرر عدم جعل الوضوء الضرري فلا مقتضي للصحة إلّا أن يقوم اجماع تعبدي على الصحة.
و أما ما في كلام سيدنا الاستاد(قدس سره)من أن القاعدة قاعدة امتنانية و عدم الصحة خلاف الامتنان فمدفوع اولا بأنه لا دليل على كون القاعدة امتنانية و انه مجرد دعوى بلا دليل و ثانيا يلزم ان شمول الدليل و عدمه يدوران مدار ميل المكلف و عدمه بأن نقول في كل مورد يشتاق المكلف بالشمول يشمل و في كل مورد لا يريد و لا يميل لا يشمل و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم الفاسد.
هذا تمام الكلام في قاعدة لا ضرر و الحمد للّه اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و اللعن الدائم على اعدائهم من الآن الى يوم لقاء اللّه و قد وقع الفراغ من كتابة الجزء الثاني من كتابنا المسمى ب «آرائنا» و على اللّه التوكل و التكلان.