الذي تقع نتيجة ذلك البحث في طريق استنباط الحكم الكلي، و هذا التعريف لا ينطبق على القاعدة فان البحث في القاعدة عن نفس الحكم الشرعي لا عن طريق الاستنباط الحكم الشرعي.
و بعبارة اخرى: البحث في القاعدة كالبحث عن بقية القواعد الفقهية مثلا في بحث البراءة يبحث في أن المكلف اذا شك في حرمة شيء و حليته هل يكون مقتضى القاعدة اجراء البراءة عن الحرمة أم لا؟
و في المقام يبحث في أنه اذا شك في صحة العمل و فساده هل يكون مقتضى الادلة الحكم بالصحة أم لا؟
و صفوة القول: ان البحث في القواعد الفقهية عن أحوال فعل المكلف من حيث الحكم التكليفي أو الوضعي و هذا بحث فقهي.
الجهة الثانية: [هل القاعدة من الامارات أو من الاصول العملية؟]
في أن القاعدة هل هي من الامارات أو من الاصول العملية؟ الظاهر انها من الامارات فان الامارة ما يكون كاشفا عن الواقع بالتعبد و القاعدة كذلك اذ احتمال الاشتباه و الاخلال بالعمل خلاف الاصل الاولي العقلائي.
و بعبارة اخرى: العقلاء لا يعتنون باحتمال الاخلال في العمل الصادر منهم و الشارع الاقدس أمضى هذه السيرة العقلائية فيكون الفراغ عن العمل في وعاء الشريعة كاشفا عن الاتيان به هذا بالنسبة الى احتمال الاشتباه.
و أما احتمال تعمد الاخلال بالعمل فهو مدفوع باستصحاب عدم الاتيان بالمبطل و لا يكون مرتفعا بالقاعدة إلّا أن يقال احتمال تعمد الاخلال ايضا مخالف للاصل العقلائي فان احتمال الاخلال العمدي خلاف كون المكلف في مقام الامتثال فمقتضى القاعدة المقررة عند
العقلاء الممضاة عند الشارع عدم الاخلال لا عمدا و لا اشتباها فتكون القاعدة امارة من الامارات.
ان قلت: احتمال العمد ينافي الجزم بكونه في مقام الامتثال.
قلت اذا فرضنا ان المكلف جاهلا بكون القهقهة مثلا مبطلة للصلاة و لكن يحتمل كونها مبطلة فلو كان بحسب الطبع في مقام الامتثال و جزم بأنه صلى صلاة الظهر مثلا و اتمها و لكن يحتمل انه أتى بالقهقهة عمدا فما المانع عن الاخذ بالقاعدة و الحكم بالصحة.
و لو اغمض عن التقريب المذكور فالظاهر انه لا مانع عن الاخذ باستصحاب عدم الاتيان بالمبطل بل لقائل أن يقول: انه لو احتمل المكلف رفع اليد عن المركب في أثنائه يجوز الاخذ بالاستصحاب و الالتزام بالاتمام فان مقتضى استصحاب كونه مشغولا بالعمل و عدم رفع اليد عنه الاتيان بالواجب.
و ان شئت قلت: الاتصال يساوق الوحدة و المفروض انه شرع في العمل فاذا شك في الاتمام و عدمه يكون مقتضى استصحاب بقاء الاشتغال، الاتيان و الاتمام و يترتب عليه فراغ الذمة فلاحظ.
و الظاهر انه لا فرق بين القول بكونها من الامارات و بين القول بكونها من الاصول فانه لا اشكال في تأخرها عن الامارات و تقدمها على الاستصحاب.
فلو شك في صلاته بعد الفراغ من جهة كونها واجدة للطهارة ام لا؟ يحكم بصحة الصلاة بمقتضى القاعدة و لا يجري استصحاب عدم تحقق الصلاة الصحيحة في الخارج كما انه لا اشكال في أنه لو قامت امارة على عدم تحقق الوضوء يحكم بالبطلان فلا فرق بين القولين.
ان قلت: تظهر النتيجة بين القولين فيما يكون المكلف جنبا
فصلى ثم شك في الاغتسال و عدمه فتجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى صلاته فعلى القول بكون القاعدة من الاصول يجب الاغتسال للاعمال الآتية حيث يشك في الغسل و مقتضى الاستصحاب عدمه.
و على القول بكونها من الامارات يترتب عليه الغسل فان لوازم الامارات تترتب عليها و هذه نتيجة مهمة.
قلت: لا دليل على ترتب اللوازم العقلية على الامارة على الاطلاق بل الترتب يحتاج الى الدليل و انما نلتزم بترتبها في باب الاخبار للسيرة العقلائية على ترتبها و إلّا فمجرد كون شيء امارة لا يقتضي ترتب اللوازم العقلية.
ثم انه بعد ما ثبت ان القاعدة من الامارات فلا اشكال في تقدمها على الاستصحاب لحكومة القاعدة عليها فان موضوع الاستصحاب الشك في البقاء و مفاد القاعدة الغاء الشك و جعل المكلف عالما فلو شك في صحة وضوئه و فساده تجري قاعدة الفراغ و لا مجال لاستصحاب عدم تحقق الوضوء اذ مع القاعدة لا يشك المكلف في تحقق الوضوء و مع عدم الشك لا موضوع للاستصحاب هذا على تقدير كونها من الامارات.
و أما على القول بكون القاعدة من الاصول فائضا تقدم على الاستصحاب و الوجه فيه: انه لو لم تتقدم على الاستصحاب يكون جعلها لغوا اذ ما من مورد يشك في الصحة و عدمها إلّا و في ذلك المورد يجري استصحاب عدم الاتيان بما هو شرط أو جزء.
نعم اذا فرض في مورد يكون استصحاب العدم معارضا بمثله و يسقط الاستصحاب بالتعارض تجري القاعدة لكن فرض تحقق التعارض بين الاصلين و سقوط الاستصحاب عن الاعتبار بالمعارضة يكون نادرا ملحقا بالعدم فلا اشكال في تقدم القاعدة على الاستصحاب.
و في المقام اشكال و هو ان من رام كون القاعدة من الامارات يستدل بخبرين: الاول ما رواه بكير بن اعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك[1].
الثاني: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انه قال: اذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم اربعا و كان يقينه حين انصرف انه كان قد أتم لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك[2].
بتقريب ان قوله في كلا الحديثين في مقام تعليل الحكم و العلة تعمم الحكم و تخصّصه فلا تجري القاعدة مع القطع بالغفلة فلا تكون اصلا بل تكون امارة.
و يرد على التقريب المذكور اولا: ان الحديثين مخدوشان سندا أما الحديث الاول فمخدوش من ناحية بكير اذ لم يوثق صريحا نعم نقل بأنه لما وصل نبأ وفاته الى الامام(عليه السلام)قال(عليه السلام):
«لقد انزله اللّه بين رسول اللّه و امير المؤمنين».
فيلزم ان يكون الرجل مقربا عند اللّه و عند رسوله و عند الامام فيكون صدوقا و إلّا فكيف يمكن ان تكون له هذه المرتبة العليا.
و هذا البيان و الاستدلال غير صحيح نقضا و حلا. أما نقضا فبالسيد الحميرى فانه حين وفاته حلف و قال و اللّه دخلت الجنة و ابيض لونه بعد اسوداده مع ان المعروف انه كان متجاهرا بالفسق.
و ايضا الحر الشهيد الرياحي هو الذي صار سببا لابتلاء أبي عبد اللّه الحسين الى ان قتل و لكن مع ذلك صار في زمرة الشهداء و وضع الحسين(عليه السلام)رأسه في حجره و صار مدفنه مزارا للشيعة.
[1]- الوسائل الباب 42 من أبواب الوضوء الحديث 7.
[2]- الوسائل الباب 27 من أبواب الخلل الحديث 3.
و أما حلا فلأنه يمكن أن تكون للشخص خصوصية و تلك الخصوصية توجب القرب من مقام القدس الربوبي. فتحصل ان القضية المذكورة لا توجب وثاقة الرجل في قوله و صدقه في كلامه و مقاله.
و أما الحديث الثاني فمخدوش لضعف اسناد الصدوق الى محمد ابن مسلم و للحديث سند آخر و ذلك السند لا بأس به.
و ثانيا ان المراد من كون العلة معممة و مخصصة ان الحكم المستفاد من القضية دائر مدار تلك العلة و هذا المقدار لا يوجب رفع اليد عن الدليل الآخر الدال على ثبوت ذلك الحكم في مورد آخر كما ان الأمر كذلك في المقام.
لاحظ حديث محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:
كلما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو[1]. فانه بالعموم الوضعي يدل على جريان القاعدة في كل مورد يشك في الصحة و الفساد.
و بعبارة اخرى: لا مفهوم للقضية المعللة فلو قال المولى لا تأكل الرمان لأنه حامض يفهم من كلامه ان الحرام اكل الحامض فيختص الحكم بمقتضى هذا القول بأكل الحامض فلو قال في دليل آخر لا تأكل الحلو لا يقع التعارض بين الدليلين لعدم التنافي بين الاثباتين.
و ثالثا: ان اي دليل دل على كون المذكور في الحديثين علة بل يمكن أن يكون حكمة للجعل كما اختاره المحقق النائيني على ما في التقرير، فانه لو لم تكن الجملة ظاهرة في الحكمة فلا اقل من عدم الظهور في العلة.
و رابعا: انه ما المراد من كون الأذكرية علة للحكم فان المراد اما الاذكرية النوعية أو الشخصية أما الأذكرية النوعية فلا تنافي
[1]- الوسائل الباب 23 من أبواب الخلل الحديث 3.
العلم بعدمها في المورد الشخصى كما هو ظاهر.
و ان كان المراد الاذكرية الشخصية فلا بد من العلم بكونه أذكر حين العمل و الحال انه مع العلم بالذكر لا يحتمل الفساد الا من ناحية احتمال العمد.
و خامسا: ان الظاهر من الجملة في الحديثين جعل الشاك عالما أي يحكم المولى على نحو الحكومة ان الذي فرغ من العمل و يحتمل فساد ما صدر عنه كان عالما و ذاكرا حين العمل و من المعلوم ان الذاكر ياتي بالوظيفة فلا تختص القاعدة بصورة احتمال الذكر بل تجرى حتى مع العلم بعدم الالتفات.
ان قلت: كيف يمكن جعل المولى غير الملتفت ملتفتا؟
قلت: يرد على الايراد المذكور نقضا و حلا، أما نقضا فكما لو قال المولى ولد العالم عالم و الطواف بالبيت صلاة و هذا ان المثالان مشهوران في باب الحكومة.
و ثانيا: انه لا مانع عن الحكومة مع القطع بالخلاف اذ الحكومة خفيفة المئونة حيث انها من باب الاعتبار و الاعتبار بيد المولى نعم يلزم أن يكون لها اثر و يدل عليها دليل و كلا الامرين موجودان في المقام.
فالنتيجة انه لا مجال للقول بأن القاعدة من الامارات و نتيجة ما ذكرنا جريانها حتى مع العلم بالغفلة بل حتى مع احتمال الاخلال العمدي.
و سادسا: انه مع الاغماض عن جميع ما ذكرنا نقول غاية ما في الباب ان الحديثين يدلان على عدم جريان القاعدة مع الجزم بالغفلة حين العمل لكن نقول دلالتها على عدم الجريان في صورة الغفلة مع التجاوز و الفراغ عن العمل بالاطلاق و يقيد الاطلاق بحديث محمد
ابن مسلم[1]الدال بالعموم الوضعي على جريان القاعدة في مورد الفراغ و العلم بالغفلة حين العمل و الشك في الصحة و الفساد.
ان قلت: ان النسبة بين الدليلين عموم من وجه فان ما به الافتراق من قبل التعليل مورد عدم صدق التجاوز و ما به الافتراق من ناحية حديث ابن مسلم مورد احتمال التذكر و يقع التعارض بين الجانبين فيما يصدق عنوان التجاوز و لا يحتمل التذكر فما الوجه في تقديم الحديث و الحال ان مقتضى التعارض التساقط؟
قلت: الوجه فيه ان عموم العلة بالاطلاق و عموم الحديث بالوضع و ما بالوضع قابل للتصرف فيما بالاطلاق فالنتيجة انه على جميع التقادير تجري القاعدة حتى مع الغفلة و انقدح بما ذكرنا كما تقدم ان القاعدة لا تكون من الامارات بل حكم مجعول من قبل الشارع للشاك في الصحة و الفساد.
الجهة الثالثة: [قد عرفت قاعدة التجاوز بالشك في وجود شيء بعد التجاوز عنه]
في أنه قد عرفت قاعدة التجاوز بالشك في وجود شيء بعد التجاوز عنه كما لو شك المكلف في الاتيان بالفاتحة بعد الدخول في السورة مثلا و أما قاعدة الفراغ فقد عرفت بالشك في صحة ما اتى به و فساده و بعد بيان مورد القاعدتين و تميز إحداهما عن الاخرى لا بد من النظر في نصوص الباب كي نرى أي مقدار يمكن أن يستفاد منها و هل يمكن الاستدلال بها على كلتا القاعدتين أو يختص الدليل بإحداهما؟
فنقول: من النصوص الواردة في المقام ما رواه زرارة قلت لابي عبد اللّه(عليه السلام): رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة؟
قال: يمضي، قلت: رجل شك في الاذان و الاقامة و قد كبّر؟
قال: يمضي:
[1]- قد تقدم ذكر الحديث فى ص 135.
قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ؟ قال: يمضي، قلت: شك في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضي، قلت: شك في الركوع و قد سجد؟ قال: يمضي على صلاته، ثم قال: يا زرارة اذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء[1].
و هذه الرواية تامة سندا، و أما من حيث الدلالة فالمستفاد منها ان المكلف اذا شك في صحة شيء و فساده بعد دخوله في غير ذلك الشيء فلا أثر لشكه.
و لا يشمل الحديث صورة الشك في أصل الوجود بل الظاهر من الحديث لو لم يكن صريحه انه لو شك في شيء بعد خروجه عن عين ذلك الشيء لا يعتنى بشكه و لا يدل على بيان حكم الخروج عن محله و الحمل على الخروج عن المحل خلاف الظاهر.
فلو شك المكلف في أن البسملة التي اتى بها هل تحققت صحيحة أم لا؟ يحكم بصحتها و أما اذا شك في أصل وجودها فلا تكون الرواية المذكورة متكفلة للحكم باتيانها بل مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بها فهذه الرواية يختص بقاعدة الفراغ و لا تشمل قاعدة التجاوز.
ان قلت: الخروج عن الشيء لا يجتمع مع الشك فيه اذ كيف يمكن أن يكون الخروج مفروضا و مع ذلك يكون ما خرج منه مشكوكا فيه.
قلت: اذا كان الشك في صحة ما خرج منه يتم الأمر فان المكلف يدخل في الغسل و يعلم بعد ذلك انه اغتسل و خرج منه و أتى به و لكن يشك في أنه أتى به على ما هو المقرر أم لا فالحق ما ذكرنا.
و من تلك النصوص ما رواه زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا؟
فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انّك لم تغسله أو تمسحه
[1]- الوسائل الباب 23 من أبواب الخلل الحديث 1.