الاعتبار و أما على الثاني فلا اشكال في كون العامل بالشهرة جاهل هذا بالنسبة الى الصغرى و أما الكبرى فنقول لا يستفاد من الآية جواز العمل بلا تبين في كل مورد لا يكون سفهيا فان القضية لا مفهوم لها مثلا لو قال المولى لا تأكل الرمان لانه حامض، يدل كلام المولى بعموم التعليل على حرمة كل حامض و لكن لا يدل على جواز اكل كل ما لا يكون حامضا إلّا ان يعلم من الخارج انحصار علة الحرمة في خصوص الحموضة و في المقام يستفاد من الآية الشريفة ان العمل بقول الفاسق سفاهة أو جهالة و بعموم العلة نفهم ان كل عمل سفهي منهي عنه لكن لا يستفاد من الآية ان العمل اذا لم يكن سفهيا يجوز ارتكابه و ترتيب الاثر عليه بلا تبين اذ ليس للقضية مفهوم.
و بعبارة واضحة: يستفاد من الآية حرمة العمل بلا تبين في مورد الجهل أو كون العمل سفهيا فيمكن ان العمل بلا تبين يكون منهيا عنه و لو مع عدم كونه سفهيا بملاك آخر فلاحظ. فتحصل انه لا دليل على حجية الشهرة الفتوائية و العجب ممن يرى الاستدلال على حجية الاجماع مخدوشا و غير تام و مع ذلك يروم ان الشهرة الفتوائية حجة هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان الاصل الاولي كما تقدم يقتضي عدم حجية ما يشك فى كونه حجة بل قلنا ان الشك في الحجية يساوق العلم بعدمها.
الفصل السابع فى حجية الخبر الواحد و عدمها.
فنقول: لا اشكال و لا كلام في أن هذا البحث من أهم المسائل الاصولية اذ لا طريق الى الوصول الى الاحكام الشرعية إلّا بمقدار لا يفي بما نعلم به اجمالا فلا بد من التوسل الى الخبر الواحد و ان شئت قلت: اذا ثبت اعتبار الخبر الواحد ينفتح باب العلمي و ينسد باب الانسداد و اذا لم يثبت اعتباره ينفتح باب الانسداد اعاذنا اللّه
من ذلك و يقع الكلام في هذا المقام في مواضع:
الموضع الاول: في الوجوه المذكورة لاثبات عدم اعتبار الخبر الواحد:
الوجه الاول: الاجماع المنقول على عدم اعتباره
و فيه:
اولا انه ثبت قريبا عدم حجية الاجماع المنقول و المحصل فلا يكون قابلا للاستدلال به و ثانيا: الاستدلال المذكور يستلزم الخلف اذ الكلام في اعتبار الخبر الواحد فكيف يمكن اثبات عدم اعتباره بالاجماع المنقول بالخبر الواحد فالاستدلال المذكور غير تام.
الوجه الثاني: استصحاب عدم كونه حجة
فان اعتبار الخبر مسبوق بالعدم و مقتضى الاستصحاب عدم جعل الشارع الخبر الواحد حجة.
و يرد عليه: اولا انه ان تم الدليل على اعتباره فلا تصل النوبة الى الاستصحاب كما هو ظاهر و ان لم يتم يكفي لاثبات عدم الاعتبار مجرد الشك فيه فانه قلنا سابقا ان الشك في الحجية مساوق مع القطع بعدمها و ثانيا: كيف يمكن الاستدلال بالاستصحاب و الحال ان اعتبار الاستصحاب يتوقف على اعتبار الخبر الواحد فانه لو لا الخبر الواحد لا يكون دليل على اعتبار الاستصحاب.
الوجه الثالث: الآيات الدالة على المنع عن العمل بالظن
كقوله تعالى«وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»[1]و قوله تعالى«وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»[2]فان الآيات الدالة على النهي عن العمل بالظن تدل على عدم اعتبار الخبر الواحد.
و فيه: اولا ان هذه الآيات ظاهرة بحسب الفهم العرفي في الارشاد الى أن اللازم تحصيل المؤمن و الحجة و لا بد من الاعتماد بركن وثيق في دفع الضرر المحتمل و امكان الابتلاء بالعذاب الالهي فلا يكون مفادها حكما مولويا و نهيا عن العمل بالظن كى يقال انها
[1]الاسراء/ 36.
[2]النجم/ 28.
دالة على عدم اعتبار الخبر الواحد و ببيان واضح ان الآيات المذكورة لا تدل على عدم اعتبار الظن على نحو المولوية بل ليس مفادها إلّا ما يستفاد من العقل من انه يلزم على المكلف الاعتماد بحجة في مقابل احتمال الضرر.
و ثانيا: سلمنا دلالتها على المدعى لكن نقول اذا تم الدليل على اعتبار الخبر الواحد فاما يكون النتيجة كون الخبر علما تعبديا و طريقا جعليا و اما يكون مفاده جعل الحكم، أما على الاول فيلزم كون دليل الامارة و الخبر الواحد حاكما على الآيات اذ المفروض ان الآيات نهت عن العمل بالظن و مفاد دليل الامارة التصرف في الموضوع و جعل الظن الحاصل من الخبر علما تعبديا فطبعا يكون دليل الاعتبار مقدما على الآيات حيث ان دليل الحاكم يقدم عرفا على دليل المحكوم.
و أما على الثاني، فائضا يقدم دليل اعتبار الخبر على الآيات فان المقرر أن الخاص يقدم على العام و بعبارة واضحة: مقتضى الآيات الناهية المنع عن العمل بكل ظن في كل مورد و دليل اعتبار الخبر يقتضي العمل بالظن الحاصل من الخبر الواحد فنسبة دليل الاعتبار الى دليل المنع نسبة الخاص الى العام و لا بد من تخصيص العام بالخاص.
و لما انجر الكلام الى هنا فلا بأس الى الاشارة الى ما هو الحق من أن مقتضى دليل الاعتبار الطريقية و الكاشفية أو مقتضاه جعل الحكم فنقول في مقام الثبوت لا نرى مانعا عن تعلق الجعل بالطريقية و بعبارة اخرى العلم الوجداني اذا صادف الواقع يكون منجزا بحكم العقل اذا كان متعلق العلم حكما الزاميا و ان كان مخالفا مع الواقع يكون العلم معذرا و لا مانع عن جعل المولى امارة على الواقع و يكون نتيجة الجعل المذكور ترتب الاثر المترتب على العلم الوجداني
على الطريق الجعلي التعبدي و بعد امكان الجعل المذكور ثبوتا تصل النوبة الى مقام الاثبات و الظاهر ان عمل العقلاء بخبر الثقة أو العادل من باب كونهم يرون الاخبار الكذائي طريقا الى الواقع و الشارع الاقدس أمضى ما عليه العقلاء فليكن هذا بذكرك كى ينفعك عند الاستدلال على حجية الخبر الواحد.
الوجه الرابع: النصوص الدالة على عدم اعتبار الخبر الذي لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من الكتاب:
منها: ما عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، و منهم من لا نثق به، قال:
اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به[1]. الى غيره مما ذكر في الباب المذكور من الوسائل و جامع الاحاديث ج 1 ص: 258 و 259.
فان الخبر ان كان عليه شاهد من الكتاب يكون وجوده كعدمه فان الكتاب بنفسه يكفي للاستناد و ان لم يكن فيه شاهد على الخبر لا يكون ذلك الخبر حجة، فالنتيجة عدم حجية الخبر الواحد.
و الجواب عن الاستدلال المذكور: انه لا اشكال و لا كلام في صدور أخبار منهم(عليهم السلام)خالية عن الشاهد عليها في كتاب اللّه بل لا اشكال في صدور أخبار و احكام مخالفة مع العام الكتابي أو مطلقه فان أهل البيت عدل القرآن و بيان التفاصيل المربوطة بالآيات القرآنية يؤخذ منهم.
ان قلت: فعلى اي معنى تحمل هذه الطائفة قلت اولا: انا لا نعلم بصدور هذه الطائفة منهم(عليهم السلام)و لا يقطع بصدورها عن
[1]الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضى الحديث: 11.
مخازن الوحى ارواحنا فداهم فلا ملزم لحملها على محمل.
و ثانيا: ان هذه الطائفة مطلقة من حيث كون الراوي ثقة أم لا و ادلة اعتبار خبر الثقة تخصصها و بعبارة واضحة تخصيص العام و تقييد المطلق أمر ان على طبق الصناعة العلمية.
و ثالثا: ان الاستدلال بالروايات على عدم اعتبار الخبر الواحد دوري و عهدة دعوى تواتر النصوص المشار اليها على مدعيها.
الوجه الخامس: النصوص الدالة على ان ما خالف الكتاب زخرف
منها ما رواه ايوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: كل شيء مردود الى الكتاب و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف[1].
فكل خبر يكون مخالفا للاطلاق الكتابي أو عمومه فهو زخرف لانه مخالف مع الكتاب. و الجواب عن الوجه المذكور اولا: انه لا شبهة في صدور كثير من الاحكام منهم(عليهم السلام)المخالفة بالعموم و الخصوص أو بالاطلاق و التقييد أو بوجه آخر فلا يكون المراد من هذه النصوص هذا النحو من المخالفة بل المراد منها المخالفة بالتباين أو بالعموم من وجه.
و ثانيا: انما يرد الاشكال المذكور على فرض تمامية الاخبار المذكورة من حيث السند و الدلالة و بعبارة اخرى يتم على تقدير تسليم اطلاق الاخبار المذكورة و شمولها لما يكون مخالفا بالعموم و الخصوص لكن نقول لا دليل على اعتبار نفس هذه الاخبار فان اثبات كونها متواترة صادرة عنهم مشكل.
و ثالثا: سلمنا و اغمضنا عن هذه الجهة ايضا لكن نقول هذه النصوص المشار اليها مطلق من حيث كون الراوي عنهم ثقة أو
[1]نفس المصدر الحديث: 14.
غير ثقة و ادلة حجية الخبر الواحد تقيد اطلاقات هذه النصوص.
ان قلت: لسان هذه الاخبار غير قابل للتخصيص اذ كيف يمكن تخصيص قوله ما خالف الكتاب زخرف و أمثال هذا المضمون. قلت:
هذا التقريب يدفع اصل الاشكال أي الاخبار المشار اليها لا تشمل المخالف بالعموم و الخصوص اذا المخالفة بهذا النحو لا يكون مخالفا عرفا مضافا الى أنه لا شبهة في صدوره عنهم كثيرا كما سبق منا فالمتحصل انه لا دليل على عدم اعتبار الخبر الواحد، هذا تمام الكلام في الموضع الاول.
الموضع الثاني: في بيان الوجوه القابلة للاستدلال بها على حجية الخبر الواحد.
الوجه الاول: [الاستدلال بآية النبأ]
قوله تعالى«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»[1].
و شأن نزول الآية على ما يظهر من التفسير ان النبي(صلى اللّه عليه و آله)ارسل وليدا لاخذ صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحا به و كانت بينهم عداوة في الجاهلية فظن انهم هموا بقتله فرجع الى رسول اللّه و قال انهم منعوا صدقاتهم فغضب النبي(صلى اللّه عليه و آله)و هم ان يغزوهم فنزلت الآية و للاستدلال بها على المدعى تقريبات:
[للاستدلال بالآية على المدعى تقريبات]
التقريب الاول:
للاستدلال بها على المدعى ان وجوب التبين تعلق بعنوان نبأ الفاسق فيفهم اختصاص الحكم به و بعبارة اخرى التبين في حد نفسه لا يكون واجبا بل التبين مقدمة للعمل فخبر الفاسق لا يكون امارة على المخبر به بل لا بد من التبين فالآية بمفهوم الوصف تدل على نفي التبين فيما لا يكون المخبر فاسقا.
[1]الحجرات/ 6.
و يرد على هذا التقريب: ان ذكر الوصف و ان كان موجبا لاختصاص الحكم بمورد يكون المخبر فاسقا لكن لا مفهوم للقضية و على الجملة قد ثبت في بحث المفاهيم ان الوصف لا مفهوم له سيما اذا لم يكن معتمدا كما انه كذلك في الآية الشريفة و ان شئت قلت: ان الوصف و ان كان مشعرا بالعلية لكن يمكن أن يكون شيء آخر ايضا علة و ببيان واضح لا دليل على العلية المنحصرة مثلا اذا قال المولى اكرم العالم يستفاد من كلامه ان العلم مناط الاكرام لكن لا يستفاد من كلامه الانحصار بحيث لو قام دليل على وجوب اكرام العادل يقع التعارض بين الدليلين.
ان قلت: فما وجه ذكر الفاسق و تعليق الحكم عليه.
قلت: يفهم من هذا التعليق ان الفاسق ساقط عن درجة الاعتبار و لا يعتد بخبره مضافا الى أنه اعلام بكون الوليد فاسقا غير لائق لان يرتب اثر على اخباره و على الجملة لا اشكال في أن ذكر عنوان الفاسق لا يكون لغوا بل فيه عناية و لكن مجرّد العناية في ذكر الوصف لا يستلزم المفهوم.
التقريب الثاني:
ان لخبر الفاسق جهتين احداهما ذاتية و الاخرى عرضية أما الذاتية فكونه خبرا واحدا و أما العرضية فكونه خبر الفاسق و علل التبين بالجهة العرضية فيعلم ان العلة للحكم هي الجهة العرضية اي كون المخبر فاسقا اذ لو كان الملاك الجهة الذاتية لما عدل عنها الى العرضية فانه خلاف طريق المحاورة العرفية فتكون النتيجة ان العلة للحكم فسق المخبر فان لم يكن فاسقا لا يجب التبين و بعبارة واضحة ان مقتضى هذا التقريب ان المستفاد من الآية الشريفة ان علة وجوب التبين كون الخبر صادرا من الفاسق لا أنه خبر واحد، فالمتحصل ان الخبر على قسمين احدهما ما يكون
مخبره فاسقا، ثانيهما ما لا يكون مخبره فاسقا و القسم الاول لا يكون معتبرا و لا يعتد به و أما القسم الثاني فهو معتبر و يعتد به.
و يرد عليه اولا: ان ما ذكر في التقريب ليس تاما فانه يمكن العدول في مقام التعليل عن الجهة الذاتية الى الجهة العرضية لنكتة، مثلا في المقام يمكن أن يكون الوجه في التعليل بالفسق الاعلام بأن الوليد فاسق غير قابل للاعتماد على قوله و يمكن أن تكون الجهة العرضية أشدّ تأثيرا من العلة الذاتية فان الانسان اذا كان فاسقا و لا يكون على الطريق المستقيم فاحتمال كون خبره كذبا أقوى و على الجملة التقريب المذكور لا يكون تاما فلا يترتب عليه الاثر المرغوب فيه.
و ثانيا: انه لو قلنا و التزمنا بمفهوم الوصف في المقام يلزم أن يكون خبر غير الفاسق حجة و لو لم يكن عادلا كما لو كان المخبر في اول بلوغه و لم يرتكب ذنبا كى يصدق عليه عنوان الفاسق و كما لو كان المخبر مجنونا أو صبيا و هل يمكن الالتزام به؟ اللهم إلّا أن يقال على فرض الالتزام بالمفهوم يمكن تقييد اطلاق المفهوم فهذا الايراد غير وارد على التقريب المذكور.
و ثالثا: ان التقريب المذكور غايته أن يستفاد من الآية ان العلة لوجوب التبين فسق المخبر و لكن لا يتم المدعى الا بكون العلة منحصرة و لا يكون شيء آخر علة و الانحصار لا يستفاد من الآية فلاحظ.
التقريب الثالث:
للاستدلال بالآية على المدعى بمفهوم الشرط و هو ان وجوب التبين قد علق على مجيء الفاسق بالخبر و قد حقق في بحث المفاهيم ان الشرط ظاهر في المفهوم فبمقتضى مفهوم الشرط يستفاد من الآية الشريفة اختصاص التبين بخبر الفاسق.
و قد وردت على الاستدلال بالآية على المدعى وجوه من الاشكال: