عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال له رجل: اذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد انه له؟ قال: نعم.
قال الرجل: اشهد انه في يده و لا اشهد انه له فلعله لغيره فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): ا فيحل الشراء منه قال: نعم.
فقال ابو عبد اللّه(عليه السلام): فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هولي و تحلف عليه و لا يجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك ثم قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق[1].
فانه(عليه السلام)علل الحكم بامارية اليد بانه لو لاها لا يقوم للمسلمين سوق و حيث ان الملاك موجود في المقام فبمقتضى عموم العلة نحكم باعتبار اصالة الصحة.
و فيه اولا: ان السند مخدوش فلا اعتبار بالحديث. و ثانيا: ان غاية ما يمكن أن يستفاد من الحديث ان اصالة الصحة تجري في العقود الواقعة بين الناس و أما جريانها في الايقاعات و المعاملات بالمعنى الاعم كغسل الثوب مثلا و جريانها في العبادات الصادرة عن الغير كصلاة الميت مثلا فلا دليل عليه و لا يتم الاستدلال بالحديث كما هو ظاهر.
الوجه السادس: السيرة الجارية بين العقلاء و المتشرعة بلا نكير و لا اشكال في استمرار السيرة المذكورة و اتصالها بزمان المعصوم فلو لم تكن تامة لكان اللازم ردع السيرة من قبل مخازن الوحي ارواحنا فداهم.
و هذا الوجه تام لا ريب فيه فلا اشكال في هذه القاعدة و اعتبارها
الجهة الثالثة: [في أن المراد بالصحة، الصحة عند الحامل لا عند العامل]
في أن المراد بالصحة، الصحة عند الحامل لا عند
[1]- الوسائل الباب 25 من ابواب كيفية الحكم الحديث 2.
العامل و بعبارة اخرى يحمل عمل الغير على الصحيح الواقعي الذي يراه الحامل تاما لا الصحة عند العامل اذ لا أثر له في نظر الحامل.
و ان شئت قلت: اصالة الصحة لا تكون أشد اثرا من العلم الوجداني فلو فرض العلم الوجداني بأن العامل يعمل على طبق ما يكون صحيحا عنده لا أثر له للحامل إلّا أن يحمل على ما يكون صحيحا عنده ايضا و هذا ظاهر.
ثم ان الحمل على الصحة باعتبار العلم بحال العامل و عدمه يتصور على صور و ينبغي لحاظ كل واحدة من هذه الصور و بيان حكمها بحيالها و استقلالها.
فنقول: الصورة الاولى: ما لو علم الحامل ان العامل جاهل بالحكم و لكن يحتمل أن يكون مراعيا للاحتياط كي يقع العمل صحيحا و الظاهر جريان الاصل في هذه الصورة للسيرة.
الصورة الثانية: هي الصورة مع عدم احتمال رعاية الاحتياط و لكن يحتمل كون العمل صحيحا من باب التصادف و الاتفاق و في هذه الصورة لا تجري اصالة الصحة لعدم الدليل على جريانها فان الدليل منحصر في السيرة فلا بد من الاقتصار على مقدار احراز تحققها و في هذه الصورة المفروضة لم يحرز جريانها.
الصورة الثالثة: أن يحتمل كونه عالما بالحكم و في هذه الصورة تجري اصالة الصحة فان السيرة جارية على الحمل على الصحة بلا فحص عن حال العامل من جهة علمه بالحكم و جهله.
الصورة الرابعة: أن يكون الحامل عالما بأن العامل عالم بالحكم و يعلم انه موافق معه في حكم المسألة و في هذه الصورة يجري الاصل بلا اشكال.
الصورة الخامسة: هي الصورة و لكن لا يعلم انه موافق أو مخالف و في هذه الصورة يجري الاصل ايضا اذ جريان الاصل لا يتوقف على الفحص.
الصورة السادسة: أن يعلم بكونه مخالفا بالتباين بأن يعلم ان ما يراه صحيحا فاسد عنده و لا اشكال في عدم جريان الاصل في هذه الصورة.
الصورة السابعة: أن يعلم بالمخالفة لا بالتباين كما لو كانت العربية شرطا في الصيغة عند الحامل و لا تكون شرطا عند العامل و جريان الاصل في الصورة المفروضة مشكل لعدم الجزم بالجريان و عدم احراز تحقق السيرة و مع الشك في السيرة لا دليل على الاصل.
الجهة الرابعة: في أن القاعدة من الامارات أو من الاصول
و الحق انها من الاصول اذ لا دليل على أن الشارع الاقدس اعتبرها امارة و طريقا تعبديا الى احراز الصحة.
الجهة الخامسة: [في انها من الاصول أو من الفقه]
انها من الاصول أو من الفقه و الحق هو الثاني فانها كبقية القواعد الفقهية تبين حال العمل من حيث الصحة و الفساد.
و بعبارة اخرى: انها ناظرة الى بيان الحكم الشرعي فتكون من مسائل الفقه.
الجهة السادسة: [هل يشترط في جريان اصالة الصحة باحراز قابلية المورد و قابلية الفاعل أم لا؟]
انه وقع الكلام بين القوم في أنه هل يشترط جريان اصالة الصحة باحراز قابلية المورد و قابلية الفاعل أم لا؟ فان قلنا بالاشتراط لا يجري الاصل مع الشك في كون الموجب قابلا للايجاب كما لو احتمل كونه صغيرا أو غير مالك للعين أو غير متول للعين الموقوفة و كما لو احتمل عدم قابلية العين للبيع كما لو احتمل كون غانم المباع حرا الى غير ذلك من الموارد.
و الحق أن يقال: انه لو كانت هناك امارة على الجواز فلا اشكال في الصحة كما في موارد تحقق اليد فان البائع اذا كان ذا اليد على العين يحمل فعله على الصحة اذ اليد امارة كون اختيار العين بيده فلو باع الوقف يصح مع احتمال عدم الجواز لعدم المجوز لبيعه و قس عليه بقية الموارد.
ففي كل مورد يكون امارة على الجواز يحكم بالجواز و أما مع عدم وجود امارة على جواز التصرف فيشكل الاخذ بقاعدة الصحة و حيث ان القاعدة ليس عليها دليل لفظي لا مجال للاخذ بها.
الجهة السابعة: [في جريان اصالة الصحة فى العمل]
ان جريان اصالة الصحة يتوقف على احراز العمل و عليه لا بد في جريان اصالة الصحة في غسل الثوب مثلا من احراز كون الغاسل في مقام الغسل و لكن لا ندري هل غسل الثوب على النحو الشرعي ام لا؟
و أما مع الشك في أصل الغسل فلا مجال لجريان اصالة الصحة.
و ايضا لو استأجر احدا للنيابة عن الميت في الصلاة لا بد في جريان الاصل من احراز قصد الاجير النيابة و الشك في الصحة و الفساد و هكذا.
ثم انه لو شك في عمل الاجير أو مطلق العامل فهل يكون طريق لاحراز عمله أم لا؟.
الحق أن يقال: تارة يكون الاجير أو العامل ثقة في كلامه و اخرى لا يكون أما على الثاني فلا يعتد باخباره عن تحقق العمل اذ لا دليل على اعتبار قول غير الثقة. و أما على الاول فيكون اخباره معتبرا لاعتبار قول الثقة.
الجهة الثامنة: [لو تعارض أصل الصحة مع الاستصحاب]
لو تعارض أصل الصحة مع الاستصحاب فتارة يقع الكلام في تعارضها مع الاستصحاب الحكمي و اخرى مع
الاستصحاب الموضوعي أما على الاول فلا اشكال في تقدم اصالة الصحة على الاستصحاب فلو شك في صحة البيع و فساده يحكم بالصحة و لا يجري استصحاب عدم تحقق الانتقال اذ مع اعتبار التعارض يكون اصل الصحة بلا مورد أو لا يبقى له الا مورد نادر و لا يمكن الالتزام به.
و أما على الثاني فكما لو شك في صحة بيع من حيث كون البائع بالغا أم لا؟ أو من حيث كون المبيع خمرا أو خلا مع كونه خمرا سابقا ففي مثله لا تجري اصالة الصحة لعدم السيرة في مثله.
الكلام فى القرعة:
و يقع الكلام فيها من جهات
الجهة الاولى: [في دليل القرعة و ما يمكن أن يستدل به ..]
في دليلها و ما يمكن أن يستدل به أو استدل وجوه: الوجه الاول قوله تعالى«فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»[1].
و تقريب الاستدلال بالآية على المدعى انه يستفاد منها ان القرعة ممضاة عند الشارع الاقدس.
و فيه ان تعرض الكتاب لهذه القصة لا يدل على امضائها كما هو ظاهر عند التأمل.
الوجه الثاني قوله تعالى«ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ»[2].
و تقريب الاستدلال بالآية هو التقريب و الجواب هو الجواب مضافا الى أنه لو سلم ان المستفاد من الآيتين امضاء الشارع الاقدس
[1]- الصافات/ 141.
[2]- آل عمران/ 44.
القرعة في الموردين لا يستفاد منهما جعل القرعة في الشريعة الاحمدية(صلى اللّه عليه و آله).
و استصحاب بقائها الى زماننا هذا على فرض تمامية اركانه معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.
الوجه الثالث: ما رواه في دعائم الاسلام قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «و اي حكم في الملتبس أثبت من القرعة أ ليس هو التفويض الى اللّه جل ذكره. و ذكر أبو عبد اللّه(عليه السلام)قصة يونس النبي(عليه السلام)في قوله جل ذكره«فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»و قصة زكريا و قوله جل و علا«وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ».
و ذكر قصة عبد المطلب لما نذر أن يذبح من يولد له فولد له عبد اللّه أبو رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)فألقى اللّه عليه محبته و ألقى السهام على ابل ينحرها يتقرب بها مكانه فلم تزل السهام تقع عليه و هو يزيد حتى بلغت مائة فوقعت السهام على الابل فاعاد السهام مرارا و هي تقع على الابل فقال الآن علمت ان ربي قد رضي و نحرها.
حكى أبو عبد اللّه(عليه السلام)هذه القصص في كلام طويل و حكى حكم أمير المؤمنين(عليه السلام)في الخنثى المشكل بالقرعة[1].
بتقريب ان المستفاد من الحديث كون القرعة امرا مجعولا شرعيا و لذا ينقل القصة الامام(عليه السلام)بلا نكير.
و فيه اولا: ان السند مخدوش فلا يعتد بالحديث. و ثانيا: ان هذه القصة وقعت قبل البعثة و لذا وقع النذر على ذبح الولد و الحال ان النذر المذكور غير مشروع في الشريعة فلا يمكن الاستدلال بهذه القصة على المدعى.
[1]- مستدرك الوسائل ج 17 الباب 11 من أبواب كيفية الحكم و احكام الدعاوى الحديث 2.
لكن الانصاف انه يستفاد من الحديث اعتبار القرعة و لو في الجملة فالعمدة في الاشكال عدم اعتبار السند.
الوجه الرابع: النصوص الواردة عن مخازن الوحي و هي كثيرة و ينبغي التعرض لكل واحد منها و ملاحظة سنده و دلالته.
فنقول من تلك النصوص ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: اذا وقع الحر و العبد و المشرك على امرأة في طهر واحد و ادعوا الولد اقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع[1].
و هذه الرواية لا بأس بها سندا و لكن لا يستفاد منها الميزان الكلي بل المستفاد منها جواز القرعة في مورد اشتباه الولد.
و منها ما رواه ابراهيم بن عمر عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل قال: اول مملوك املكه فهو حر فورث ثلاثة قال: يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق قال: و القرعة سنة[2].
و هذه الرواية لا بأس بها سندا لكن لا يستفاد منها مشروعية القرعة على نحو الاطلاق و العموم و تختص دلالتها بمورد لا واقع له.
و أما قوله(عليه السلام)في ذيل الحديث و القرعة سنة لا يستفاد منه الضابط الكلي الجاري في جميع الموارد بل المستفاد من هذه الجملة اعتبارها على نحو الاجمال إلّا أن يقال العرف مرجع في استفادة المفاهيم و عليه نقول يستفاد من الجملة الواقعة في ذيل الحديث بالفهم العرفي ان الامام(عليه السلام)و روحي فداه في مقام بيان الميزان الكلي و انطباق الكبرى الكلية على المورد و لو لاه لم يكن وجه للذيل.
[1]- الوسائل الباب 13 من ابواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوى الحديث 1.
[2]- نفس المصدر الحديث 2.
و على الجملة لا يبعد أن يقال: ان العرف يفهم من كلامه في ذيل الحديث بعد بيان الحكم انه روحي فداه يعطي ضابطا كليا لجميع الموارد.
ان قلت لا اشكال في عدم امكان الاخذ بدليل القرعة و اجرائها على نحو الاطلاق و العموم.
قلت: مقتضى الاطلاق الالتزام به غاية الامر ترفع اليد عن اطلاق الدليل في كل مورد يقوم دليل على الخلاف.
لكن الانصاف ان الجزم بأن قوله(عليه السلام)«و القرعة سنة» في مقام بيان ضابط كلي جار في جميع الموارد مشكل بل المستفاد من كلامه(عليه السلام)شرعية القرعة على نحو الاجمال في الشريعة.
و مثل الحديث المذكور في المفاد حديثان احدهما ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل قال: اول مملوك املكه فهو حرّ فورث سبعة جميعا قال: يقرع بينهم و يعتق الذي قرع[1].
و ثانيهما ما رواه عبد اللّه بن سليمان قال: سألته عن رجل قال: اول مملوك املكه فهو حرّ فلم يلبث ان ملك ستة ايهم يعتق قال: يقرع بينهم ثم يعتق واحدا[2]. و هذه النصوص كلها واردة في مورد خاص و لا عموم فيها.
و منها ما رواه ابن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم قال كان علي(عليه السلام)يسهم بينهم[3].
[1]- الوسائل الباب 57 من أبواب العتق الحديث 1.
[2]- نفس المصدر الحديث 2.
[3]- الوسائل الباب 13 من ابواب كيفية الحكم و احكام الدعاوى الحديث 3.