فكيف يكون البحث عن القطع استطراديا فانه جمع بين المتنافيين و بعبارة اخرى على هذا يكون البحث عن القطع بحثا عن المسألة الاصولية.
و ثانيا: ان ما أفاده من ان ما صنعه صاحب الكفاية من جعل الاقسام ثنائيا يستلزم أن لا يبقى مجال للبحث عن الامارات و الاصول الشرعية غريب لان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي و الظاهري فيدخل في هذا القسم مباحث القطع و الامارات و الاصول الشرعية لان القطع اما يتعلق بالحكم الواقعي و اما يتعلق بالحكم الظاهري و على الثاني تارة يكون الحكم الظاهرى المتعلق للقطع مفاد الامارة و اخرى يكون متعلقه مفاد الاصل و لا يكاد ينقضي تعجبي كيف أورد عليه بهذا الايراد الذي يكون عدم وروده أوضح من ان يخفى، سيما عن سيدنا الاستاد الذي اشتهر في الآفاق و يشار اليه بالبنان و لكن العصمة مخصوصة باهلها و لعله دام ظله ناظر الى نكتة لم افهمها و انا معترف بقصوري و قلة بضاعتي.
و يرد عليه ثالثا: ان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي فيبحث في هذا الفصل عن القطع و عن الامارات و الاصول الشرعية و بعبارة اخرى: يبحث عن الطريق الوجداني و التعبدي و عن الوظيفة المقررة و لا يلزم من كلام صاحب الكفاية الجمع بين العلم بالحكم الواقعي و عدمه بل لازم كلامه أن يبحث عن القطع المتعلق بالحكم غاية الامر تارة يتعلق القطع بالحكم الواقعي فلا مجال للظاهري و اخرى يكون الواقع مجهولا و متعلق القطع حكم ظاهري فالمرتبة محفوظة بلا اشكال، و أما ما أفاده من أن مراد الشيخ من الظن الامارات و من الشك الاصول فهذا خلاف الظاهر، و الميزان في الافادة و الاستفادة الظهورات العرفية و لكن الذي يهون الخطب ان
هذا البحث لا يترتب عليه اثر عملي و لذا لا يناسب الاطالة فانها بلا طائل.
فصل: [العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع]
قد ذكر صاحب الكفاية في المقام امورا:الاول:ان العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع و يستحق المكلف العقاب على مخالفته و بعبارة اخرى بعد كونه كاشفا عن الواقع لو تعلق القطع بحكم الزامي يرى العقل جواز العقاب على مخالفته فيلزم المكلف بالاطاعة بمقتضى قاعدة دفع الضرر المحتمل.
و الظاهر ان ما أفاده تام غير قابل للانكار فانه من الواضحات الاولية أي كون القطع كاشفا من الواضحات فاذا حصل القطع بالوجوب أو الحرمة العقل يلزم المكلف بالامتثال في الاول و الانزجار في الثاني و يدرك صحة العقوبة على المخالفة و وجه الزامه دفع الضرر المحتمل فلاحظ.
الثاني:ان كاشفية القطع أمر ذاتي للقطع و غير قابلة للجعل التأليفي فان الجعل التأليفي يتوقف على قابلية الانفكاك بين المحمول و الموضوع كعلم زيد و شجاعته و امثالهما و أما المحمولات التي تكون ذاتية لموضوعاتها و غير قابلة للانفكاك فلا يتصور فيها الجعل التأليفي بل الجعل فيها بالعرض و بالتبع أي جعلها تابع لجعل الموضوع و بعبارة واضحة: لا يمكن تعلق الجعل بلوازم الذات الا بالتبع و بالعرض.
الثالث:انه مع القطع بالحكم و كونه كاشفا منجزا لا يمكن المنع عن تأثيره اذ لا يعقل أن لا يكون مؤثرا و بعبارة اخرى لا يمكن سلب الذاتي عن الذات و ان شئت قلت: كما انه لا يمكن الجعل التأليفي في الذاتيات كذلك لا يمكن سلبها.
الرابع:انه في صورة المنع يلزم التناقض واقعا في صورة
الاصابة و اعتقادا في صورة عدم الاصابة و يرد عليه: انه لا يتصور التناقض في الاحكام لان الحكم من مقولة الاعتباريات و من الظاهر ان الاعتبار خفيف المئونة فاذا أمر المولى بشيء و نهى عنه في زمان واحد لا يلزم التناقض نعم هو أمر لا يصدر عن الحكيم لكونه خلاف الحكمة.
الخامس:ان الحكم ما لم يصل الى مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يصل الى مرحلة التنجّز و لا يوجب مخالفته العقاب و ان كان ربما توجب موافقته ترتب الثواب و كان الحكم في الفرض المذكور مما سكت اللّه عنه كما في الخبر[1].
و الحق أن يقال ان الحكم تارة يكون فعليا و لا يكون منجزا اذا كان المكلّف معذورا كما لو فحص و لم يجد دليلا عليه و تمت في حقه اصالة الاباحة و بعبارة واضحة: ان المولى اذا تمت عنده مقدمات الحكم يعتبر الفعل في ذمة المكلّف و يحكم بعد هذه المرحلة و اذا لم يكن المكلّف معذورا يصير ذلك الحكم منجزا في حقه و إلّا فلا، لكن مع عدم كونه منجزا يكون فعليا و واصلا الى مرحلة البعث و الزجر و لذا يكون الاحتياط حسنا و لا يكون مخالفته موجبا للعقاب كما أفاد صاحب الكفاية و أما الثواب فدائمي فان الاتيان بما يحتمل كونه محبوبا للمولى و مأمورا به من قبله يوجب استحقاق الثواب لكونه عبدا منقادا و مستحقا للمثوبة و استحقاقه لها يكون دائميا لا احيانا فالتعبير بقوله «ربما» لا يكون في محله و أما الاشكال المشهور في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري فنتعرض له و لجوابه في محله إن شاء اللّه تعالى فانتظر.
الكلام فى التجرى:
يقع الكلام في التجري من جهات:
[1]الوسائل الباب 12 من أبواب صفات القاضى الحديث: 12.
الجهة الاولى: في أن التجري لا يختص بخصوص القطع المخالف بل يعم بقية الطرق و الامارات التعبدية اذ لا وجه للاختصاص بل الحق شموله لكل حكم ظاهري بل يعم كل منجز و لو لم يكن حكما كالشبهة قبل الفحص، فالميزان تحقق المنجز و انما يذكر خصوص القطع لكونه أظهر مصاديق المنجّز.
ان قلت: لا مجال للتجري في باب الامارات و الاصول العملية فان التجري متقوّم بانكشاف الخلاف و لا يتصور في موارد الامارات و الاصول فانه بعد كشف الواقع يتبدل الموضوع و بعبارة اخرى يكون مخالفة الامارة و الاصل عصيانا واقعيا لا تجريا. قلت: هذا البيان انما يتم على القول بالموضوعية و السببية و ان الاحكام مجعولة على طبق الامارات و الاصول و لا واقع في مواردها و الحال ان الامر ليس كذلك بل الاحكام محفوظة في الواقع و لا فرق فيما نقول بين القول بكون مفاد دليل الامارة جعل الطريقية و بين القول بأن مفاده جعل الحكم، أما على الاول فظاهر و أما على الثاني فان الحكم المجعول حكم طريقي اما منجز للواقع و اما معذّر و على كل حال الواقع محفوظ بحاله و إلّا يلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور الباطل عقلا.
الجهة الثانية: ان صاحب الكفاية افاد بأنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة في صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الاصابة على التجري بمخالفته أو استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا؟. الحق انه يوجبه بشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمه على تجريه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان و صحة مثوبته و مدحه
على اقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته الى آخر كلامه.
أقول يقع الكلام في موضعين، الموضع الاول: في أنه هل يتغير حكم الفعل المتجرى به بالقطع بالخلاف أو يبقى حكمه على ما كان فاذا قطع المكلّف بأن المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء هل يحرم ام يبقى على حكمه الواقعي اي الحلية؟.
الموضع الثاني: في أنه على فرض بقاء الفعل المتجرى به على حكمه و عدم تغيره هل يوجب التجري استحقاق العقاب ام لا؟. أما المقام الاول: فيقع الكلام فيه من جهتين: الجهة الاولى: في أنه هل يحرم الفعل بالملاك الواقعي بعد الاعتقاد المتعلق به فان المكلف اذا اعتقد ان المائع الفلاني خمر فهل يشمله دليل حرمة الخمر أم لا؟
الجهة الثانية: في أنه اذا لم نقل بصيرورته حراما بالملاك الاولي فهل يحرم بالملاك الثانوي و هو التمرد و الطغيان ام لا؟
فنقول: ربما يقال ان الاطلاقات الاولية شاملة لموارد القطع بالخلاف فلو قال المولى يحرم الخمر يشمل ما لو قطع المكلّف ان المائع الفلاني خمر و الحال انه ماء و استدل لاثبات الدعوى بثلاث مقدمات:
المقدمة الاولى: انه لا اشكال في اشتراط التكليف بالقدرة و ما لا يكون مقدورا لا يتعلق به التكليف.
المقدمة الثانية: ان المحرك للانسان بالنسبة الى العمل قطعه و أما كونه مطابقا للواقع و عدمه فهو اجنبي عن المحركية و الزاجرية و لذا نرى انه لو قطع شخص بوجود سبع مفترس يفر و ان كان قطعه مخالفا مع الواقع و مع القطع بالخلاف لا يفر و لو مع وجود السبع في الخارج.
المقدمة الثالثة: ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا للمكلّف فالنتيجة ان التكليف يتعلق بما تعلق به القطع اذ ثبت بالمقدمة الاولى ان التكليف لا يتعلق إلّا بالحصة المقدورة و ثبت بالمقدمة الثانية ان المقطوع اختياري للمكلّف و ثبت بالمقدمة الثالثة ان التكليف الشرعي يتعلق بما يكون اختياريا فالنتيجة ان تعلق التكليف هو الذي تعلق به القطع.
و يرد عليه اولا: انه يلزم تحقق الامتثال بما أمر به المولى كالصلاة في الوقت فلو قطع المكلف بالوقت و صلى يلزم الاجزاء و لو كانت الصلاة واقعة في خارج الوقت واقعا و هل يمكن الالتزام به و بعبارة اخرى: على هذا القول لا فرق في الواجبات و المحرمات أي كما ان المحرمات تتغير بالقطع تتغير الواجبات به و هل يمكن الالتزام به.
و ثانيا: نجيب بالحل و هو ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و لا دخل للقطع و عدمه فيها و التكاليف متعلقة بالعمل و الاختيار طريق الى تحصيله في الخارج و بعبارة واضحة: جميع المكلفين مشتركون في تعلق التكاليف بهم و لا يختص التكليف بالقاطع مضافا الى أن الالتزام بالتقريب المذكور يستلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور المحال. و صفوة القول: ان العمل المقطوع به لو صادف الحكم الواقعي يصح العقاب عليه لو كان عصيانا و يصح الثواب عليه لو كان اطاعة و على كلا التقديرين يكون الفعل اختياريا و بعبارة واضحة: يلزم أن يكون العقاب على الفعل الصادر عن الاختيار و مع القطع بالمصادفة للواقع يصدق انه فعل اختياري.
نعم اذا كان قطعه على الخلاف كما لو شرب مائعا مقطوع الحرمة و الحال انه حلال واقعا فانه ترك الخمر و ترك شرب الحرام و لكن
هذا الترك ترك غير اختياري فاذا لم يعاقبه المولى لعدم شربه المحرم لا يكون فيه محذور اذ المحذور في العقاب على أمر غير اختياري و أما عدم العقاب لعدم العصيان فلا يكون فيه محذور و ان كان عدم العصيان بدون الاختيار فتحصل ان القطع بكون المائع الفلاني خمرا لا يوجب حرمته بعنوان انه خمر، هذا تمام الكلام في الجهة الاولى.
و أما الجهة الثانية: فربما يقال بأن القطع بكون شيء حراما يوجب حرمته بالعنوان الثانوي و ذكر في تقريبه وجوه: الوجه الاول: ان القطع بالمفسدة في شيء يوجب حرمته و كذلك القطع بوجود المصلحة في شيء يوجب وجوبه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد و القطع بالمفسدة يوجبها كما ان القطع بالمصلحة كذلك.
فيه: انه لا دليل على هذا المدعى بل الدليل على خلافه لان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها و المصالح و المفاسد امور واقعية لا دخل للقطع و عدمه في ثبوتها و عدمها. ان قلت:
يمكن التأثير و يحتمل تحقق الملاك في المتعلق بالقطع. قلت:
نفرض امكانه و لكن مجرد الامكان لا يقتضي الحكم على طبقه مضافا الى أن استصحاب العدم يقتضي عدمه فان استصحاب عدم تحقق الملاك يقتضي عدم تحققه كما ان مقتضى استصحاب عدم حدوث الحكم عدم تحقق الحرمة و الوجوب بل مقتضى اطلاق حلية ذلك الشيء بقاء حليته حتى في حال القطع بحرمته إلّا أن يقال انه مع القطع بالحرمة لا مجال لبقاء الحلية لعدم ترتب أثر عليه، اضف الى ذلك ان لازم القول المذكور انه لو قطع المكلف بحرمة شيء و كان حراما واقعا تكون حرمته متضاعفة اذ المفروض كونه حراما في حد نفسه و من ناحية اخرى فرض ان المكلف قطع بحرمته و هل يمكن
الالتزام بهذا اللازم.
الوجه الثاني: ان التجري كاشف عن سوء سريرة العبد و خبث باطنه و هذا يوجب قبح الفعل فاذا كان قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة و انه كلما حكم به العقل حكم به الشرع.
و فيه: ان قبح المنكشف لا يسري الى الكاشف كما ان حسنه لا يسري اليه مضافا الى أن قاعدة الملازمة مخدوشة و لا يمكن الالتزام بها كما اشرنا اليه مرارا.
الوجه الثالث: ان تعلق القطع بقبح فعل يوجب قبحه كما ان القطع بحسن فعل يوجب حسنه فيحكم بحرمته في الاول و وجوبه في الثاني لقاعدة الملازمة بين العقل و الشرع فهنا دعويان: الدعوى الاولى: ان القطع بحرمة شيء يوجب قبح ذلك الفعل. الدعوى الثانية:
انه لو صار قبيحا يكون حراما لقاعدة الملازمة.
أما الدعوى الاولى: فقد اورد فيه ايرادان: الاول: ما افاده بعض و هو انا بالوجدان لا ندرك قبحا في الفعل في مورد التجري كما انه لا ندرك حسنا في الفعل في مورد الانقياد.
و أورد عليه سيدنا الاستاد: بأن خلافه وجداني، و استدل على مدعاه بأنهم قائلون بأن المستفاد من أخبار «من بلغه ثواب» ان الانقياد يوجب المثوبة و من ناحية اخرى ان التجري و الانقياد من واد واحد و بعبارة اخرى الفقهاء قائلون بأنه لا يستفاد من أخبار من بلغ استحباب الفعل بل المستفاد منها الارشاد الى حكم العقل بترتب الثواب على الانقياد و من ناحية اخرى الانقياد في قبال التجري فكما ان الانقياد حسن، يكون التجري قبيحا
و يرد على ما أفاده: بأن العبد اذا قطع بأن فلانا ابن المولى و الحال انه أعدى عدوه و تجرى فقتله، نسأل ان القتل المذكور محبوب