العموم اذ الاستصحاب أصل عملي و العموم اصل لفظي و دليل اجتهادي و انما البحث في تشخيص المصداق و انه متى يؤخذ بعموم العام و متى يؤخذ بالاستصحاب.
فنقول أفاد الشيخ قدس ان العموم الازماني تارة يكون على نحو العموم الاستغراقي بان يكون لكل قطعة من قطعات الزمان حكم غير ما يكون للفرد الآخر كالعموم الافرادي فكما ان المولى اذا قال أكرم العلماء يكون لكل فرد من أفراد العالم حكم و هو وجوب اكرامه و يكون لكل فرد اطاعة و عصيان كذلك العموم الازماني كصوم شهر رمضان فان لكل يوم من الشهر حكما غير مرتبط بحكم يوم آخر.
و اخرى يكون العموم بالنسبة الى الزمان عموما مجموعيا و يكون الحكم واحدا كالامساك من أول طلوع الفجر الى المغرب فانه ليس لكل آن حكم مستقل فان كان عموم العام من القسم الاول يكون المرجع عند الشك عموم العام اذ المفروض ان لكل قطعة من الزمان حكما خاصا فيكون عموم العام شاملا لمورد الشك و مع عموم العام لا تصل النوبة الى الاستصحاب.
و أما ان كان من القسم الثاني يكون المرجع عند الشك استصحاب حكم الخاص لان المستفاد من العام حكم واحد و قد انقطع يقينا.
و قال صاحب الكفاية: مجرد كون العموم مجموعيا لا يقتضي الرجوع الى الاستصحاب بل لا بد من ملاحظة ان الزمان اخذ في طرف المخصص بنحو الظرفية أو بنحو القيدية، فعلى الاول يجري الاستصحاب و على الثاني لا بد من الرجوع الى اصل آخر من البراءة أو غيرها حسب اقتضاء المقام.
و هذا الذي ذكرنا يختص بما يكون التخصيص من الوسط كخيار
الغبن على القول بثبوته من زمان الالتفات الى الغبن فانه قد خصّص وجوب الوفاء بمقدار دقيقة مثلا و بعدها لا مجال للاخذ بعموم العام اذ المفروض انقطاع الحكم بالخيار و بعد الزمان الاول لا دليل على وجوب الوفاء فتصل النوبة الى الاستصحاب.
و أما اذا كان التخصيص من الاول كخيار الحيوان مثلا فالمرجع بعد مضي الثلاثة عموم وجوب الوفاء بالعقد.
هذا على تقدير كون العموم مجموعيا و اما ان كان استغراقيا فالمتعين الرجوع الى العام ان لم يكن له معارض و ان كان له معارض يكون المرجع الاستصحاب ان كان الزمان مأخوذا على نحو الظرفية و إلّا يكون المرجع اصل آخر اذ مع كون الزمان قيدا لا يمكن الاخذ بالاستصحاب فانه اجراء حكم موضوع الى موضوع آخر و يشترط في الاستصحاب وحدة الموضوع». فعلى ما ذكره صاحب الكفاية تكون الصور أربعة. الصورة الاولى: أن يكون عموم العام ازمانيا و يكون الزمان مأخوذا في المخصص على نحو الظرفية و لكل زمان حكم مخصوص و في هذه الصورة يكون المرجع عموم العام و لا مجال للاستصحاب اذ مع عموم العام و الدليل الاجتهادي لا مجال للاخذ بالاصل العملي.
الصورة الثانية: هي الصورة الاولى بعينها و يكون الزمان مأخوذا في الخاص على نحو القيدية و في هذه الصورة أيضا يكون المرجع عموم العام بالتقريب المتقدم ذكره آنفا إلّا أن يكون العام ساقطا بالمعارضة فعلى تقدير كون الزمان مأخوذا في الخاص على نحو الظرفية تصل النوبة الى الاستصحاب و ان كان على نحو القيدية تصل النوبة الى اصل آخر.
الصورة الثالثة أن يكون عموم العام عموما مجموعيا فان التخصيص ان كان من الاول يكون المرجع عموم العام كما في خيار المجلس فانه بعد الافتراق اذا شك في بقاء الخيار يكون المرجع عموم وجوب الوفاء بالعقد لكن لا تصل النوبة الى الاخذ بالعموم في المثال المذكور اذ يستفاد من نفس دليل خيار المجلس لزوم العقد بالافتراق حيث قال(عليه السلام)«و اذا افترقا وجب البيع».
و أما اذا كان التخصيص من الوسط فلا مجال للرجوع الى العام اذ المفروض انقطاع الحكم فان كان الزمان قيدا في دليل المخصص يكون المرجع اصل آخر من براءة أو غيرها اذ فرض سقوط العام عن الاعتبار و من ناحية اخرى لا مجال للاستصحاب لعدم جواز اسراء حكم موضوع الى موضوع.
الصورة الرابعة: هي الثالثة مع كون الزمان ظرفا فاذا كان العام ساقطا لكون التخصيص من الوسط تصل النوبة الى الاستصحاب.
و قال سيدنا الاستاد(قدس سره): «ان ما أفاده صاحب الكفاية من أن مجرد كون عموم العام مجموعيا لا يقتضي الرجوع الى الاستصحاب بل لا بد من ملاحظة ان الزمان اخذ في ناحية دليل المخصّص على نحو الظرفية فيجري الاستصحاب أو على نحو القيدية فلا يجرى متين.
و أما ما أفاده من التفصيل بين كون التخصيص من الاول أو من الوسط فعلى الاول يؤخذ بالعموم و على الثاني لا يؤخذ به، فلا بد فيه من التفصيل بأن نقول تارة يثبت حكم في مورد و يستفاد استمراره من دليل آخر بأن يرد دليل يدل على كون الحكم الفلاني مستمرا و اخرى يستفاد نفس الحكم و استمراره من نفس الدليل كما ان الامر كذلك في مفاد وجوب الوفاء بالعقود فان أصل اللزوم
و استمراره كليهما مستفادان من قوله تعالى«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».
فانه ان كان من القسم الاول يتم ما أفاده صاحب الكفاية اذ يمكن أن يقال انه كان التخصيص من الاول و بعد ذلك ثبت الحكم في الجملة و استمر بالدليل الخارجي و أما اذا كان التخصيص من الوسط فانقطع الاستمرار فلا دليل بعد ذلك يدل على شمول الحكم في مورد التخصيص.
و أما اذا كان كلا الامرين مستفادين من نفس الدليل كما يستفاد اللزوم و استمراره من وجوب الوفاء بالعقد فلا فرق بين كون التخصيص من الاول أو من الوسط اذ بعد فرض الانقطاع لا دليل على اللزوم».
و ما أفاده في مقام الايراد على الشيخ و صاحب الكفاية متين.
اذا عرفت ما تقدم فاعلم انه لا فرق بين العام الاستغراقي و العام المجموعي فكما ان العام الاستغراقي اذا خصّص و خرج فرد عن تحت العموم يكون حجة في باقي الافراد كذلك الامر في العام المجموعي.
مثلا لو قال المولى اكرم هؤلاء العشرة و بعد ذلك خرج واحد منها بدليل خارجي يكون حكم المولى نافذا في البقية و على ذلك لو أمر المولى بالوفاء بعقد من العقود عشر سنوات و بعد ذلك خرج شهر بدليل يجب الوفاء بالعقد في بقية المدة.
فتحصل مما ذكرنا ان المرجع عند الشك في الاخذ بالعام أو استصحاب حكم المخصّص عموم العام بلا فرق بين كونه استغراقيا أو مجموعيا و بلا فرق بين أن يكون التخصيص من الاول أو من الوسط.
التنبيه الثامن عشر: [يعتبر في الاستصحاب اتحاد القضية]
انه يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضية موضوعا و محمولا في الحالتين و الوجه في الاشتراط المذكور انه لولاه لا يصدق رفع اليد عن الحالة السابقة نقضا لليقين بالشك و لا الجري العملي على طبق الحالة السابقة مضيا عليها.
مثلا لو علمنا بعدالة زيد سابقا و شككنا فيها لاحقا يكون الجري العملي على طبق عدالته مضيا على الحالة السابقة و عدم الجري على طبق عدالته يكون نقضا.
و اما لو شككنا في اجتهاده لا يكون الجري العملي على طبق اجتهاده جريا على طبق العلم بالعدالة كما ان عدم الجري على طبق اجتهاده لا يكون نقضا للحالة السابقة.
و ايضا لا يكون الجري على طبق عدالة بكر مضيا على الحالة السابقة و لا يكون عدم الجري على طبق عدالته نقضا عمليا للحالة السابقة فقوام الاستصحاب باتحاد القضية المتيقنة و المشكوك فيها موضوعا و محمولا.
اذا عرفت ما تقدم فاعلم ان المستصحب قد يكون من الموضوعات و قد يكون من الاحكام و على الاول قد يكون من المحمولات الاولية المعبر عنها بمفاد كان تامة أو ليس تامة و اخرى يكون من المحمولات الثانوية التي تعرض على الوجود.
و بعبارة واضحة: قد يكون المستصحب نفس الوجود و العدم و اخرى يكون أمرا عارضا على الوجود. فان كان من القسم الاول أي يكون محمولا اوليا كان موضوعه الماهية و لا يعقل في هذا القسم اعتبار وجود الموضوع اذ مع فرض العلم بوجود زيد مثلا لا يعقل
أن يشك في بقاء وجوده كما ان الأمر كذلك لو علم بعدمه فلا مجال للشك.
مضافا الى أنه لا يعقل عروض العدم على وجود زيد و إلّا يلزم اجتماع النقضين فلو شك في وجود زيد أو عدمه يكون الموضوع نفس الماهية.
و اما ان كان الشك في المحمول الثانوي كعدالة زيد مثلا فله اقسام:
القسم الاول ما يكون الشك في بقاء المحمول ناشيا عن الشك في بقاء الموضوع، و أما مع العلم ببقاء الموضوع فلا يشك في بقاء المحمول كما لو شك في بقاء عدالة زيد و يكون الشك في بقاء عدالته ناشيا عن الشك في بقائه أي بقاء زيد.
و في جريان الاستصحاب في هذا القسم اشكال و هو انه لا اشكال في بقاء العدالة مع وجود زيد فلا يجري الاستصحاب في العدالة لعدم الشك فيها مضافا الى عدم جريان الاستصحاب مع الشك في الموضوع.
و ايضا لا يجري الاستصحاب في بقاء زيد اذ المفروض ان المقصود التعبد بعدالته فاستصحاب بقائه بلا لحاظ عدالته غير مقصود و أما استصحاب بقائه لا ثبات عدالته فهو من صغريات الاصل المثبت الذي لا نقول به فما الحيلة و ما الوسيلة.
و يمكن دفع الاشكال باحد نحوين: احدهما: ان يجرى الاصل في الموضوع المقيد بهذا القيد بأن نقول زيد كان عادلا بالامس و نشك في بقائه متصفا بهذه الصفة و الاستصحاب يقتضي بقائه على ما كان فبالاستصحاب نحرز بقائه متصفا بالوصف المذكور أي يكون باقيا عادلا.
ثانيهما: أن يجرى الاصل تارة في الموضوع و اخرى في المحمول
نظير جريان الاصل في الموضوعات المركبة كما لو علم بأن الماء الفلاني مطلق و كر ثم شك في بقائه على الاطلاق و الكرية فلا مانع عن جريان الاصل في كل واحد من الوصفين و المقام كذلك.
و يرد عليه ان قياس المقام بذلك الباب مع الفارق اذ المفروض ان كل واحد من الاطلاق و الكرية عارض على الماء و المشكوك فيه بقاء و لا مانع عن جريان الاستصحاب في كل واحد منهما لتمامية اركانه بالنسبة الى كل منهما و أما العدالة في المقام فلا اشكال في بقائها على تقدير بقاء زيد.
و بعبارة اخرى: لا شك في بقائها من حيث عمود الزمان و انما الشك فيها من جهة الشك في بقاء موضوعها و المفروض ان جريان الاصل في موضوعها لا يقتضى اثباتها الا على القول بالمثبت الذي لا نقول به فلاحظ.
القسم الثاني: أن يشك في بقاء المحمول الثانوي و لا يكون الشك في بقائه ناشيا عن الشك في بقاء موضوعه كما لو شك في بقاء عدالة زيد مع العلم ببقائه و في هذه الصورة لا مانع عن جريان الاستصحاب في العدالة لتمامية اركانه.
فنقول لا اشكال في بقاء زيد في دائرة الوجود و أما عدالته فمورد الشك و مقتضى الاستصحاب بقائها.
القسم الثالث: ما يشك في بقاء كل واحد من المحمول الاولي و الثانوي كما لو علمنا بوجود زيد العادل في الخارج ثم شك في بقائه و بقاء عدالته و في هذه الصورة لا مانع عن جريان الاستصحاب بالتقريبين المتقدمين بأن نقول يمكن جريان الاستصحاب في الموضوع تارة و في المحمول اخرى و يمكن جريان الاستصحاب في
المقيد بما هو مقيد هذا تمام الكلام بالنسبة الى الشك في بقاء الموضوع.
و اما اذا شك في بقاء الحكم فتارة يكون الحكم المشكوك فيه حكما جزئيا و اخرى يكون كليا فيقع الكلام في موردين:
أما المورد الاول فنقول: الشك في بقاء الحكم الجزئي كالشك في طهارة الماء الفلاني أو نجاسة الجسم الكذائي و أمثالهما مسبب عن الشك في وجود الرافع هذا من ناحية. و من ناحية اخرى الاصل الجاري في السبب مقدم على الاصل الجاري في المسبب.
و عليه في مورد الشك في بقاء الحكم الجزئي لا تصل النوبة الى جريان الاصل في نفس الحكم بل الاصل يجري بالنسبة الى رافعه و يحكم بعدم الرافع باستصحاب عدمه و يترتب عليه الجزم ببقاء الحكم.
و لو وصلت النوبة الى جريان الاصل بالنسبة الى نفس الحكم لمانع عن جريانه بالنسبة الى المانع لا يجري الاستصحاب في نفس الحكم اذ استصحاب بقاء الحكم يعارضه أصل عدم كون الجعل طويلا.
و أما المورد الثاني فتارة يكون الشك في البقاء من ناحية احتمال النسخ و اخرى يكون من غير هذه الناحية أما الشك من ناحية النسخ فربما يقال: انه لا مجال للاستصحاب اذ النسخ بمعناه الحقيقي غير معقول بالنسبة الى ذاته تعالى فان البداء محال بالنسبة اليه تعالى و أما بمعنى الابداء فيكون الشك في الحدوث لا في البقاء فان كان لدليل الحكم اطلاق بالنسبة الى الازمنة المتأخرة يؤخذ به و إلّا تصل النوبة الى الاخذ بالدليل الخارجي الدال على الاستمرار و هو قوله(عليه السلام)حلاله حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة.
و يرد عليه ان النسخ تخصيص أزماني و التخصيص الازماني